القضاء في الإسلام فريضة محكمة وسنة متبعة، يقوم على مبادئ عظيمة الشأن، مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية التي يوجب الدين تطبيقها لتحقيق أهدافه، يقول الله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، ويقول سبحانه كذلك: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون».
ويقول عز وجل أيضا: «ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون» حول هذه الأمانة الكبيرة والمسؤولية العظيمة، يقدم لنا المستشار الدكتور محمود الشربيني كتابه المهم: «القضاء في الإسلام». في البداية يتحدث المؤلف عن مشروعية القضاء موضحا أنها تعتمد على الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فيقول الله تعالى في سورة ص: «يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله»، ويقول سبحانه في سورة العنكبوت: «وان أحكم بينهم بما أنزل الله»، ويقول عز وجل في سورة النور: «وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم»، ويقول تعالى في سورة النساء: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما».
أما السنة: فقد روى عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «إذا اجتهد الحاكم (القاضي) فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». أما الإجماع: فقد اجمع المسلمون على مشروعية نصب «إقامة» القضاء والحكم بين الناس.
* أقرب للتقوى
ينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن مكانة القضاء في الإسلام مبينا الأهمية الكبيرة لهذه المكانة، فمن بين ما كلف الله به الرسل القضاء، قال الله تعالى في سورة العنكبوت: «فأحكم بينهم بما أنزل الله»، وقال سبحانه في سورة المائدة: «فإن حكمت فأحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين»،
وقال عز وجل في سورة النساء: «يا أيها الناس كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين»، وقال سبحانه في سورة المائدة: «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون».وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد أقرب مجلساً من الله يوم القيامة بعد ملك مصطفى او نبي مرسل من إمام عادل» والمقصود بذلك الحاكم العادل والقاضي العادل.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لأن اقضي يوماً بالحق أحب إلي من عبادة سبعين عاماً». وكما كرمت الشريعة الإسلامية القاضي العادل حذرت من القاضي الجائر الذي يتبع هواه فقال سبحانه وتعالى في سورة الجن: «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا».
وقال عليه الصلاة والإسلام: «ان الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: «القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار».
وتحت عنوان: «حكم القضاء» يؤكد المؤلف ان القضاء فرض كفاية، بمعنى انه لا يلزم بمزاولته سائر الناس، وإنما يتولاه الكفء المستوفي لشروط تولي القضاء، فان أتم ذلك سقط هذا الفرض عن سائر المكلفين. وإذا توافرت شروط تولية القضاء في عدد من الناس قام الحاكم بالاختيار من بينهم لتوليه القضاء،
فإذا توافرت هذه الشروط في أحد من رجال العلم ولم يوجد سواه ورفض القضاء فإن الحاكم له ان يجبره على ذلك. وفي القضاء خطر كبير ووزر عظيم لو لم يؤد الحق فيه أو لذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون عنه اشد الامتناع ويخشون على أنفسهم من خطره.
قال خاقان بن عبد الله: «أريد ابو قلابة علي قضاء البصرة فهرب إلى اليمامة فأريد علي قضائها، فهرب إلى الشام فأريد علي قضائها وقيل له: «ليس هناك غيرك» قال: (فأنزلوا الأمر على ما قلتم فإنما مثلي مثل سايح وقع في البحر فسبح يومه فانطلق ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضا فلما كان اليوم الثالث فترت يداه) وكان يقول: «اعلم الناس بالقضاء أشدهم كراهة له»، ولعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين»، ومؤدى ذلك انه لم يقصد به الذم في القضاء وإنما وصفه بالمشقة فكأن من تولاه فتحمل على مشقة كمشقة الذبح.
وقيل أن أبا حنيفة رضي الله عنه دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى حتى ضرب في كل مرة ثلاثين سوطا، فلما كان في المرة الثالثة قال (حتى استشير أصحابي) فاستشار أبا يوسف صاحبه في المذهب والذي تولى القضاء فقال له «لو تقلدت لنفعت الناس» فنظر إليه أبو حنيفة نظرة الغضب وقال «أرأيت لو أمرت ان اعبر سباحة أكنت اقدر عليه وكأني بك قاضياً» وكذلك دعي محمد صاحب ابي حنيفة الى القضاء فأبى حتى قيد وحبس واضطر فتقلده.
وفي رواية ان ابن عمر قال لعثمان رضي الله عنه: (لا أقضي بين رجلين) فقال له: «ان أباك كان يقضي» فقال: «ان أبي كان لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أشكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام واني لا أجد من أسأله وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من عاذ بالله فقد عاذ بعظيم» وسمعته يقول: «من عاذ بالله فأعيذوه»، واني أعوذ بالله ان تجعلني قاضيا فأعفاه عثمان رضي الله عنه من تولى القضاء وقال: «لا نجبر أحداً».
