* هذه الرواية تكاد تشبه دلتا مروحية تتألف من عدة أفرع وشعاب شتى وجداول متشابكة تتدفق من معين متداخل من العلم والفن والدين والروح الإنساني. . ثمة فرع ينتمي إلى علم التحليل النفسي وخاصة عند العالم السويسري كارل يونغ (تـ 1961 ) الذي تزامل مع عالم النفس الشهير فرويد بين عامي 1907 و1912 وما لبث أن فارقه لاعتراضه على تركيز فرويد الشديد إلى حد الغلو على الدافع الجنسي في حياة الإنسان..

ثمة جدول آخر يصب في دلتا الرواية التي نقلب صفحاتها ويتمثل في العامل العقيدي الديني الذي يدخل في تكوين البشر. وتختلط أمواج هذا الجدول فيما بينها فهناك تيارات المسيحية والصوفية والبوذية. وهي بالذات التي ساهمت في التكوين الفكري والمعرفي والوجداني لمبدع هذا العمل نفسه..

وتكاد الرواية في مجملها تمثل صرخة احتجاج من مبدعها ولكنها صرخة بإيقاع الفن لا بصخب الدعاية ضد تحولات مجتمعه الألماني خلال سنوات العقدين الأول والثاني من القرن العشرين وفي مقدمة تلك التحولات ما كان يتمثل في صعود قوى الرأسمالية الاحتكارية ومعها قوى التعصب العرقي الذي يركب موجه الاستعلاء القومي في ألمانيا مما أفضى في نهاية المطاف إلى صعود النازية والفاشية.

يصنف هذا العمل على أنه رواية سيكولوجية بمعنى أن كاتبها أفاد كثيرا من استخدام أساليب التحليل النفسي وخاصة حين كان يحاول النفاذ إلى أغوار النفس البشرية ونوازعها. خلجاتها مكنون سريرتها ولاسيما بطل روايته «هاري هوللر» الذي أطلقة المؤلف فيما يشبه رحلة صدق فريدة لاكتشاف الذات ووعى ما تنطوي عليه من تناقضات تصل إلى حد ازدواج الشخصية في بعض الأحيان.

* نشر «هيرمان هسه» روايته في عام 1927 واختار لأحداثها مدينة لا يعرف لها اسم في ألمانيا ولم يحدد تواريخ معينة لزمن هذه الأحداث وان كانت الملابسات ومستويات اللغة وأبعاد مسرح الرواية تشي في مجموعها بأن الأحداث قد وقعت في فترة ما من أوائل القرن العشرين.

* هيرمان هسة (7781 - 2691 ) ألماني الأصل هندي بالمولد سويسري بالإقامة والجنسية الرسمية انجبه والداه إذ كانا منخرطين في سلك التبشير في ربوع الهند. . ولذلك نشأ وسط ثنائية ثقافية وازدواجية روحية جمعت بين الديانة المسيحية ( البروتستانتية ) والعقيدة البوذية والتعاليم الهندوسية وقد تمرد المبدع الألماني على هذا كله حين رفض الدراسة النظامية

واستنكر تحولات مجتمع ألمانيا الذي شب بين ظهرانيه إلى حيث الاحتكار الرأسمالي والانكبابي على الكسب المادي فضلا عن الاستعلاء القومي - العنصري وبعد أن تزوج وأنجب ابناءه الثلاثة رجع إلى الهند ليعاود دراسته العميقة لحكمة الشرق بعيدا عن استشراء تيارات اليمين السياسي - الصناعي والمذهبي في ألمانيا.