دخلت بيروت دار الإسلام سنة 16 هجرية، الموافق سنة 637م، ولم تشهد عمراناً بالجوامع كالذي شهدته في هذه الحقبة التاريخية، يوم حررها الخليفة معاوية بن أبي سفيان من حكم الروم، ولعل أهل بيروت المعاصرين يذكرون باعتزاز أن الإمام عبد الرحمن الاوزاعي، وهو أحد أكبر العلماء المسلمين في العهدين الأموي والعباسي، اتخذ من مدينتهم رباطاً له عند التزامه بالدفاع عن بلاد الشام.

اليوم تحتفظ بيروت بجامعَين يعودان إلى العهد العرفي الأول، أولهما جامع الإمام الاوزاعي وثانيهما الجامع العمري الكبير، أما بقية الجوامع في هذه المدينة فبنيت في عهود متأخرة وعبر مراحل مختلفة بدءاً من أيام المماليك ثم العثمانيين ومروراً بفترة الانتداب الفرنسي وانتهاءً بأيامنا الحالية.

وعن جامع الإمام الاوزاعي نقول انه منذ ألف ومئتين وأربعين عاماً، كانت قرية «حنتوس» تقع في المنطقة الجنوبية من مدينة بيروت بموازاة البحر، وهي تعرف اليوم بمحلة الأوزاعي حيث يوجد فيها ضريح الإمام الاوزاعي. «قبره في قرية على باب بيروت يقال لها حنتوس وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد وأهل القرية لا يعرفونه بل يقولون هنا رجل صالح ينزل عليه النور، ولا يعرفه إلا الخواص من الناس».

ذلك ما ورد في كتاب القاضي شمس الدين ابن خلكان عام 1260م (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)، والمغزى منه أنه كان هناك قرية تدعى حنتوس وكان الإمام الاوزاعي دفين فيها، إلا ان أهل القرية لا يعرفون الإمام الاوزاعي باسمه وإنما يستدلون عليه بمكانته الدينية فقط باعتباره رجلاً صالحاً، لأن مَن يعرفه يكون من نخبة الناس فقط.

قرية حنتوس زالت بأكملها وحلت مكانها أبنية سكنية ومحلات تجارية يتوسطها مسجد الاوزاعي الذي كان يدعى قديماً مسجد حنتوس، وما يؤكد على أثرية المسجد وجود ضريح الإمام بداخله. وقد بني جامع الأوزاعي في أوائل العهد العباسي، مبناه صغير وخلف جداره الجنوبي يوجد ضريح للإمام عبد الرحمن الاوزاعي المتوفي سنة 773 م،

وفوق المحراب نقوش من رخام وضعها حسين حشمت، محاسب جبل لبنان عام 1902 م ، وكتبها الشيخ محمد عمر البربير البيروتي، يبرز فيها اسم الاوزاعي وتاريخ ولادته ووفاته واسم المكان الذي دفن فيه وهو «قرية حنتوس». في مقدمة الجامع مئذنة حديثة تبرع ببنائها مصطفى رمضان ابن الشيخ محمد رمضان سنة 1939م، والنقوش الرخامية الموجودة فوق الباب الخارجي للجامع تدل على ذلك.

وفي الجهة الغربية للجامع يوجد رواق مستطيل لا يحمل دلالة على تاريخ بنائه لكن النقوش الموجودة على جدرانه تدل على أثرية هذا الرواق، وفي الجهة الشرقية مقبرة إسلامية صغيرة دفن فيها بعض أعيان المسلمين من المفتيين والأمراء، كما يوجد من جهة الشرق ضريح رئيس الحكومة الراحل رياض الصلح، الذي اغتيل في الأردن عام 1951م.

يذكر أن الإمام الاوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن محمد أبو عمرو الاوزاعي، ولد في مدينة بعلبك في لبنان، وأصله من سبي السند. جعل من مقامه وبيته زاوية للعلم والفقه، حيث أجاب في سبعين ألف مسألة وانتشر مذهبه المعروف باسم مذهب الإمام الاوزاعي، وقد انتقل للعمل في الشام ثم عمل بالأندلس ما يقارب الخمسين عاماً، ولا يزال أهل بيروت والبلدان الشامية متأثرة إلى اليوم بمذهبه وتفسيراته.

* الجامع العمري الكبير

من جنوبي مدينة بيروت، إلى وسطها التجاري الذي أعيد إحياؤه بعد أن تدمر خلال سنوات الحرب، هناك يقع الجامع العمري الكبير الذي يعود إلى آثار الفتح الإسلامي، وأوائل أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب. تقول الروايات الشعبية أن كف النبي يحيى مدفونة في هذا المقام، وأنه أنشأ المنبر القديم فيه. وتحوّل هذا المسجد مرات عدة وعبر حقبات تاريخية متعددة من كنيسة إلى كاتدرائية، فإلى جامع سمّي بـ «العمري الكبير» تكريماً للخليفة عمر بن الخطاب.

هو في الأصل كنيسة القديس مار يوحنا الصليبية التي أقيمت بين عامي 1113 و1150، ولما أتى السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1187م حوّله إلى مسجد، ثم استعاده الصليبيون عام 1197م وحوّلوه إلى كاتدرائية بقيت بحوزتهم حتى عام 1291م، فاستعاده المسلمون ثانية في عهد الملك أشرف خليل بن السلطان محمد قلاوون، غير أن تاريخ الموقع يعود إلى تاريخ سحيق إذ أقيمت الكنيسة الصليبية على أنقاض كنيسة بيزنطية بنيت بدورها على أنقاض معبد قديم.

ويبين المؤرخ الدكتور حسان الحلاق «ان المسجد العمري الكبير منذ إنشائه فوق معبد وثني في وسط مدينة بيروت عام 635م، أوقفت عليه العديد من الأوقاف الإسلامية التي ازدادت تباعاً مع مر العصور ومروراً بالعهود الأموية والعباسية والفاطمية والزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية ،

وفي القرن العشرين أدخلت عليه تعديلات أساسية حيث ضاعت ملامحه المعمارية التي عرف بها خلال العصور، ولم يعد له صلة معمارية بإنشائه الأول أيام زمن القائد أبو عبيدة بن الجراح، على غرار الكثير من المساجد الإسلامية في بيروت ودمشق والقاهرة وبغداد والمغرب العربي».

عندما احتل الصليبيون بلاد الشام، ومن بينها بيروت، هدموا مختلف مساجد بيروت، ويقول الحلاق أن الدليل على ذلك «هو أنه لا يوجد في باطن بيروت سوى مساجد عثمانية، باستثناء مسجد الإمام الاوزاعي بتدخل من نصارى لبنان لأنهم رأوا فيه إمام العيش المشترك، الذي دافع عنهم ضد ظلم الوالي العباسي، كما أن الصليبيين لم يهدموا الجامع العمري الكبير باعتباره رمزاً دينياًّ وسياسياًّ وعسكرياًّ للمسلمين في بلاد الشام،

لا سيما وأن السلطان صلاح الدين الأيوبي سبق وأن زار بيروت عام 1187م وصلى في مسجدها الجامع لذا حرص الصليبيون على تحويل هذا المسجد عام 1197م ليس إلى كنيسة فحسب وإنما إلى كاتدرائية ما تزال ملامحها المعمارية تظهر حتى اليوم لا سيما في واجهتها الشرقية، وقد أثبتت الحفريات أن الكنيسة أقيمت فوق بناء المسجد الأيوبي القائم الآن في الطبقة السفلية من المسجد ،

ومن هنا الالتباس الحاصل والاعتقاد الخاطئ عند اللبنانيين من أن الجامع العمري الكبير أصله كنيسة خلافاً للحقيقة التاريخية». في عام 1343م جدد حاكم بيروت زين الدين بن عبد الرحمن الباعولي بناء المسجد العمري ، وكان فيه صور عمل المسلمون على طليها بالطين ،

وفي العام 1508م أنشئت المئذنة بمبادرة من شرف الدين موسى ابن الزيني في عهد الأمير الناصر محمد بن الحنش، وبقي على حاله حتى عام 1657م عندما أضيفت إليه غرف بغية توسيع مساحته، وفي عهد حاكم بيروت أحمد باشا الجزار عام 1762م أنشيء الصحن الخارجي،

وفي عام 1887 أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني القفص الحديدي داخل الجامع المنسوب لمقام النبي يحيى. وفي العام 1910 وضع السلطان محمد رشاد الشعرة النبوية الشريفة في هذا المسجد تقديراً لولاء وإخلاص أهل بيروت، وبمسعى الدولة العثمانية وأهل الخير تم شراء الأراضي المحيطة بالجامع.

* أسماء عبر التاريخ

توالت على المسجد أسماء كثيرة، اشتهر بها عند الناس في أزمنة مختلفة، ففي عهد المماليك كان اسمه (جامع فتوح الإسلام ) أي انتصار الإسلام، وذلك عندما أخرج المماليك الصليبيين من البلاد، وفي العهد العثماني كان يُطلق عليه اسم جامع النبي يحيى أو جامع سيدنا يحيى وذلك يعود لاحتمالين، إما نسبة لما كان يطلق عليه عندما كان كاتدرائية صليبية، وإما توهماً بوجود جزء من رفات النبي يحيى فيه.

وبين عامي 1949و 1952 قامت مديرية الأوقاف الإسلامية والمديرية العامة للآثار بإجراء بعض الترميمات، وبني المدخل الرئيسي لهذا الجامع من الجهة الغربية على الطراز الغربي، وزُيّن بنقوش مرسومة بيد الفنان البيروتي علي العريس، منها ستة أسطر نحتت على لوح من الرخام الأبيض مربع الشكل تحيط به زخارف بأشكال نباتية سوداء اللون، ويحيط بذلك كله إطار من الرخام، وهو مثبت على حائط القبلة.

وفي عام 1974 وقعت الحرب اللبنانية وتعرضت البلد إلى دمار شامل وكان للجامع العمري حصته من هذا الدمار، فتعرض للسرقة وأصيب بأضرار كبيرة وحطّمت أسماء الصحابة التي كانت في نقوشه الأثرية وتوقفت فيه الصلاة. بعد انتهاء الحرب قامت محسنة من دولة الكويت (السيدة سعاد حمد الحميضي) بإعادة ترميم الجامع وتوسيعه بأحدث الطرق الفنية محافظاً على طابعه الإسلامي.

بيروت ـ إيمان عجينة