حاول بعض المتسرعين رسم صورة للمرأة المسلمة من خلال بعض الأحاديث النبوية والتي أوردوها وفسروها على هواهم، فبدت صورة المرأة على غير حقيقتها، كما هى في ضوء القرآن الكريم والسنة المطهرة.

ومن ثم فالواجب علينا أن نحرر المرأة المسلمة من تلك الظنون والأوهام، حتى تستعيد ملامحها الأصيلة، وليست الدخيلة، إلى الحد الذي يستيقن فيه المرتابون كيف تتبوأ المرأة مكانها العلي كشريك فاعل في ترقية الحياة، وكيف تقف مع الرجل في خندق واحد تتعاون معه على البر والتقوى.

حول هذا الموضوع المهم يقدم لنا الدكتور محمود عمارة ـ الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية ـ كتابه الجديد «تحرير المرأة من أوهام المتجاهلين».

* عشر معشار

في البداية يتحدث المؤلف عن «الأسرة بين حق الزوج وواجب الزوجة»، مشيراً إلى حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم: «لو كنت آمرا أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها».

ويذكر العلماء في سبب هذا الحديث، أن معاذ بن جبل عندما قدم من الشام سجد للنبي صلي الله عليه وسلم، فقال النبي: ما هذا يا معاذ؟.

قال: أتيت من الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم، فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك. فقال صلي الله عليه وسلم: فلا تفعلوا.. فإني لو كنت آمرا أحد أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها.

فمعاذ ـ رضى الله عنه ـ رأى بعيني رأسه كيف يوقر الناس في اليمن علماءهم، ففكر وقدر، ثم هداه تفكيره إلى أن حق العلماء على تلاميذهم لا يبلغ عشر معشار حق الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ على أمته، هذا الرسول الذي هدانا إلى الإسلام الذي أحيانا الله تعالى به، بعدما كنا أمواتا، إذن فحقه أعظم لأن منزلته أفخم.

وعلى الفور اتخذ قراره الحاسم بأن يسجد للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ تكريما له وتعظيما، وجزاء ما أخرج الأمة من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

وعلى صدق نية معاذ رضي الله عنه وحرصه على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وكان لابد من توضيح الأمر توضيحا يحرر عقيدة المسلم من أوهام البشر ومن هيامهم أيضا، ليظل الولاء أولاً وأخيراً لله عز وجل وحده.

وكان من تمام البيان أن يذكر هذا الحديث، الذي يحرض المرأة على الوفاء بحق زوجها إبقاء على المودة الجامعة المانعة، الجامعة على الخير العاصمة من الشر، هذا الخير الذي إذا نزل فسوف يستوعب كل ما فيه ومن فيه، وفي مقدمتهم الزوجة المطيعة.

القضية كلها ـ إذن ـ دعوة إلى تكامل الأسرة عن طريق أداء كل الأطراف المعنية ما تصلح به الأسرة.

* الحق المطلق

وتحت عنوان: «الضرب تهذيب لا تعذيب»، يستعرض المؤلف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته»، موضحا أن بعض المتسرعين ربما يظن ـ خطأ ـ أن هذا الحديث يعني أن الرجل له الحق المطلق في ضرب زوجته، إلى الحد الذي لا يجوز لأحد أن يسأله عن سبب ضربه لها، لأن ذلك يعتبر تدخلا في شؤونه الداخلية، فله أن يضربها متى شاء ولا يُسأل عما يفعل(!!) وهذا فهم خاطئ.

لقد حدد الإسلام كل ما يتعلق بالضرب كوسيلة من وسائل التأديب، حدد آلته، وكيفيته، ومكانه، وزمانه.

أما آلته: فهى حزمة من النبات الأخضر، أو قضيب من شجرة «الأرك» فهو في حجمه قريب من الإصبع الوسطى.

وأما كيفيته: فهى الضرب غير المبرح، أي الهين الذي لا يكسر عضوا ولا يحدث تشوها.

وهو بطبيعته لن يؤدي إلى ذلك مطلقا، لأن آلته البسيطة تنبه فقط حتى لا يتكرر الخطأ.

وأما مكانه، فيجب تجنب الوجه الذي هو أكرم ما في الإنسان، وحتى تظل المرأة مقبولة الشكل صالحة ـ لو تم الطلاق ـ لأن تكون زوجة لآخر.

وأما عدد الضربات المشروعة: فقد قرر العلماء أنها لا تتعدى الثلاث ضربات، آخذا من موقف جبريل ـ عليه السلام ـ لما غط النبي صلي الله عليه وسلم عند بدء الوحي، «أي احتضنه بقوة»، تنبيها له حتى يستقبل ما يلقى عليه وهو بوعيه كاملا.

أما متى يشرع الضرب: فعند الضرورة القصوى: وأخيرا.. لأن الضرب ليس هو الوسيلة الوحيدة للعقاب، وإنما هو مسبوق: بوعظ الزوجة بالكلمة الطيبة، فإن لم تفلح الكلمة الطيبة، هجرها وبالذات في الفراش كسرا لسلاح الأنوثة حتى تعود إلى صوابها.. فإن لم تجبرها هاتان الوسيلتان، كان الضرب هو العلاج الأخير.

ولا يفوتنا أن نقرر أن الإسلام وهو يعطي الرجل حق الضرب بضوابطه الشرعية، هو نفسه الذي ما يفتأ يعلن أن الأخيار من الأزواج من شأنهم أن تمنعهم خيريتهم من الضرب، لأنه وسيلة العاجز، يقول صلي الله عليه وسلم: «®. ولن يضرب خياركم»، وقوله عليه الصلاة والسلام أيضا: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم».

ويعنى ذلك أن الإسلام إذا أباح الضرب عدلا، فإنه يبغض الأزواج فيه فضلاً، تحريضا للرجل على العفو ابتداء ثم استبعاد الضرب من قائمة وسائل التأديب، ليكون فقط آخر الدواء إذا دعت إليه الضرورة الملحة وليكن للتهذيب.. لا للتعذيب.

* شوهاء وعوجاء

وينتقل بنا المؤلف إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً: فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته وأن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» مبيناً أن بعض المتسرعين يزعمون أن صورة المرأة تبدو شوهاء وعوجاء، وما في هذا من ازدراء بها وتهوين من شأنها مقارنة بالرجل الذي ذهب بالفضل كله.

والحقيقة أن هذا الحديث يدعو المجتمع كله إلى إحاطة المرأة بالرعاية في بؤرة الشعور معززة مكرمة، فكل فرد في الأمة يوصي غيره بحسن التعامل معها.. وهو وصي من غيره في نفس الوقت، إنه الرأي العام، الحارس اليقظ.. وإذا كانت النفوس نافرة بطبعها ممن لا يكون على هواها، فاطلبوا منها الرحمة، استخرجوها من أعماقها، وبهذا يتحول المجتمع كله ليكون حارساً يحميها من كل ما يؤذيها، رادعا عن كل من تسول له نفسه ظلمها.

ويحملنا الحديث ـ أيضاً ـ على الالتزام: إن المرأة في أصلها مخلوقة من أصل معوج وإذن.. فلن يتهيأ الانتفاع بها إلا بمداراتها، والصبر على إعوجاجها، من حيث لا مطمع في استقامتها، لأنها لا تقبل كالضلع المعوج تماما.

ولا يتم الاستمتاع بها إلا هكذا، وإذا أردت منها أن تتخلى عن إعوجاجها، كانت النتيجة: الطلاق، وهو معني الانكسار في الحديث، وهو معني ما يقوله الشاعر:

هى الضلع العوجاء لست تقيمها إلا أن تقويم الضلوع: انكسارها.

* المرشح الحقيقي

ويتوقف بنا المؤلف في النهاية أمام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء. وأطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء».

وقد ثار جدل كبير بين العلماء في بيان المقصود بهذا الحديث، الذي استغله بعض المغرضين كدليل على وضع المرأة المتدني في الفكر الإسلامي.. من حيث كانت النساء أكثر أهل النار، مما اعتبروه عدوانا عليها وظلما لها، مع أن العكس هو الصحيح، فللمرأة مكانتها المرموقة.

وبداية نلفت النظر إلى أن تفسير النص أو الموقف موكول إلى الرعيل الأول والذين عاشوه، ثم تمثلوه، فكانوا أصدق عنه أنباء، وكان بيانهم هو البيان، وقولهم ما قالت حذام!.

وقال العلماء في تعليل ذلك أنه راجع إلى طبيعتهن الضعيفة، والتي كان جيش مقاومة العوارض فيها ضعيفا، فهن: إذا أعطين، لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود