وقد لعبت الصداقة التي توطدت بين عبده الحامولي والشيخ سلامة حجازي في نجاح المساعي لدى الخديوي ليسمح للفرقة بتقديم أول مسرحية باللغة العربية وبألحان عربية على مسرح دار الأوبرا. ففي عام 1885 سمح لفرقة سليمان القرداحي وبطلها الشيخ سلامة حجازي بدخول الأوبرا لتقديم مسرحية «مي وهوراس».
وهي مقتبسة وممصرة عن مسرحية شكسبير الخالدة «هاملت» وكانت أغلب مقاطع الحوار مغناة صيغت شعرا غنائيا ليناسب صوت الشيخ سلامة حجازي وقد لعب فيها دور هوراس «هاملت» وكان له فضل السبق في الوقوف على خشبة مسرح الأوبرا والغناء فيها واستحق بذلك أن يعتبره الدكتور محمود الحفني في مؤلفه التاريخي عن المسرح «الرائد الأول للمسرح العربي».
وترك الشيخ سلامة حجازي مكانه في فرقة القرداحي وانضم إلى فرقة اسكندر فرح لكي يصنع مسرحا خاصا به ويتنقل بين العديد من الأدوار الغنائية والمسرحيات العالمية التي قدمتها الفرقة طيلة أربعة عشر عاما. على أن العصر الذهبي للشيخ سلامة حجازي كمطرب
وممثل وصاحب فرقة بدأ عام 1905 عندما ترك العمل مع فرقة اسكندر فرح لكي يكون فرقته الخاصة التي قدمت من المسرحيات الغنائية ما كان يتيح للجماهير الاستمتاع بصوت وأداء الشيخ سلامة حجازي وعبقريته الفنية التي لم يسبقه أحد إليها.
كان الشيخ سلامة حجازي يهتم اهتماما خاصا بالإطار الفني الذي تقدم فيه المسرحيات فكان ينفق بسخاء على المناظر والملابس والديكورات وفي فرقته ولدت عبقريات من مخرجي المسرح الأوائل مثل عزيز عيد كما ساهم في خلق جيل من الكتاب والمثقفين الذين استطاع جذبهم لكتابة الروايات المسرحية لفرقته اذ كان يدفع عن كل رواية مسرحية مكتوبة باللغة العربية الفصحى 150 جنيها ذهبيا وهذا المبلغ يمثل ثروة ضخمة في مطلع هذا القرن.
واستطاع الشيخ سلامة حجازي على امتداد أربع سنوات أن يجعل من فرقته المسرحية درة المسرح الغنائي في مصر إلى أن أصيب بالشلل عام 1909 وسقط على المسرح وهو يؤدي واحدا من أدواره الغنائية المشهورة ، لكنه أبى أن يغلق الفرقة أو يعتزل العمل على المسرح فكان يقف على المسرح مسنودا إلى مقعد ويؤدي دوره في المسرحية وكأنما هو سليم معافى تماما.
وكان حادث سقوط الشيخ سلامة مريضا بالشلل على المسرح مؤشرا إلى بدء النهاية في حياة المطرب الشيخ سلامة حجازي رغم أنه لم يستسلم لليأس وبدأ يقاوم السقوط في زوايا النسيان والبقاء على القمة ملء أسماع الناس وأبصارهم ولكنه اضطر في عام 1911 إلى اللجوء إلى فرقة جورج أبيض «جوقة التمثيل العربي»
ليكون نجما للمسرحيات الغنائية التي بدأت تقدمها على مسرح دار الأوبرا وظل يعمل فيها حتى عام 1914 ثم انسحب تحت ضغط المرض إلى أن توفي في الرابع من أكتوبر عام 1917 وبجواره واحد من تلاميذه الشبان يسمعه اسطوانة له غنى فيها قصيدة لشاعر القطرين خليل مطران بعنوان «حديث قديم» كان الشاعر الكبير قد أطلقها امتداحا له ولمواهبه وعبقريته.
ورحل الشيخ سلامة حجازي المنشد المقرئ الذي كان صوته يوصف بأنه الصوت الذهبي لحلاوته وجزالته وترك وراءه تراثا ضخما واعتبرت أغانيه «بسحر العين تركت القلب هايم» و«صوت الحمام عالعود» و«سمحت بإرسال الدموع محاجري» وخرج من تحت عباءته عبقري الموسيقى الشيخ سيد درويش الذي غنى لأول مرة في حياته في مسرح الشيخ سلامة حجازي الذي قال عنه : هذا هو خليفتي.. رحل ولم يبق من مجده الآن غير اسمه الذي أطلق على شارع «الحوض المرصود» في حي السيدة زينب بالقاهرة.
