يحمل الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق في جعبته الكثير من الذكريات الرمضانية التي تمثل محطات مهمة في حياتة، كما تحمل العديد من المفارقات أيضاً فيتذكر د. نصر شهر رمضان حين جاء القاهرة عام 1960 لأول مرة لتحصيل العلم قائلاً: إن رمضان كان في ذلك الوقت شديد الخصوصية، ولم تكن الماديات قد طغت لهذا الحد.

ولم تكن المظاهر سمة لهذا الشهر الفضيل فوسائل الإعلام كانت بعيدة عن الاحتفالية التي تقدمها الآن أما الإذاعة فكانت طوال اليوم تقدم البرامج الدينية التي تحض على العبادة والفضيلة والتفقه في العلم والدين فلم يكن في القاهرة باب مغلق طوال شهر رمضان كلها مفتوحة للعابرين وأبناء السبيل والغرباء يأكلون ويشربون، أما مساجد القاهرة فقد كانت تتحول في هذا الشهر إلى حلقات علم وسماع القرآن، وتمتد هذه الحلقات ما بين العشاء والفجر، فكل الأمور كانت تعين الصائم على مزيد من العبادة.

وعن أول مرة صام فيها رمضان يقول كنت طفلاً صغيراً وأتى رمضان في صيف شديد الحرارة وخشيت عليّ أسرتي التي تقيم بقرية «ميت بدر حلاوة» التابعة لمركز سمنود بدمياط وضغطوا علي كي أفطر لكني صممت على الصوم وتوجهت إلى مسجد القرية الموجود على النيل حتى أرى المؤذن وهو يصعد إلى المئذنة ليؤذن لصلاة المغرب وحين سمعته انطلقت إلى أهلي لأخبرهم أنه حان وقت الإفطار وعن شهر رمضان الفارق في حياته

يقول د. واصل هو الشهر الذي قضيته في المدينة المنورة حيث احسست ان رمضان فيها أقرب إلى الجنة منها للأرض فتذهب الحياة والدنيا بما فيها، ويصبح شغلك الشاغل هو الحبيب الذي يرقد في قبره والذي كان يفطر على التمر وبعض الماء وسيرته صلى الله عليه وسلم تغنيك عن الأكل والشراب رغم أن طعاماً كثيراً كان يرسله الأغنياء والفقراء في سباق لإفطار الصائم.

ويقول د. نصر فريد واصل: إنه إذا جاءت الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان يكثر من الإنفاق في سبيل الله ومن العبادات، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء العشرة الأواخر من رمضان يتوجه إلى مسجده ويعتكف فيه ويجب علينا أن نؤديها حسبما استطعنا إلى ذلك سبيلاً وأن نترك الدنيا خلف ظهورنا.

ويتحدث عن إفطاره فيقول حسب سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمهما كانت المائدة عامرة ففطوري يكون على التمر وشربة ماء حتى نؤدي الصلوات ويكون الجسد قد عاد لطبيعته فنعود للأكل وبدون نهم عملا بحديث النبي ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.

وعن فضائل شهر رمضان المبارك يقول إنها لا تحصى فهو شهر عظيم، وتتمثل عظمته في أمور كثيرة. فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم هدى للناس ورحمة للعالمين، ولذلك فقد أوجب الله سبحانه وتعالى صيام هذا الشهر شكراً له سبحانه على نزول أجمل نعمة إلهية فيه، وهى نزول القرآن الكريم الذي يعد نعمة من أجل النعم الالهية التي أنعم الله عز وجل بها على البشرية، فهو يشتمل على قوانين الهداية للبشر في الدنيا والآخرة، ويستهدف في غايته الوصول إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى وإلى تقواه.

ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم «يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون» ومن أجل ذلك نرى أن القرآن الكريم شرع فريضة الصيام ، على نزول القرآن ، فقال الله سبحانه وتعالى «شهر رمضان الذى انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه». فكأنه سبحانه رتب فريضة الصيام على نزول القرآن الكريم، ليكون شكرا لله عز وجل على هذه النعمة الجليلة.

والغاية المرجوة من الصوم، هى الوصول إلى تقوى الله سبحانه وتعالى، وكلمة «تقوى» فيها الكثير من الفوائد والأسرار التى تعود على الصائم الذى يحسن صيامه، ففي الصيام كبح لجماح الشهوة، وفي الصيام تربية للإرادة وتعويد على الصبر، وكذلك تعليم على التراحم والتسامح والحلم والاتحاد، ففي يوم واحد يصوم جميع الناس، وفي وقت واحد يفطر جميع الناس.

وقد خص الله سبحانه وتعالى المسلمين في شهر رمضان المعظم، بليلة هي خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر المباركة، التي أنزل فيها القرآن الكريم، والتي تنزل الملائكة فيها. أي أن شهر رمضان شهر له خصوصيته وله ميزاته وله قدره عند الله عز وجل.. واتمنى أن نكون قد نجحنا في الانتفاع به، والتقرب فيه إليه سبحانه وتعالى، بالأعمال الصالحة والتوبة والهداية وعمل الخير.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فى حجة الوداع: «اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم»®. ونحن في نهاية شهر الصوم الكريم كيف نأخذ بهذه التوجيهات النبوية الشريفة لكى تكون مكافأتنا هي دخول الجنة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن إذا كان الإنفاق في سبيل الله والجود في شهر رمضان من صفات المؤمن الصالح، فإن البعض يستغل هذا الشهر الكريم ومن بعده عيد الفطر المبارك في الإسراف في الطعام والشراب وزيادة الاستهلال.. فما هو حكم ذلك؟» صوموا تصحوا «بمعنى أن المسلم يجب آلا يضيع صومه في البحث عن الطعام والشراب وفي التفنن في إقامة الموائد.

كما يجب ألا يضيع أيضا فرحة العيد وبهجته في مثل هذه الأمور، لأن ذلك كله ليس من الإسلام فى شئ، وشهر رمضان والعيد بريئان من الإسراف وبريئان من أولئك الذين يجعلون للأكل فيهما ميزانية خاصة.. وليس بمعقول أو مقبول أن يفلت الزمام من يد البعض، فيعيشوا أيام الشهر الكريم وأيام العيد المباركة بالاسراف الشديد في المأكل والمشرب.

وديننا الإسلامي الحنيف يأمر الصائمين بالاعتدال، فلا إسراف في الشراء ولا جلب لمزيد من الحاجات والكماليات، وذلك حتى تظهر حكمة الصوم في ترشيد الاستهلاك والتخفيف من النفقات، وحتى يقبلوا على العبادة ويتجدد نشاط النفس في رحاب الطاعة.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن يأكل في معن واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء»، ومعنى ذلك أن المؤمن مقتصد في طعامه وشرابه، وهو ليس جشعاً أكولا وإنما هو قائم قانع معتدل.. ولقد وضح القرآن الكريم أن صفة الكافرين أنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم.

القاهرة ـ محمد الصادق