من أبرز، ولكن أيضا من أغرب الشعراء العرب في القرن العشرين، الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي الذي عرف حياة المنافي، قبل زمن طويل من لجوء معظم المثقفين العراقيين الى المنفى خلال العقدين الأخيرين من السنين تحت وطأة الأحداث التي ألمت بالعراق. لقد أمضى الصافي النجفي معظم سنوات حياته بين دمشق وبيروت.

وإذا كان هو لم يكتب مذكراته، فان كثرا فعلوا ذلك عنه. وهنا صفحات من مذكرات النجفي جمعت ممن كانوا مقربين منه، خارج العراق وداخله بعدما كان احمد الصافي النجفي قد عاد خلسة الى العراق، لم يسكت أو يهدأ في مواجهته الانجليز الذين كانوا يحكمون البلد وراح ينظم شعرا وطنيا أثار حافظة الانجليز الذين اعتقلوه واقتادوه أسيرا منفيا الى بيروت حيث قضى أربعين يوما في السجن الانجليزي كانت حصيلتها مجموعة شعرية سماها «حصاد السجن». لكنه من بيروت سرعان ما عاد مجددا الى العراق الذي كان في تلك الأثناء قد استقل.

وما ان وطئت قدماه أرض وطنه، حتى بكى بكاء الفرح. ويروي البعض أنه ركع وراح يقبل تراب عراقه بشوق ولهفة ولكنه لم يلبث أن أصيب بمرض عضال نصحه الأطباء أثره بالسفر إلى بلاد اقل حرارة وألطف جوا، وهكذا كان حيث ترك النجف ارض الرافدين متوجها الى سوريا ولبنان «حيث الجو معتدل والطبيعة حافلة بالمجاذبات» كما سوف يقول بعد ذلك بنصف قرن حين راح يروي ذكرياته عن تلك المرحلة.

لقد وصل احمد الصافي النجفي الى دمشق في العام 1930 ومنذ استقر فيها جعل من مقهى الهافانا محطته الدائمة. وكان مقهى الهافانا هذا ملتقى للشعراء والمثقفين والأدباء السوريين عموما ولقد تعددت الروايات حول ذلك المقهى الذي كانت تكثر فيه المقالب والسجالات ويروي احد الصحافيين الظرفاء من أبناء تلك المرحلة ان من المقالب الطريفة التي كانت تمارس انه إذ كان ثمة نادل ظريف يعرف كل الناس هناك من دون ان يكون على اطلاع على فن أو أدب أو على ما هو أكثر من زبائن المقهى.

فكان البعض يطلب المقهى بالهاتف ويسأل عن توفيق بك الحكيم، أو مصطفى لطفي باشا المنفلوطي، أو المسيو جان بول سارتر أو حتى أبو الطيب المتنبي وما كان النادل يسمع اسما يطلب حتى يروح رافعا عقيرته مناديا صاحب الاسم ليرد على الهاتف غير دار ان نصف الذين يناديهم كانوا موتى كأن يتوجه الى أحدهم بقوله «تفضل يا أخ بشار بن برد..احكي على التلفون» وهو واثق انه غير مخطئ!

بيد ان النادل لم يلفظ اسم احمد الصافي النجفي ليناديه ولو مرة كان الاسم مشهورا بالطبع لكن صاحبه كان زاهدا بكل هذا مع انه كان يطرب لجو الطرب المخيم والذي كان يسود المقهى وهكذا كلما لعلع اسم واحد من المشاهير الأحياء أو الموتى مطلوبا على الهاتف كان النجفي يغرق في الضحك ويقول ساخرا «هذا المنادي الجاهل ما اجهل منه سوى هؤلاء الذين يدفعون نقودهم ليسمعوا أصواتهم تنادى بالميكروفون».

ولشد ما كان النجفي ينزعج لصوت الراديو إذا ارتفع فيهب صارخا شاتما هاربا. ويذكر انه حين نودي مرة ليرد على الهاتف بقي صامتا ساكتا لا يتحرك وقال لمن حوله «لست أحب أن يطلبني احد أو ان اطلب أحدا انها أمور غاية في السخف» لكن في الحقيقة ان من يطلبه لم يكن مازحا..كان من صاحب دار نشر يستحثه لتزويده بمخطوط ديوانه الجديد.

ولقد طابت الإقامة للشاعر في دمشق يومها وصارت العاصمة السورية بالنسبة إليه جنة الخلد وهو يقول في هذا «أتيت جلق مجتازا على عجل فأعجبتني حتى اخترتها وطنا لا يبرح الحسن يوما من مرابعها كأنها الحسن من قدم بها افتتنا». أما حياته في دمشق كما يقول أصحابه في تلك الفترة فكانت اقل من متواضعة.

فهو لدى مغادرته المقهى كان يقصد «بيته» الذي كان عبارة عن غرفة بائسة ملحقة بأحد الجوامع قرب سوق الحميدية الشهير. وكان يشاطره السكن في ذلك المكان، حسب روايته فأر وبق عنكبوت. ومن مواقفه الطريفة في ذلك الحين كما يروي الصحافي السوري الأصل عبد الله الشيتي «ما حدثني به حين ذهب إحدى المرات يزور معرض دمشق الدولي،

فتعب من السير وجلس عند إحدى نوافير الماء الجميلة المتلألئة بالأنوار فجاءت حسناء رائعة الجمال وجلست قبالته وسألته: أستاذ.. ألست أنت احمد الصافي النجفي؟ قال هو بلحمه ودمه وإعجابه بهذا الجمال الأخاذ، بذات الصوف والصفاف، فقالت له بلهجتها الشامية المحببة: تقبرني، قل بي شيئا من شعرك... ألا ترى انني استحق.

فقال سمعا وطاعة وانشدها بيتين ارتجلهما: ومليحة جاءت لمعرض جلق تضفي مناظره بمنظرها العرضي هي ما أتت حتى تشاهد معرضا جاءت لتعرض حسنها في المعرض «ولقد انتشر هذان البيتان من الشعر في تلك السنة وتناقلتهما الألسن، خاصة ان الحسناء لجأت الى وسائل إعلامها وراحت تعمم البيتين اللذين راحت منذ ذلك الحين تدعيهما كل حسناء دمشقية فخورة بجمالها».

ولان المسافة قصيرة بين دمشق وبيروت كان النجفي يستغل أية مناسبة للمجيء الى لبنان، هذا البلد الذي ظل يقول حتى نهاية حياته انه ما احب بلدا مثلما أحبه. ويؤكد ان ما من شاعر عربي اغرم بلبنان غرام احمد الصافي النجفي به. وهو على اية حال وخلال العقود التالية سوف يمضي فيه الشطر الأكبر من حياته، حيث سكن مصايفه ومدنه الكبرى بدءا ببيروت مرورا بطرابلس فبعلبك وصيدا وجزين وانتهاء بصور.

صحيح ان النجفي لم يطق ضجة بيروت وأماكنها الصاخبة ولكنه استعذب بحرها، فكان يخلو الى مقاهيها البحرية، ولا سيما الى مقهى الحاج داوود الذي ابتلعته الحرب اللبنانية فيما ابتلعت بعدما كان طوال القرن العشرين احد معالم بيروت الشعبية والثقافية في مقهى الحاج داوود كان النجفي يجلس جلسة مزاجية، فلا يكتفي مثلا بكرسي واحد يجلس فيه، بل يستعين بآخر يمد عليه رجليه أو يتكئ عليه.

وثالث يضع عليه الصحف، ورابع يضع عليه إذا شاء في الصيف كوفيته وعقاله. وهو بعد هذا كله كان ينزع حذاءه في الغالب ويرفع رجليه واضعا قدميه على حافة الطاولة. أما الذين يلتفون من حوله فكان كل واحد منهم يسحب كرسيا ويدنيه منه جالسا عليه حتى تتألف حلقة كانت تضيق وتتسع حسب الظروف.

وفي أحيان كان النجفي رغم وجود الحلقة يجد في نفسه ميلا الى ان يسرح بخياله فيفعل مغمضا عينيه. ولا يفتحهما في الغالب إلا ليسجل بيت شعر أو حتى رباعية استوحاها من تلك الإغفاءة.

وفي بيروت كان احمد الصافي النجفي يأوي مساء الى غرفة شديدة التواضع تقع بالقرب من مستشفى «اوتيل ديو». وهو في معظم الأحيان بسبب فقره وسوء التغذية، كان يصاب بالسعال ويفتك به الوهن والضعف وفقر الدم. أما غذاؤه فكان يتألف غالبا من الحبوب ولا سيما الفول والحمص.

فقد كان أشهى ما لديه ان يأكل صحن فول أشقر عارم تزينه حسب تعبيره خضروات طازجة يتزعمها البصل والزيتون. والاشهى ان يعقب ذلك كأس من الشاي المعتق. وفي أثناء اعتلاله نادرا ما كان الصافي النجفي يعرض نفسه على الأطباء ولولا بعض أصدقائه، ما كان دخل المستشفى يوما.

ومن هؤلاء نزار الزين (صاحب مجلة العرفان) الذي كان ولي امر الصافي النجفي في لبنان، والذي أخذه بالقوة الى الجامعة الأميركية حيث تفاقمت حاله في أيامه الأخيرة ومع هذا لم يبق هناك سوى ثلاثة أيام هرب بعدها... بعيدا عن الممرضات الارمنيات اللواتي كن يأنفن شكلي وملابسي، ولا يقدرون مكانتي كشاعر كبير كما قال بنفسه.