فقد جاءت حمدلته فيها موحية بموضوعها، بل محنة من أرسلت، أو كتبت إليه، مستعيناً فيها بما ضمنها من الأحاديث النبوية الشريفة، التي ترفع من معنويات متسلمها، ذاكراً في بدايتها الدنيا، أنها سجن المؤمن، حين استخدم عبارة من عبارات الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى، في شأن الدنيا، أنها سجن للمؤمن، وجنة للكافر، ولابد في النهاية من الانطلاق إلى آفاق أوسع، يتمتع فيها المؤمن بكل ما تشتهيه نفسه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت.
وإن المصائب والمحن ما هي إلا سبيل لرفع الدرجات، وتكفير الذنوب، والحياة الدنيا ليست ثابتة على حال، بله الخلود.
وبعد، لابد من الشكر لله جل وعلا، على كل ما صنع، فهو مالك الأمر كله.
وهذا الأمر تطلب منه تأكيد الفكرة بآيات شريفات، جاءت في الرسالة متتابعة يأخذ بعضها بقرن بعض، وحتم عليه الموقف أن يرفع من شأن من يحدثه، حتى لا يشعر المخاطب بأنه أقل من محدثه، كأنه يريد أن يذكره بأمرٍ يعرفه تمام المعرفة، ولا يغيب عن فكره، حتى لا يشعر المخاطب بالدونية، ذلك أن الدهر هذه طبيعته، لا يجعل هدفه إلا خواص الناس.
وبين له أن هؤلاء الخواص ذوي الأحساب، كثيراً ما شكوا الدهر، وقد ملئت الكتب بأخبار ظلمه إياهم، مما دفع هؤلاء إلى التسابق في مضمار هجائه، وبخاصة الشعراء منهم، لذلك لابد من ان يستشهد بأبيات شعرية تعضد هذا الرأي. بعد ذلك انطلق في تسجيل محن من أصيب بمحن الدهر، مسجلاً فيها نبذاً حكيمة طريفة من أقوالهم، مستعيناً في ذلك بشعر من كان منهم شاعراً.
وجاءت الخاتمة لتغلق باب الحديث في موضعها، وهو ما يسمى في علم البلاغة حسن الانتهاء، حين ذكر آخر كلمة قالها النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام: حسبي الله ونعم الوكيل. لكننا وبعد قراءة الرسالة قراءة متأنية نقدية، وجدناه لم يقم بترتيب من تعرض لذكر محنهم، وإن كانت البداية توحي بالترتيب.
حيث بدأ بما تعرض له آل البيت النبوي الشريف، ثم ثناهم بالإمامين أبي حنيفة، وابن حنبل، وثلث بالمتصوفة، ثم تحدث عن الملوك والوزراء، من مثل ابن عباد، وابن زيدون، ثم تناول العلماء والأدباء والقضاة، ثم عاد إلى لسان الدين ابن الخطيب من الوزراء، ثم رجع إلى التنبكتي من العلماء وإلى عبدالسلام جسوس، ثم رجع إلى العربي الدرقاوي من المتصوفة.
فلو أنه تناول كل فئة من الفئات السابقة مرتباً، لجاءت الرسالة وفق منهج لا يؤخذ عليه، إضافة إلى عدم عزو بعض الأخبار إلى مصادرها، مع العلم أنه عزا بعضها، لكن هذه المنهجية غير المرتبة لا تنتقص من قيمة الرسالة، ولا تغض منها.
* المؤلف:
لم تسعفنا المصادر والمراجع التي ترجمت له بشيء يفيد الباحث، فلم نجد فيها سوى اسمه، وذكر كتابين أو ثلاثة من مصنفاته، كما أننا لم نتمكن من الحصول على كتابين من الكتب التي ترجمت له، الأول:
إتحاف المطالع، لعبدالسلام بن عبدالقادر بن سودة، وذيله الذي لم يذكر فيه سوى تاريخ وفاته، وهو مخطوط، والثاني كتاب تاريخ الشعر والشعراء في فاس وهو مطبوع، وقد أعيانا البحث، فلم نتمكن من الحصول على نسخة منه.
لذلك لم نتمكن من تعرف نشأته، أو أسرته، أو شيوخه، أو جل مصنفاته، وكل ما استطعنا أن نعرفه أنه: إدريس بن علي بن الغالي السنائي، فاضل من أهل فاس، مولداً ووفاة.
ومن خلال ما ذكر من مصنفاته نستنتج أنه أديب، شاعر، له باع طويل في الشعر الفصيح، وفي الشعر العامي، حيث يطلق عليه في المغرب اسم «الملحون» وأنه كان يساجل أديب المغرب أبا العباس أحمد بن المأمون البلغيثي (1348ه). أورد له الزركلي أربعة عناوين هي:
1-ديوان شعره، المعنون بـ :الروض الفائح بأزهار النسيب والمدائح، وهو مخطوط، نسخته في الخزانة العامة بالرباط، تحت رقم 1678هـ ك.
2-المقامة المغنية عن المدامة، وهي بعنوان: روضة المنادمة والإيناس في لطف محاسن مدينة فاس. طبعت طباعة حجرية بفاس في ثماني صفحات.
3-ديوان الشعر الملحون.
4-رسالة تأنيس المسجونين وتنفيس المحزونين، وهي الرسالة التي نعرض لها في هذه المقالة. وله رسائل أخرى.
ووجدنا في كتاب معجم المطبوعات الحجرية، بعد ترجمته مباشرة، ترجمة ابن له، هو أبو عبدالله محمد الرضى بن الحاج إدريس السناني الهالي الفاسي أصلاً، الآموزري استيطاناً ووفاة وإقباراً، وذكر له مؤلفات، وقد جاءت ترجمته أوفى من ترجمة والده.
وقد أسلم الاستاذ إدريس السناني روحه لبارئها في فاس سنة 1319ه.
* المصادر :
إن المؤلف، عندما ذكر قصص من احتج بهم للتخفيف عن مخاطبة، حدد في بعض المحن مصادره، ذاكراً بعضها في بداية روايته، وبعضها في نهايتها، وترك كثيراً منها دون عزو، ومن المصادر التي اعتمد عليها: نور الابصار، ومشارق الأنوار، والطبقات الكبرى للشعراني، المسماة بلواقح الأنوار، وقلائد العقيان، للفتح بن خاقان.
وأخبار الأول، للاسحاقي المسمى: لطائف أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول، وتاريخ الكردودي، والمجالس السنية على الأربعين النووية، للفشني، وحديقة الأفراح لإزالة الأتراح في الأدب والنوادر، للشرواني اليمني، أحمد بن محمد بن علي.
* المخطوط:
تقع الرسالة ضمن مجموع يتكون من:
ـ قصيدة نونية، مجهولة الناظم، شغلت الأوراق 13، يمدح بها ناظمها الرسول صلى الله عليه وسلم.
ـ تأسيس المسجونين وتنفيس المحزونين، وتشغل الأوراق 415.
ـ تقريظ على الكتاب، للكردودي، محمد بن احمد بن محمد بن عبدالقادر الكلاي، و هو قصيدة رائية تتكون من 10 أبيات، وقد قدم لتقريظه بمقدمة نثرية قصيرة.
ـ تقريظ ثان على الكتاب، للاستاذ محمد بن العربي قصارة، وهو قصيدة بائية، تتكون من (9) أبيات، وقد قدم لتقريظه بمقدمة نثرية.
ـ قصيدة بائية، لمؤلف الكتاب، ينصح فيها أخاه في الله، محمد بن قاسم الصادقي، الذي ألف له رسالته تأنيس المسجونين، نظمها، كما ورد في أولها، يوم موسم النبي صلى الله عليه وسلم، تتكون من 9 أبيات، وقد قدم لها بمقدمة نثرية.
كتب المجموع كله بخط مغربي، ناسخة، كما ورد في نهاية المخطوط، محمد بن أحمد بن محمد بن عبدالقادر الكلالي الكردودي، صاحب التقريظ الأول، يتكون المجموع من 17 ورقة، يشغل الكتاب اثنتي عشرة ورقة من 415 قياس 17 5,21، في كل ورقة 16 سطراً، وفي كل سطر حوالي ثماني كلمات. وهي نسخة جيدة، اتبع الناسخ في كتابتها نظام التعقيبة، وهي نسخة منقولة عن نسخة المؤلف، وتاريخ نسخها في السادس والعشرين من محرم الحرام سنة 1300 ه.
عبدالقادر أحمد عبدالقادر