دفعت الظروف الاقتصادية المتردية تجار دبي في فترة الثلاثينات لممارسة مهن مؤقتة تساعدهم على التخفيف من آثار الكساد والبدء في إقامة بنية تحتية عصرية لمواجهة متطلبات مجتمع دبي المتعدد الأعراق. وعليه فقد مارسوا عددا من المهن والحرف التي اعتبرتها بريطانيا، وهي الدولة المسيطرة على شؤون الإمارات وقتها، مهناً غير شرعية.
وكانت المتاجرة في المواد الغذائية مع فارس وبعض الدول المجاورة، والمتاجرة في الأيدي العاملة وتجارة الذهب وتجارة الأسلحة القديمة المستعملة (وهي البنادق والمسدسات القديمة التي كانوا يعيدون إصلاحها) من المهن التي احترفها التجار كمهن مؤقتة لتوفير مصدر دخل لهم. ولكن بريطانيا اعتبرت ما يجري على الساحة الاقتصادية أعمالاً غير شرعية.
فقد اعتبرت إعادة تصدير الفائض من المواد الغذائية تهريباً، كما اعتبرت المتاجرة في الأيدي العاملة الفائضة « تجارة رقيق» أما إعادة تصدير الذهب فقد اعتبرته أيضاً تهريباً، واعتبرت المتاجرة في الأسلحة القديمة تهريباً للسلاح خاصة إلى مناطق الخليج المضطربة كبلوشستان ومناطق إيران الداخلية التي كانت تشهد صراعات داخلية.
أما على الصعيد السياسي فقد شهدت دبي لأول مرة في تاريخها السلمي الطويل اضطراباً سياسياً. فدبي التي اشتهرت بتسلسل نظام الحكم فيها بهدوء نسبي مقارنة بالإمارات الأخرى فإنها شهدت في هذه الفترة توتراً سياسياً بين النظام السياسي وبين الأعيان ( أو ما يسمى بالمجلس الاستشاري للشيخ). ومرجع هذا التوتر هو الخلل الذي أصاب التركيبة الاقتصادية في البلاد وامتعاض التجار من تدهور مركزهم التجاري.
إنها المرة الأولى في تاريخ دبي الحديث الذي يصبح فيه الوضع المادي للتجار وأعيان البلاد أقل من وضع الحاكم الذي تحسن منذ بداية الثلاثينات نتيجة الإيرادات المالية التي صارت تصله من الامتيازات الجوية والبترولية الممنوحة لبريطانيا. وقد دفعت تلك الأوضاع بالتجار إلى المطالبة بإصلاحات اقتصادية ومالية وإدخال بعض الخدمات العامة البسيطة التي قد تعينهم على التغلب على آثار الكساد.
وقد تركزت طلباتهم على إيجاد قواعد جديدة للجمرك «الفرضة» وعلى سن قوانين تنظم أعمال الإدارة العامة للإمارة وهي المسؤولة عن تسيير شؤون البلاد الاقتصادية.كانت القاعدة التي اعتاد عليها الحكام في جمع الضرائب من سفن الغوص على اللؤلؤ والسفن التجارية، هي تعيين شخص مسؤول من قبل الشيخ يقوم بذلك الواجب.
ولم تكن تلك القاعدة متبعة في دبي فقط بل كانت متبعة في جميع أنحاء الإمارات الأخرى. كانت هذا الأسلوب صالحا في فترة العشرينات وما قبل إلا أنه وبتطور دبي وبتعدد وتنوع عمليات البيع والشراء، لم يعد هذا الأسلوب قادراً على مواجهة ظروف الكساد وتوسعة التجارة في الميناء.
لقد أدت زيادة السكان في دبي منذ بداية الثلاثينات إلى الزيادة في طلب تأسيس مرافق عامة جديدة وبالتالي إلى حركة إصلاحية قادها عدد من تجار دبي وأعيانها. وقد كانت مطالب هذه الفئة تعبر عن مطالب شريحة كبرى من سكان دبي. وقد تركزت المطالب في تنظيم المدينة وحمايتها من اللصوص وتنظيم العلاقة بين السلطة وبين الجاليات الأجنبية المتواجدة في دبي خاصة تلك التي تحظى بالحماية البريطانية.
* تعيين جديد
رداً على مطالب التجار قام الشيخ سعيد بن مكتوم في عام 1936 بتعيين ابن عمه الشيخ سعيد بن بطي والياً على منطقة ديره وأوكل إليه مسؤولية تنظيم المدينة. وسرعان ما أثبت الشيخ بطي جدارته من حيث اتخاذ عدة قرارات وإجراءات تهدف إلى تنظيم المدينة وحراستها. فتم تعيين حراس ليحرسوا السوق بعد انتهاء العمل، كما تم فرض حظر التجول بعد غروب الشمس بهدف الحد من الجريمة، كما أمر بتنظيف الشوارع والطرقات.
لاقت تلك الإجراءات صدى طيباً من الأهالي والمقيمين على حد سواء. ولكنها لم ترض الشيخ سعيد ولا بريطانيا. فالشيخ كان قلقاً من تزايد نفوذ وشعبية الوالي الجديد أما بريطانيا فكانت قلقة من الإجراءات والقوانين التي اتخذها الوالي وطبقها على الرعايا الأجانب ومن ضمنهم الرعايا الهنود والمتمتعون بالحماية البريطانية. ومن أهم الإجراءات هي أن الهنود لا يستثنون من القوانين المفروضة على جميع المقيمين سواء كانوا تجاراً عرباً أو وافدين.
بسبب هذا الامتعاض على الإجراءات الجديدة التي اتخذها الوالي، لم تدم مدة بقائه في منصبه إلا شهورا معدودة عاد بعدها الحاكم شخصيا للإشراف على أمور تنظيم المدينة وذلك في الوقت الذي كانت المدينة فيه في أمس الحاجة إلى المزيد من التنظيم الاقتصادي والى إصلاح بعض المرافق وأهمها الجمرك.
لكن الحاكم ألغى سياسته القديمة التي كانت متبعة منذ منتصف الثلاثينات تقريباً وهي الاعتماد على المجموعة التجارية لتقديم العون المادي له وذلك بسبب الامتيازات البترولية التي منحها لشركة النفط وحصوله على إيرادات منها، وكذلك بعد توقيعه على اتفاقيات منح أراضٍ لتكون مطارات للطيران للحكومة البريطانية.
لذلك فإن التوازن الاقتصادي والاجتماعي الذي حكم دبي منذ بداية نشوئها وحتى الثلاثينات والمعقود بين الحاكم وبين المجتمع التجاري الذي كان يمثل المجلس الاستشاري له من جهة أخرى، قد تعرض للخلل. فلم يعد الشيخ بحاجة للاعتماد على مستشاريه لتوفير الدعم السياسي والاقتصادي له،
فقد وفرت له الامتيازات الجديدة قوة اقتصادية وبالتالي قوة سياسية مكنته من تجاوز المجتمع التجاري واتخاذ القرارات الهامة بمفرده. وهكذا أدت تلك السياسة، بالإضافة إلى تداعيات الكساد وغيرها من الضغوط الاقتصادية إلى ولادة فئة تختلف فكرياً عن الشيخ وتعارض سياساته. هذه الفئة مكونة من تجار دبي السابقين.
* موقف بريطانيا
من الأمور اللافتة للانتباه هنا هو ذلك الدعم اللامحدود الذي حصل عليه الشيخ سعيد بن مكتوم من قبل الحكومة البريطانية وهو الأمر الذي أقلق التيارات الشعبية في دبي التي فسرت ذلك الدعم بالاهتمام البريطاني المتزايد بالجاليات التجارية الأجنبية وخاصة الهندية. كما كانت بريطانيا، على ما يبدو، تخشى أمراً آخر وهو تزايد بعض النشاطات الاقتصادية كتجارة السلاح التي شهدت منذ الثلاثينات رواجاً كبيراً في موانئ دبي والبحرين والكويت.
وهكذا تفاعلت تلك الأحداث مع ارتفاع حدة الشكوى من الضغوط الاقتصادية وأدت في النهاية إلى أن تقوم التيارات الشعبية بمطالبة الشيخ ببعض الإصلاحات الجذرية في دبي. وفي أكتوبر 1938 تقدم هؤلاء بقائمة من المطالب للحاكم أهمها:
إيجاد ميزانية محددة للإمارة.
إيجاد ضمان صحي ورعاية الصحة العامة للأهالي.
تعيين حراس للأسواق.
تنظيم دائرة الجمارك (الفرضة).
الفصل بين مخصصات الحاكم ومخصصات الإمارة.
* إلغاء بعض الاحتكارات الخاصة
على الرغم من مشروعية هذه المطالب إلا أن الشيخ سعيد لم يبت فيها فوراً وإنما أرجأها للدراسة حيث إنه كان متحفظاً على بعض المطالب. وقد أيده في هذا التحفظ الوكيل السياسي البريطاني. إلا أنه وبعد موازنة الأمر وافق الشيخ سعيد على بعض هذه المطالب خاصة تلك التي تتعلق بتحسين الظروف الاقتصادية. لقد أيقن الشيخ سعيد بأن بعضاً من مطالب التجار هي مطالب ملحة للنهوض باقتصاد دبي المتردي. ولذلك بدأ الشيخ بتنفيذ بعض هذه المطالب فوراً.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

