حين تدخل شعبية الجريف تشعر بألفة بالغة مع المكان، فالقرية الصغيرة هي إحدى قرى «الطويين» في إمارة الفجيرة التي استطاعت ان تحتفظ بعفويتها، يستقبلك أهلها بالترحيب والابتسام، وتجدهم يحيطون بك كما لو كنت ابناً عزيزاً أو قريباً عاد بعد طول غياب، لذا فإن قريتهم تزدان بهم وبيوتهم متألقة بكرمهم على الرغم من المعيشة البسيطة التي يعيشونها.

توجهنا الى القرية عبر الطريق الحديث الممتد بين منطقة الذيد في الشارقة وأذن في رأس الخيمة والطويين في الفجيرة، وما أن وصلنا المكان حتى وجدنا الحاج محمد بن قدور اليماحي قد فتح مجلسه بانتظارنا لنبدأ رحلة مع ماضي القرية وحياة أهلها.

بدأ الحديث عن القرية وسبب تسميتها فقال ابن قدور .. سميت القرية باسم الجريف نسبة الى الجرف على طرف الوادي، وهذا هو اسمها الرسمي، لكننا نسميها الرويضة لأنها كانت خصبة وخضراء مثل روضة غناء وسكان شعبية الجريف من قبيلة «اليمامحة» وهي إحدى شعبيات قرية الطويين المعروفة تسميتها نسبة الى الطوي حيث كان في الوادي طويان للمياه العذبة يستخدمها الناس آنذاك، وقد اندثر احد الطويين وبقي الآخر، حتى الآن يستخدمه الناس، وشعبية الجريف ترتبط بالقرى المجاورة الآن عبر طريق حديثة هي طريق اذن ـ الطويين ـ دبا، وهذه الطريق جعلتنا نستطيع الوصول الى الاماكن البعيدة بعد أن كنا في الماضي نقطع الطرق الملتوية بين الجبال عدة أيام للوصول، وقد تغيرت حياتنا الآن بفضل اهتمام حكومتنا بتوفير الخدمات للمواطنين.

ويستمر الحديث حول أهالي المنطقة واعمالهم القديمة فيقول الوالد سعيد علي صياح اليماحي: كان الناس يقومون بأعمال عديدة لكسب أرزاقهم منها زراعة البر والشعير والدخن وبضع النخل، وكان اعتمادنا كبيراً على تلك المنتجات في طعامنا، كذلك كنا نجمع الحطب ونبيعه ونصنع السخام ونجني العسل ونربي المواشي فنستخرج من حليبها السمن ونبيعه.

وكنا نبيع العسل في أسواق دبا ورأس الخيمة والكيلو منه بريالين وهو مبلغ كاف لإعالة أسرنا وشراء ما يحتاجونه من «عيش» وقهوة و«قاشع» وملابس، وكان الناس يعيشون متفرقين في الجبال فبيوتهم ليست متقاربة ورأسمالهم جمل أو حمار «يكدون» عليه في الطرق الوعرة حتى يبيعوا أو يشتروا ما يستطيعون بيعه أو شراءه من مواد وكانت تلك العملية تشبه المقايضة، فالرجل يبيع العسل ويشتري القهوة وهكذا،

وكنت أذهب إلى رؤوس الجبال لجني العسل حسب مواسمه فعسل «اليبياب» أي السدر في فصل الربيع وعسل العشب في الشتاء وعسل السمر في الصيف، وأعتقد أن عسل العشب أكثر فائدة وأرخص ثمناً لأن النحل يتغذى على أنواع عديدة من الأزهار فتتعد الفوائد في العسل، والآن لم أعد أستطيع صعود الجبال فقد ضعف بصري وأجريت عملية لعيني وصارت أفضل لكني لم أعد بالقوة الكافية لصعود الجبال وأولادنا لا يذهبون إلى الجبال بحثاً عن العسل كالماضي، فلديهم وظائف جيدة ولا يحتاجون إلى هذا العمل.

ويعود بنا الحاج ابن قدور إلى أيام رمضان في الماضي فيقول: كانت أيام صيامنا تعتمد على الحساب بالدرجة الأولى، وإذا ما شاهد أحد الناس الهلال أشعل ناراً على الجبل ليعلم جيرانه بقدوم الشهر، وحينها يبني الناس «بريزه» من سعف النخيل لتكون مكان تجمعهم يفطرون ويصلون فيها التراويح وقد كان الشيبة المرحوم حسن محمد يؤذن للإفطار بينما تكون أوقات السحور على النجوم عندما ترتفع فوق الجبل نتسحر، ثم بعدها يبدأ الإمساك لليوم التالي.

وفي الماضي لا تتوقف أعمال الناس في رمضان فهم يسيرون في الليل والنهار نحو أسواق الساحل لبيع «السخام» أو يذهبون إلى المزارع للعمل أو لجمع الحطب وجني العسل، وكان الرجل في الظهيرة الحارة يلف على نفسه «شرشفاً» مبللاً لينام وقت القيلولة مع بعض البرودة.

ويتحدث ابن قدور عن الأطعمة الرمضانية آنذاك قائلاً: لا يختلف طعامنا في رمضان عن الطعام اليومي فليس هناك إسراف كما نجده اليوم في الموائد الرمضانية، وقد كان كل شخص يحمل ما يتوفر من طعام في بيته ليفطر مع جيرانه في البريزة، وكانت الأطعمة تتمثل في العيش والخبز والمرق والكامي والتمر والعسل.

ولم نكن نعرف الدجاج ولا نربيه فهو لا يعيش في «الحصا» أما الهريس فيطبخ صباح العيد ليكون «الريوق» المميز في ذلك اليوم، وكنا نجتمع بعد صلاة التراويح فنأكل ما توفر ونتحدث في الشؤون المختلفة ونذهب إلى بيوتنا للراحة، فلا يوجد سهر لمشاهدة البرامج والمسلسلات التي أصبح الكثيرين يتابعونها وينسون العبادة.

* مشاق عديدة

ويقول راشد محمد راشد اليماحي «كان الناس يصلون صلواتهم اليومية في البريزة ولكن لم يكن هناك مصلى العيد لذا يذهب الناس الى المسجد في منطقة أذن، وكذلك يوم الجمعة يصلي الرجل الفجر في بيته ويحمل معه «السعف» أي قربة الماء، ويذهب سيراً على الأقدام الى منطقة أذن لأداء صلاة الجمعة، أما العيد فيتميز باجتماع الناس معاً فهم يمضون العيد كل يوم في بيت من بيوت القرية، ولم تكن هناك عيدية نقدية للأطفال، فقد كانت المنحة للصغار حبات «السح» لتكون هديتهم في العيد.

وينتقل الحديث الى الشباب وذكريات العيد عندهم فيقول محمد علي اليماحي: «لم يكن هناك مصلى للعيد قريب أيام طفولتنا فقد كان يبعد حوالي خمسة كيلومترات فنذهب اليه مع أهلنا وبعد الصلاة نسلم على الجميع في قريتي الطويين والجريف وكانوا يعطوننا العيدية لنشتري بها الحلويات ونجتمع لنلعب في مكان يدعى «غبة الرويضة» فيه سدر وسمر نربط بها الحبال فتلعب البنات بالمريحانة ونلعب الغميضة أو نتبارز بالسيوف الخشبية الصغيرة.

واليوم نحاول الحفاظ على تقاليد الماضي فنتواصل في رمضان ونجتمع مع أهلنا أوقات الفطور، فيما تلتقي كل مجموعة من النساء في بيت واحد، وتكون الجلسات والزيارات بعد صلاة التراويح حيث تقدم الاطعمة الرمضانية وتكون كل يوم الدعوة في بيت.

* أفراح القرية

وفي الحديث عن الماضي لابد ان تذكر افراح القرية خاصة في الأعراس فيقول: ابن قدور «الزواج كان في الماضي ميسراً على الناس، فحين أراد الله ان اتزوج كانت العروس من قرية الطيبة، وقد خرجنا من الجريف نحو الطيبة مساء وبتنا في السيح يوماً قبل ان نصل القرية وفي الصباح وصلنا بيت العروس فحملناها معنا وعدنا في المساء الى المنطقة واشترينا جرابين «سح» أي تمر وكان ثمن الواحد عشرة دراهم كذلك طبخنا العيش واللحم واستمر العرس والرزيف ثلاثة أيام.

وكنا نشتري للعروس كندورة «نيل لون زياغي» وبيشغاب و«حجول» فضة، وكان مهرها لا يتجاوز المئة درهم، والرجل يبني له عريشاً من سعف النخيل ليعيش فيه مع زوجته ويكون الجميع راضين بما قسم الله لهم، واليوم أصبح العرس يقام يوماً واحداً ولكنه يكلف «المعرس» أضعاف ما كان يكلف في الماضي ونحن حتى الآن نقيم أفراح أولادنا في المنطقة إذ لا توجد صالة أفراح خاصة فتنصب الخيام ونقيم العرس في المنطقة، فيبقى العرس عندنا رزفة ويوله والآن أدخلوا الموسيقى كذلك ونحن نحرص على التكاتف فيما بيننا في قرية الجريف لتوفير الأفضل لابنائنا.

غادرنا الجريف بعد وجبة غداء وكان العيش واللحم والهريس قوامها فلم يكن ليسمح لنا بالمغادرة دون أن يتم قرانا على أكمل وجه، خرجنا نتأمل الجبال التي اعتلتها الشمس في ظهيرة حارة تصور لنا معاناة أهل الماضي بين تلك الصخور في سبيل البحث عن لقمة العيش.

استطلاع: دلال جويد