قد يبدو للوهلة الأولى مفاجئا هذا الكتاب الذي وضعه فيلسوف قرطبة ابن حزم، في القرن الحادي عشر عن الحب بعنوان «طوق الحمامة»... يمكننا إذا تبحرنا في الأمر بعض الشيء وراجعنا أحوال المجتمع الأندلسي في ذلك الحين، أن نجد الكتاب على تميزه، صورة لفكر كان في ذلك الحين متطورا وتعبيرا عن مجتمع كان قد بدأ يعي ذاته وعواطفه العميقة.
قد لا يبدو أمرا منطقيا لكنه كذلك: واحد من أشهر كتب التراث العربي في الأندلس هو كتاب عن الحب... نعم عن الغرام وفنونه وأحواله، نعرف ان الحضارة العربية عرفت كتبا كثيرة تناولت العلاقات الجنسية والحب الجسدي.
واللافت ان معظم هذه الكتب محظور ولا يتم تداوله إلا سرا في معظم أنحاء العالم العربي مع انه كتب أصلا من قبل كبار رجال الدين وأحيانا من قبل شيوخ الإسلام واهدي إلى كبار رجال الدولة وأحيانا الخلفاء والوزراء... ومع هذا يحظر هذا النوع من الكتب وغالبا لأنه يسمي الأشياء بأسمائها.
إنه بالأحرى نوع من الكتب التعليمية التي تشرح لقرائها وهم غالبا من كبار القوم كيف يحبون وفنون ممارسة الحب وما إلى ذلك. غير ان الكتاب الذي نحن في صدده هنا كتاب من نوع آخر. هو كتاب عن الحب الخالص، عن العشق والوله، الحب الذي «أوله جد وآخره هزل، أعزك الله» كما يقول مؤلفه مضيفا ان الحب دقت معانيه بجلالها عن ان توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة، وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب في يد الله عز وجل، وقد احب من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين كثير....».
طبعا هذا الكتاب هو «طوق الحمامة» للإمام الأندلسي ابن حزم، وابن حزم إذ يقدم لكتابه على هذا النحو إنما يضعه ويضع موضوعه «الحب» معه، في موقعه الصحيح والعادل من الاهتمام، خاصة حين يؤكد لنا بلهجة واثقة لا تخلو من المعنى المبطن الذي هو في رسم السيد الرقيب ان كثرا من الخلفاء المهديين والأئمة الراشدين قد أحبوا. وبالتالي ليس على المرء من حرج ان هو احب وليس على الكاتب من حرج ان هو كتب عن هذا.
واضح ان هذا كله يجعل من «طوق الحمامة» واحدا من أجمل الكتب وأعمقها في تاريخ الأدب العربي. والكتاب في النهاية كتاب أدب، حتى وان كانت خليفته وخلفية مؤلفه فلسفية. ابن حزم، الذي يلقب هو أيضا بفيلسوف قرطبة ـ كما حال ابن راشد ـ، وضع «طوق الحمامة» في مستهل القرن الحادي عشر الميلادي.
لكن الكتاب لم يحل بعد إلى المتحف ولا صار تذكارا، بل هو حي يقرأ بشغف ويعتد به. وهو ذكر كثيراً قبل عقدين من السنين ونيف حين اصدر عميد النبويين الفرنسيين، رولان بارت كتابه «مقاطع من خطاب غرامي» فرأى كثيرون انه يسير فيه على منوال ابن حزم.
ولعل السبب الأساس في ذلك هو أن ابن حزم اتبع الموضوع درسا وتعمقا بحيث لم يعد هناك مكانا لمستزيد، خاصة وان الكتاب أتى على يديه كتاب تنظير وصار تجربة في الوقت نفسه. تجربة في الحب ذلك الشعور الإنساني العميق الذي لا يفوت ابن حزم في سياق كلامه ان يؤكد لنا ان موضوعه موضوع عصي على الكلام.
مهما يكن علينا ان نتنبه هنا إلى ان الباحثين، حتى وان كانوا ينظرون إلى «طوق الحمامة» لذاته ولما فيه من مواضيع عولجت بشفافية ودقة، وضربت من اجلها الأمثال، فإنهم في الوقت نفسه يدرسون الكتاب أيضا «لما ينم عنه وجوده نفسه من ازدهار وتطور هائل في تلك الحضارة الأندلسية التي أنجبته ويعتبر نتاجا أساسيا من نتاجاتها وتعبيرا عن ازدهارها في لحظة من لحظات تاريخها
حيث تمكنت أو تمكن مفكروها على أية حال من الدنو من مناطق في الوجود الإنساني تعتبر إما حساسة وإما ترفا. وهناك من المفكرين على أية حال من يعتبر «طوق الحمامة» فريدا حتى في مسار ابن حزم نفسه، وهو الفيلسوف والمفكر المتقشف الذي اعتاد ان يطغى على كتاباته أسلوب جاف فيه تأمل فلسفي غاية في التعقيد والجدية ولقد يقال ان «طوق الحمامة» هو من مؤلفات ابن حزم حين كان شابا لا يربو على الثلاثين.... لكن هذا لا يكفي تفسيرا.
المهم ان ما خلفه ذلك المفكر من تلك الحقبة ومن نتاجات الفكر الأندلسي، كتاب في الحب وعن الحب. ومن الناحية التقنية وزع ابن حزم مواضيع كتابه على ثلاثين فصلا، راح في كل فصل منها يتحدث عن الحب وعن شتى الأمور المتعلقة به مع انه هو يقول لنا في المقدمة: «.... قسمت رسالتي هذه على خمسين بابا، منها في أصول الحب عشرة.
أولها باب «في ماهية الحب» ثم باب «في علاقات الحب» ثم أبواب متتالية فيها ذكر من احب، نذكر من احب بالوصف، ثم من احب من نظرة واحدة، ثم من لا تصح محبته الا مع الطاولة. فباب التعريض بالقول فالإشارة بالغير فالمراسلة فباب السفير.... وبعد هذا يوضح ابن حزم ان في كتابه 12 بابا في أعراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة، وستة أبواب في الآفات الداخلة على الحب.
ان حديث ابن حزم عن كل فصل من فصول الكتاب يبدو حديث العارف العالم الخبير. اذ انه في كل فصل من الفصول لا يكتفي بتلخيص اراء ابناء عصره والعصور السابقة بل يتجاوز هذا تماما لينهي حديثه عن كل موضوع وفي كل فصل بايراد أمثلة حية من تجاربه الشخصية عن الحب.
وهذا ما يجعل جزءا أساسيا من طوق الحمامة يبديه سيرة ذاتية عاطفية لمؤلفه. ونحن اذ أضفنا إلى هذا ما يفعله ابن حزم حين يزين كل صفحة وكل تأكيد بأشعار وفقرات نثرية هي تعبير عن آراء تصور مضمون الصفحة.... يحق لنا ان نقول ان النتيجة في نهاية الأمر هي اننا نجد أنفسنا بين يدي طوق الحمامة أمام ما يشبه ديوان الغرام العربي.
وهذا الواقع التجريبي في الكتاب له ناحية أخرى من الأهمية التي لفتت دائما نظر الذين تناولوا هذا الكتاب إذ ان طوق الحمامة يضعنا منذ صفحاته الأولى على تماس مباشر مع ما كانت عليه الحياة الاجتماعية في الأندلس في ذلك الحين، حيث ان ابن حزم اذ يورد التفاصيل وتفاصيل التفاصيل حول الحياة العاطفية ـ حياته وحياة الآخرين ـ في زمنه نراه لا يفصل هذه الحياة «الخاصة» عن الحياة الاجتماعية ككل.
بهذا تجدنا متنقلين من مجلس إلى مجلس، من نطاق العامة إلى نطاق الخاصة، ومن غراميات العيان إلى عالم المخطيات والجواري، في قرطبة القرن الحادي عشر على عهد الخليفة المنصور والملفت هنا أيضا ان ابن حزم على رغم ما في كتابه من وضوح ومباشرة في وصف ذلك كله فانه يحيط الأسماء والحقائق الاجتماعية التي يوردها بنوع من الغموض مستكفا عن كشف العميق من الأسرار!
وابن حزم الذي يعرف الآن في التراث العربي بأنه اكبر مؤرخ للحب والغرام فيه، هو في الأصل فقيه وفيلسوف ومنطقي ومؤرخ وشاعر وهو ولد في قرطبة العام 994م، ابنا لوزير سبقه في العمل في خدمة الخلفاء الأمويين في الأندلس، ما جعله هو نفسه يتبع خطى أبيه حتى الثلاثين من عمره.
وهو بالتالي وعلى عادة مثقفي تلك الحقب لم يفلت من تقلبات السياسة والحكم، وحدث له أيضا ان أودع السجن ذات مرة حين أفل نجم السلطة التي كان يخدمها، وهو بعد السجن عانى المنفى ومات غير بعيد من استبقية في العام 1064. وتعرف انه إنما كتب كل مؤلفاته باستثناء كتاب شبابه «طوق الحمامة» في المنفى، ومن اهم هذه الكتب «الفصل في الملل والأهواء والنحل.
