أكد الدكتور عبد الحليم عويس مستشار رابطة الجامعات الإسلامية وأستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الزقازيق ان الحضارة الإسلامية عانت من الظلم وعدم الإنصاف، سواء من جانب المستشرقين أو من جانب بعض المسلمين الذين يدينون للعلمانية بالولاء ويتبنون موقفا رافضا للإسلام، عقيدة وشريعة وحضارة.

وحذر من خطورة أن يعيش المسلمون في جنة الماضي غافلين عن الحاضر والمستقبل مطالبا هؤلاء بأن يعملوا على توظيف تاريخنا الحضاري في خدمة الواقع واستشراف المستقبل ودراسة التاريخ الإسلامي والاستفادة من إيجابياته وسلبياته فهذا هو المنهج القرآني في فقه التاريخ وكل الأمم الناهضة من حولنا تجعل من تاريخها ذاكرة تستلهمها لتتمكن من التقدم والنهوض.

وقال الدكتور عويس إن هناك حروبا منظمة ضد الإسلام والمسلمين تحول دون تحقيق التقدم وبناء حضارة إسلامية من جديد، موضحا ان المواجهة لا تقتصر فقط على التحديات الداخلية لأن التحديات الخارجية تستنزف طاقات الأمة وجهودها والحضارة الغربية تريد أن تسحق كل الحضارات والمنظومات الأخرى، مؤكدا ان مواجهة التحديات الداخلية سوف تؤدى إلى النجاح في مواجهة التحديات الخارجية ولذلك يجب استنفار جميع المسلمين في مواجهة هذه الحرب.

وأشار إلى ان الإسلام منهج متكامل ودين ودنيا ومن يطبقه يحصل على سعادة الدارين، الدنيا والآخرة، وهو يمتلك كل المقومات لتكوين دولة تقود العالم وهذا تحقق في الماضي ومن السهل تحقيقه في الحاضر، موضحا ان مبادئ الإسلام في حاجة إلى رجال مؤمنين ومخلصين يطبقونها حتى تؤتى ثمارها وتنعكس على المجتمعات الإسلامية في صورة تقدم وقوة وعزة وكرامة.

وأوضح الدكتور عويس ان ما تواجهه الأمة الإسلامية الآن هو حصاد قرن كامل تقريبا من التشرذم والتسول الحضاري والتنكر للإسلام، محذرا من اليأس والتشاؤم لأن الأمة الإسلامية تمتلك من المقومات ما يجعلها تحقق التقدم متى توافرت الإرادة والعزيمة. وهنا نص الحوار معه:

* حضارة راسخة

* الحضارة الإسلامية عانت الظلم وعدم الإنصاف، سواء من المؤرخين المسلمين أو من المستشرقين الذين عملوا على تشويه صورتها وتفريغها من مضمونها فلماذا تبنى هؤلاء وأولئك هذا الموقف المجحف من الحضارة الإسلامية؟

ـ للأسف الحضارة الإسلامية عانت من الظلم وعدم الإنصاف بل والتنكر لدورها وفضلها على الحضارة الغربية التي قامت على علوم العرب والمسلمين وإذا أردنا التعرف الصحيح على الحضارة الإسلامية فإن المنهج العلمي يفرض علينا أن نتتبع الفئات الاجتماعية التي صنعت هذه الحضارة من زراع إلى صناع إلى تجار وعلماء ثم نرصد شبكة علاقاتها وأنماط سلوكها،

وبذلك نستطيع الحكم على هذه الحضارة وليس من العلم ولا يتفق مع منهج البحث ولا أخلاقياته أن يسقط صاحب نزعة مذهبية فكره المسبق وأحكامه الإجمالية على حضارة كاملة ممتدة زمانا ومكانا كالحضارة الإسلامية ثم التقول عليها واتهامها بما ليس فيها وهذا ما حدث بالفعل من المستشرقين ومن بعض المسلمين فعلى سبيل المثال يزعم محمد أركون الكاتب الفرنسي الجنسية الجزائري الأصل أن الحضارة الإسلامية حضارة علمانية وليست إسلامية

ويدعى أن الشريعة الإسلامية تخلت عن مكانها في حياة المسلمين بعد انتهاء عصر الخلفاء الراشدين وأن حياة المسلمين حياة مصلحية - علمانية - لا علاقة لها بالإسلام، ولا يخفى علينا ان العلمانيين في بلادنا يتبنون موقفا رافضا للإسلام عقيدة وشريعة وحضارة وهؤلاء أشد خطرا على الإسلام والمسلمين من المستشرقين الذين لا يرون في الإسلام غير النقائص والسلبيات أما الايجابيات فهم يتعامون عنها ولا يرونها.

* بعض المتحمسين للحضارة الإسلامية يستغرقون في تمجيد الماضي ويتجاهلون الحاضر والمستقبل.. كيف نجعل هؤلاء يوظفون معارفهم عن الحضارة الإسلامية لتحقيق التقدم والنهوض في الوقت الحاضر؟

ـ من الخطأ أن يعيش بعض المسلمين في جنة الماضي، غافلين عن الحاضر والمستقبل ويجب على هؤلاء توظيف تاريخنا الحضاري في خدمة الواقع واستشراف المستقبل ودراسة التاريخ الإسلامي والاستفادة من إيجابياته وسلبياته وهذا هو المنهج القرآني في فقه التاريخ.

وكل الأمم الناهضة من حولنا تجعل من تاريخها ذاكرة تستلهمها لتتمكن من التقدم والنهوض وهذا ليس غريبا لأن الإنسان منذ وعى معاني التاريخ والحضارة والحكمة وهو يوجه الوقائع التاريخية لخدمة عقائده وأفكاره ويفسره بطريقة تحدد له إطار مستقبله على أساس الثوابت والخلفيات التي ورثها وآمن بها وترسخت في وعيه عبر التاريخ،

والغرب مهما وضع من لافتات علمية وموضوعية فإنه بالتأكيد قد تأثر بعقائده في تفسيره للتاريخ وتقسيم مراحله وبالنسبة للمسلمين فإنهم مطالبون بالبحث في بنائهم الداخلي وتطوير كيانهم والبحث عن وسائل القوة وكذلك البحث في فقه سنن الله الكونية والاجتماعية في التطور والبقاء فلا سبيل لبقائنا في هذا العالم إلا إذا سرنا في هذا الطريق لذلك علينا أن نعيد قراءة حولياتنا التاريخية وموسوعاتنا الحضارية وكتب الفقه والأدب والرجال والطبقات

وأن نبذل جهودنا للتعرف على حياتنا الحضارية التي قامت على قضايا العقيدة والفكر والثقافة والعلم وعلى النشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعسكري وأن نصهر هذه العناصر في بوتقة واحدة حتى نتمكن من الاستفادة منها أما الحماس العاطفي والاستغراق في تمجيد الماضي دون عمل حقيقي فإن سلبياته أكثر من إيجابياته.

* التقدم معاناة

* ما الصعوبات التي تحول دون تقدم المسلمين في الوقت الحاضر؟

ـ الحضارة لابد ان تنشأ في ظل تفاعلات داخلية سليمة ومن ثم تستطيع استيعاب ومواجهة التحديات الخارجية وهذا لم يحدث في مجتمعاتنا الإسلامية في هذا العصر والتقدم معاناة مثل معاناة الحمل والولادة وهو عملية تمثيل حقيقي لعوامل النهضة وإفراز هذه العوامل كما يتمثل الجسم الطعام ثم يفرزه بعد ذلك في صورة مواد معينة تخدم الجسم.

ينبغي ان نعمل من أجل حل مشاكلنا الداخلية وأن نعود إلى العلماء والمفكرين وأصحاب العقول فينا لأننا لم نتخلف إلا بتقصير هؤلاء وتفريطهم في أزمتنا داخلية وعلينا تغيير أنفسنا ومواجهة هذه التحديات حتى نتقدم وننهض من كبوتنا: «إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم».

وعلى المستوى الخارجي نحن نعترف بوجود حروب منظمة ضد الإسلام والمسلمين تحول دون تحقيق التقدم وبناء حضارة إسلامية من جديد، فالمواجهة لا تقتصر فقط على التحديات الداخلية لأن التحديات الخارجية تستنزف طاقات الأمة وجهودها ونحن ندرك أيضاً انه من الطبيعي أن تجتمع قوى الباطل ضد الإسلام، الدين الحق،

كما ان الحضارة الغربية تريد أن تسحق كل الحضارات والمنظومات الأخرى لكنى أرى ان مواجهة التحديات الداخلية سوف تؤدى إلى النجاح في مواجهة التحديات الخارجية ويجب استنفار جميع المسلمين في مواجهة هذه الحرب ولابد أن تستنفر النخبة أو الصفوة الفاعلة في تخصصاتها المختلفة فيستنفر العلماء والأدباء والإعلاميون والمفكرون والمبدعون

فلابد أن نتقدم روحيا وقيمياً وأخلاقيا بجانب التقدم التكنولوجي وعلى المسلمين أن يمتلكوا المؤهلات التي تؤهلهم للتقدم، لكن يجب ان ندرك أنه لو ضاع منا الإسلام فلن نستطيع الإبحار في هذا الخضم المتلاطم الأمواج فنحن في حاجة إلى ان ندافع عن خصوصيتنا وهويتنا في هذا العالم الذي لا يعترف بالخصوصية ويريد دمج العالم كله في حضارة الغرب.

* منهج متكامل

* البعض يشكك في قدرة الإسلام كمنهج قادر على تحقيق التقدم وإقامة حضارة تقود العالم فما دوافع هذا التشكيك؟

ـ الإسلام منهج متكامل فهو دين ودنيا ومن يطبقه يحصل على سعادة الدارين، الدنيا والآخرة وهو يمتلك كل المقومات لتكوين دولة تقود العالم وهذا تحقق في الماضي ومن السهل تحقيقه في الحاضر وهو ما يعرفه الأعداء كما يعرفه المسلمون، لكن المؤسف ان المسلمين متفرقون

ولذلك لا تأبه أميركا بنا ويخطط الغرب ضدنا وأصبح العالم الإسلامي يبدو كدول ممزقة ومع ذلك تعرف أميركا ويعرف الغرب قوة الإسلام لأن الإسلام لديه قوة ذاتية للانتشار ولو وجد الإسلام أناسا يطبقونه، قولا وعملا ويترجمونه إلى سلوك لتحقق للمسلمين ما يريدون.

القاهرة ـ ضياء الدين احمد