كانت أول أغنية جماعية يلحنها الشيخ سيد مكاوي من شعر صلاح جاهين يقول مطلعها : «إعمل لنا مفتاح.. يا صنايعي يا فلاح تفتح أبواب الخير..
أسوان مليانه حديد..
انهض ومد الإيد
ومتمدهاش للغير..
وكانت تلك هي البداية.. بداية عصر عبقري جديد للموسيقى الشرقية الأصيلة وفارسها الجديد الشيخ سيد مكاوي ورغم أن الشيخ سيد مكاوي بعد ألحان عدة جيدة راجت وأحبتها الأذن المصرية بدأت بعض مطربات مصر المعروفات يتجهن إليه طلبا للألحان الشرقية الأصيلة التي يتقنها سيد مكاوي.. كانت أولهن شادية وأعقبتها فايزة أحمد، ثم سيدة الغناء العربي أم كلثوم..
كان اختيار الموقع الذي يدخل منه الشيخ سيد مكاوي إلى الأذن المصرية اختيارا صعبا فهو لم يكن يؤمن بالأغنية الفردية وكان يحلم بتكرار تجربة سيد درويش في أغاني الطوائف فقد كان سر عبقرية سيد درويش في رأيه أنه كان يلحن الحياة اليومية للناس بحيث تعيش أغانيه مع الناس ويرددونها في سهولة ويسر..
وكان يتخذ من الأوبريت الغنائي مثل «العشرة الطيبة» والمواقف الغنائية في مسرحيات الريحاني وأغانيه هو شخصيا مجالا لهذا الغناء الجماعي الذي تردده الطوائف من السقايين وعمال البناء وغيرهم..ولكن هذا البناء للألحان الجماعية لم يكن متاحا للشيخ سيد مكاوي إلى أن قاده التطور المسرحي الذي شهدته نهضة الستينات في المسرح المصري إلى شكل جديد متطور هو «مسرح العرائس»..
وكان الشاعر صلاح جاهين قد كتب «أوبريت الليلة الكبيرة» أسند إخراجها لصلاح السقا وقدر لهذا الأوبريت أن يعطي الشيخ سيد مكاوي الفرصة في أن يفجر موهبته القادرة على تلحين الأغاني الجماعية في أوبريت لا يختلف عن الشكل الذي ارتاده من قبله سيد درويش وليثبت أنه حقا قد جدد تراث سيد درويش، واستحق أن لقبي ألقاب «امتداد سيد درويش» و«خليفة سيد درويش».
وكان نجاح «الليلة الكبيرة» إلى حد أن الأولاد في الحارات والشوارع والأزقة بدأوا يرددونه ويغنون ألحانه في سهولة وانطلاق، خاصة بعد أن سجلها التلفزيون وبدأ يذيعه المرة بعد المرة، كان حدثا في «النغمة» المصرية الجماعية الأصيلة التي افتقدها الناس إلا في تراث الشيخ سيد درويش يؤذن بميلاد سيد درويش ثان في الموسيقى والنغم المصري.
كان تكليف كوكب الشرق أم كلثوم لأي ملحن على ساحة الأغنية بإعداد أغنية يعتبر شهادة ميلاد رسمية لهذا الملحن وكان مجرد سماع صوت أم كلثوم عبر أسلاك التليفون تطلب واحدا من الملحنين وتبدأ في ممازحته بطريقتها المعهودة وانتهاء هذه المكالمة بطلبها أن تسمع آخر ما عنده من ألحان أو تطلب منه قراءة قصيدة أو الاتصال بشاعر معين أو مؤلف أغاني بعينه اعترافا حقيقيا بأن موهبته قد نضجت وأن ألحانه أصبحت من النضج بحيث تتناسب والصوت القمة في ساحة الطرب..
وقد جاءت هذه اللحظة في حياة الشيخ سيد مكاوي في أوائل السبعينات.. كان الشيخ سيد قد خاض تجربة الأوبريت من خلال ألحان الليلة الكبيرة لمسرح العرائس واعتبرت تجربته ناجحة إلى حد أن مدير مسرح العرائس وكان وقتها الصحافي المعروف راجي عنايت أصر أن يكرر الشيخ سيد مكاوي التجربة بأوبريت جديد للعرائس باسم «حمار شهاب الدين»
وطلب من الشيخ سيد مكاوي أن يختار له دور فيه يغنيه بصوته.. وتردد الشيخ سيد مكاوي في قبول فكرة الغناء لكنه قبل أمام إصرار راجي عنايت وشارك مجموعة المطربين في غناء الأوبريت وبعد أن تم تسجيل الأوبريت لحنا وغناء واستمع الشيخ سيد إلى صوته كمطرب انفرجت أساريره وبدا عليه المرح ومن يومها قرر أن يستمر في الغناء.
وجاء أوبريت «قيراط حورية» ليكمل الثلاثية المسرحية المغناه بأصوات جماعية وفردية للشيخ سيد مكاوي وإن كان قد ظل قاصر على مسرح العرائس لكن نجاحه لفت الأنظار إلى أن الشيخ سيد يمتلك القدرة والموهبة لتقديم العمل المسرحي الغنائي الدرامي.
وقد كانت تجربة الشيخ سيد مكاوي في مجال تلحين الأغنية الفردية التي يؤديها صوت واحد متميز الملامح والأبعاد الموسيقية قد بدأت تتسع بأغان للمطربات شادية وليلى مراد ووردة وفايزة أحمد ، وبدأت أقدامه ترسخ كملحن تتسم ألحانه بالأصالة الشرقية ،
ثم جاء دوره بين الصف الطويل الذي بدأ بصفيه وحبيبه الشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد ورياض السنباطي وانتهى بشيخ صناع الأغنية في زماننا الموسيقار محمد عبد الوهاب.. والجيل الشاب المعاصر محمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي.. ثم أخيرا الشيخ سيد مكاوي.
كان من تصاريف القدر أن تجيء فرصة الشيخ سيد مكاوي مع أم كلثوم متأخرة وهي تؤذن بالرحيل لكنه خاض تجربة معها في لحنه «يا مسهرني» بوجهة نظر لم يحد عنها.. كانت أغانيها الأخيرة بما فيها أغاني عبد الوهاب وبليغ حمدي والموجي والطويل قد شهدت إضافة باستخدام الآلات الغربية الحديثة في العزف
مثل الأورج والجيتار وفي لحنه «يا مسهرني» التزم الشيخ سيد مكاوي واستبعد كل هذه الآلات الغربية وأصر على استخدام الآلات الشرقية المعتادة وقد سأله البعض عن إصراره على استبعاد الأورج والجيتار وكل المعدات التي تدار بالكهرباء وتعطي رونقا للنغم عندما يعزف ورد الشيخ سيد مكاوي يومها قائلا :
وهل فقدت أغنية «يا مسهرني» شيئا من رونقها وهل تثاءب جمهور المستمعين أو غلبه النوم وست الكل أم كلثوم تغنيها. .؟ أنا ضد من يدخلون هذه الآلات على الغناء الشرقي ويغيرون بها طعمه ومذاقه ونكهته.. إن الغناء الشرقي يجب أن يكون طابعا لنا ، تسمعه الأذن الأجنبية فتعرف أنه غناء مصري.. غناء عربي.. لأننا عندما نسمع أغانيهم نعرف أنها تنتمي إلى جنسيات غربية واضحة..
لماذا نمسخ أغانينا وتراثنا الشرقي الأصيل بينما هم يحبون ما فيه من سحر وخيال؟.. وإلا فاعطوني سببا واحدا لنجاح مطرب مثل اونريكو ماسياس غير أنه يقدم لونا شرقيا فيه سحر الشرق واعطوني سببا في أن كل الأعمال الكبيرة المشهورة للموسيقار الروسي الكبير كورساكوف هي التي اعتمد فيها على أساطير ألف ليلة وليلة.. وعبر أغنية «يا مسهرني» لأم كلثوم ومن خلال نجاحها أعطيت المثل على أصالة موسيقانا الشرقية.. وقربها ورصيدها في نفوس الناس من الحب والإيثار.
ولم يكن عفوا أن يختار الشيخ سيد مكاوي شخصية «المسحراتي» في الإذاعة أولا ثم ينتقل بها إلى شاشة التلفزيون لتكون حلقة الوصل بينه وبين الناس طوال شهر رمضان، إنها بما فيها من طابع شرقي وما ترمز إليه من معان أصيلة باقية في نفوس الناس حتى الان أصبحت وسيطاً بين الشيخ سيد مكاوي وكل ما يعتنق ويمثل من مبادئ وتقاليد شعبية وبين أهله وناسه الذين يعيش بينهم..
بل وأصبحت ضميراً حيا ينتقد ويوجه ويؤثر في نفوس المستمعين والمشاهدين. توفي الشيخ سيد درويش في ابريل من العام 1997 وحصل على وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى قي مصر والعديد من الجوائز التقديرية الاخري.
عادل السنهوري
