ربما لن يحتمل البعض جملة من ذاكرة ضيفنا اليوم، وربما يكمن السبب في جرأته التي يعتبرها الكثيرون زائدة عن حدها، وربما يطال «المُحاور» من النقد ما يطال صاحب هذه الذاكرة، ولكن الذي يعرف شخصية وتاريخ الكاتب والإعلامي الإماراتي الدكتور محمد عبيد غباش، ربما لن يفاجأ من طرحه ومفاهيمه وذاكرته الحافلة بالحب لوطنه الإمارات، وعشقه العروبي الخالص، وفلسفته الإنسانية ذات الأخلاقيات الراقية.

وهنا نفتح باباً من ذاكرة هذا الإعلامي الإماراتي الجريء والصحافي المحنك. ولد الدكتور محمد عبيد غباش في دبي عام 1952م، نال البكالوريوس في الاقتصاد والفلسفة من جامعة «شيللر» اللندنية، ثم حاز الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة «ويلز»، يعمل حالياً أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة الإمارات العربية المتحدة، رأس تحرير مجلة المجمع في دبي لعامي 73 ـ 1974م،

ليعمل بعدها ولعامين أيضاً كمستشار في المكتب الدائم للإمارات لدى الأمم المتحدة، رأس تحرير مجلة «الأزمنة العربية» من عام 1979م ولغاية 1993م، أصبح مديراً عاماً لجريدة الفجر بين عامي 86 ـ 1988م، وفي عام 2003م أطلق موقع «الأزمنة العربية» على الإنترنت، يترأس منذ عام 2004م صحيفة «ف؟َّ 7»،

له عدة مؤلفات في مجالي الأدب والفكر السياسي: دائماً يحدث في الليل -رواية، من لا يعرف شيئاً فليكتب ـ نثر، مزون ـ رواية، سلطة أكبر من مطلقة.. مجتمع أقل من عاجز ـ قراءة في المشهد السياسي الخليجي، وغيرها من البحوث والدراسات.

* سألنا محمد عبيد غباش في مستهل الحلقة الثانية عن مجلته بالقول لماذا (الأزمنة) لو حذفنا النون من الاسم لأصبح الأزمة ما دامت ظهرت في وقت الأزمات؟

ـ الأزمنة اسم صحافي، أوائل المطبوعات في العالم كانت تسمى بالأزمنة أو الأوقات. كما أننا حاولنا تثبيت هويتنا العروبية وأننا لسنا مطبوعة محلية أو دينية وإنما مطبوعة لها أفق قومي؟

* من الأشخاص الذين عملوا فيها عبد الله الشرهان وشوقي رافع؟ من أيضاً؟

ـ أشخاص كثيرون لا أستطيع أن أحصيهم، أخشى أن أنسى أحدا، عدد ضخم من الموجودين على الساحة شاركوا في الأزمنة، عبد الحميد احمد، أمينة بوشهاب، مريم بوشهاب، حبيب الصايغ، حمدة خميس، ظبية خميس، احمد راشد ثاني، مريم جمعة فرج، رأفت السويركي وآخرين كلهم كانوا من بناة الأزمنة.

* أين كنتم تطبعونها؟

ـ في مطابع المجلة نفسها، قبل أن نصدرها بنينا مطبعة وذلك بسبب تجاربي السيئة مع المطابع التجارية.

* ماذا عن التقنيات الطباعية، الآلات من أين جاءت، من بريطانيا أم فرنسا؟

ـ من عدة دول، أجهزة الصف الالكتروني من بريطانيا، وذهبت أنا إلى هناك وتدربت على صيانة المطبعة، وأجهزة الاوفسيت من سويسرا، وآلة القطع هندية.

* ماذا عن الكوادر؟

ـ وضعنا المالي كان متواضعاً ولم نكن نستطيع أن نحضر الكفاءات مع ذلك لم يكن مستوى المجلة من الناحية الفنية سيئاً، وكان إخراجها رفيعاً وتميزت بنوع من الخصوصية.

* كم عدد النسخ التي كنتم تطبعونها؟

ـ تقريبا وصلنا إلى حوالي 15 ألف نسخة، وكانت توزع في الدولة وفي خارج الإمارات في الكويت، لبنان، اليمن، ليبيا، جاء السفير الليبي وعمل اشتراك بحوالي 500 نسخة لأن مؤسسة التوزيع عندهم حكومية.

* هل لقيت المجلة إقبالاً من العالم العربي؟

ـ إقبال كبير، لكن وضعنا المالي كان صعباً وكنا دائماً في أزمة مثل جميع المجلات الثقافية والإعلامية المستقلة.

أزمة الأزمنة

* يرى البعض أن الجرأة والحدة التي كانت تميز الأزمنة هي السبب في إغلاقها، ألا تعتقدون أنها كانت ستستمر لو خففت قليلا من الحدة التي عالجت بها بعض القضايا الحساسة؟

ـ ربما تستمر لكنها في هذه الحال لن تكون الأزمنة، ربما تكون مجلة (كذا)، أنا اعتقد أن هذا الكلام بعيد عن الصحة، ومن يقرأ الأزمنة الآن لن يجد فيها ما يستدعي إغلاقها، ولو كان سمو الشيخ عبد الله بن زايد وزيرا للإعلام في ذلك الوقت لما أغلقت المجلة. المشكلة في تقديري كانت تكمن في وزارة الإعلام،

القانون يفصل على مقاس الموجودون في الوزارة، ولو كان الفريق الموجود حاليا في وزارة الإعلام موجودا في ذلك الوقت لما منعت الأزمنة ولا أي مطبوعة أخرى، ولما اضطهد أي إعلامي، لكن الخراب الأكبر كان في وزارة الإعلام في ذلك الوقت، المشكلة كانت تكمن في الوزارة.

* عندما عرفتم بخبر إيقافها، الم تحاولوا التوسط لمنع صدور القرار؟

ـ لم نعرف إلا بعد صدور القرار. كان قراراً إدارياً.

* ألم يكن للظروف الإقليمية دور؟

ـ ربما لم يكن الوضع الإقليمي مشجعاً، حيث كان قد مر عام على الحرب الإيرانية العراقية، ونشأ مجلس التعاون، وبيروت أيضا كانت تعاني ويلات الحرب والاجتياح الإسرائيلي، لكن المصيبة الكبرى كانت في وزارة الإعلام لأنها هي القيم، هي التي تعطي الرؤية لصناع القرار وهل تجاوز هذا العمل أو ذاك الحدود أم لا، وربما كان الموجودين في الوزارة في ذلك الوقت تعوزهم الأمانة والغيرة على صالح البلد.

* ما هو الموقف الذي بقي في ذاكرتك عن تلك المرحلة سواء كان طريفا أو محرجا؟

ـ (يضحك)... الطرافة أننا لم نكن جاهزين للعمل العادي، على سبيل المثال كنت أجد معاناة كبيرة في الكتابة، وكل مقالة اكتبها أكون متأزماً. كان الزملاء يتندرون علي وكيف اكتب وأنا متأزم. أيضا كان لدينا مصور إنجليزي اسمه بيتر، كان نظره ضعيفا لكن صوره كانت جميلة، والسبب انه كان يحسبها بالرياضيات، بقياس المسافة والضوء وكانت «تضبط معاه». أيضاً كان لدي معلن يقول لي عندما تريد إعلاناً اتصل بي أنت ولا ترسل لي «الغوريلا»، الناس ترسل صبايا جميلات وأنت ترسل لي شخصاً أخاف منه، يقصد المراسل.

* أفق عربي

* بعد سنتين وفي عام 1983 صدرت المجلة من لندن ثم انتقلت إلى قبرص ثم إلى بيروت وحتى 1996، وكنتم تعالجون بعض الأمور أو الهموم التي يطلق عليها عادة حساسة وفيها الكثير من الجرأة، الم يكن لديكم خوف من التصدي لهكذا عمل جريء؟ ولماذا الإصرار على إصدار المجلة رغم أنها لم تكن تدخل إلى هنا إلا في حدود ضيقة؟

ـ صحيح أننا من الإمارات لكن أفق المجلة كان عربياً، كان لها دور في الكويت مثلاُ عندما أغلق مجلس الأمة الكويتي، كذلك كان لها دور في السودان مع تعاظم استبداد النميري، وكان لها كذلك دور في القضية الفلسطينية والتخبط الذي عاشته الثورة الفلسطينية.

بمعنى، يجب أن لا ننسى أن المجلة اسمها الأزمنة العربية وليس الأزمنة الإماراتية، رغم وجود محور أساسي محلي كنا نعالجه نحن ككتاب مواطنين لكن العبء والهم الأساسي عروبي. أنا من الأفراد الذين يؤمنون أننا مهما فعلنا في دولتنا ـ الإمارات ـ إلا أن هناك أموراً لا يمكن التصدي لها ضمن إطار الدولة الوطنية وينبغي أن تتم على مستوى عربي، ولا تفلح فيها الجهود إلا على هذا المستوى الواسع.

* الرسمة التي بجانب عنوان المجلة، ما هي؟

ـ هذه رسمة (ضبع) وسبب اختياره يعود إلى أن الأزمنة العربية صدرت في وقت كان يتم فيه قتل بعض الصحافيين أو اغتيال بعض الدبلوماسيين، وكانت بعض الدول تمارس القمع ضد مواطنيها وأحيانا ضد الدول الأخرى، حاولت أن ارمز لهذا الزمن البشع استقر الرأي على اختيار هذا الحيوان الذي يقتات على الجيف أو الجثث، هو نوع من الاشمئزاز من الزمن الذي كان سائدا.

* متى تنتهي صلاحية مثل هذا الرمز وسبب وجوده؟

ـ عندما ينتهي مثل هذا الزمن ونعيش الزمن الجميل.

* هل تعتقد أن هذا الزمن سيأتي؟

ـ أتمنى ذلك وأنا مؤمن به، واعتقد انه سيأتي يوماً ما.

* بدأتم في لندن وانتهيتم بها، كم كنتم تطبعون وكيف تصل إلى الإمارات؟

ـ كنا نطبع ألف نسخة وكانت تصل باليد أو بالإهداء أو بالبريد وبعض الذين كانوا يسافرون كانوا يحضرونها معهم.

* هل تعرضتم للمساءلة؟

ـ تعرضنا لبعض المساءلات لكن تجاوزناها.

محمد الأنصاري