تشهد الأيام الأخيرة من شهر شعبان في المملكة العربية السعودية حركة شراء كثيفة خاصة في محلات السوبر ماركت الضخمة، ومحلات الجملة المنتشرة هنا وهناك، حيث تشهد زحاماً شديداً، فكل زبون يريد أن ينهي مهامه الشرائية بسرعة، لكي يعود إلى بيته سالماً غانماً محملاً بطعام يكفيه ليس لشهر واحد بل لستة أشهر.
وعن هذه الحركة الاقتصادية المكثفة والاستهلاك الضخم، يقول الدكتور عاصم السعيد من مركز خدمة المجتمع في إحدى الجامعات السعودية، إن الإحصاءات التقديرية تشير إلى أن سكان جدة وحدهم قد صرفوا في الأسبوع الأخير من شعبان الماضي حوالي المئة مليون ريال، وهذه الملايين ذهبت للزيت، والعصائر، ومواد غذائية مختلفة، ضرورية وغير ضرورية،
وأضاف السعيد: رغم الازدحام الذي تشهده الأسواق مع اقتراب شهر رمضان المبارك، إلا أن المعروض والموجود في المخازن والمستودعات يفوق حاجة المتسوقين، أي العرض أكثر من الطلب، دون حاجة لتنبيه التجار إلى ضرورة وأهمية توفير سلع رمضان كما يحدث في بعض البلاد العربية الشقيقة.
ويرى السعيد أنه نادراً ما يصاحب هذه الأيام ارتفاع في الأسعار، فالأسعار غالباً تبقى ثابتة، لأن المنافسة أصبحت كبيرة جداً بين التجار الذين يرغبون في الخروج بأكبر حصة من كعكة أرباح هذه المناسبة العظيمة، وسط منافسة شديدة يراها الجميع، وتبقى مسألة الجودة وسلامة المنتج وحفظ هذه السلع هي الأساس .
وفي السياق نفسه يشير الدكتور زيد بن محمد الرماني أستاذ الاقتصاد وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في دراسة أجراها عن الاستهلاك في رمضان، إلى وجود علاقة طردية في حياتنا المعاصرة بين شهر الصوم والاستهلاك الشره في المواد الغذائية والشرائية في المملكة وبعض الدول المجاورة، حيث ارتبط شهر رمضان في أذهان البعض بالدعاية والإعلانات والمهرجانات التسويقية وتحول نهار رمضان لدى البعض صوماً وكسلاً وليله طعاماً واستهلاكاً.
وأكد الرماني بأن الاستهلاك المفرط لدى الأسر في رمضان يهدد حياتنا الاقتصادية، لأن 45% من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى براميل النفايات وبالتالي خسارة لملايين من الريالات.أما عن الحركة الاقتصادية في شهر رمضان المبارك في السعودية، يقول عمران المالكي مدير عام دسار، إن شهر رمضان وخاصة نهايات هذا الشهر، يعتبر من أكثر الأيام مبيعاً، وهو موسم حقيقي، حيث يقترب العيد،
وفي العيد لابد من الثوب الجديد والشماغ الجديد، وقدر المالكي حجم مبيعات الشماغ في موسم رمضان وحده في المملكة بأكثر من مليار ريال سعودي، مؤكداً أن معظم القطاعات التجارية تشهد نفس الازدهار في رمضان، سواء أسواق العطور أو الملابس أو المواد الغذائية والتموينية. أما على صعيد الجلديات، يؤكد المالكي بأن حجم مبيعات سوق الأحذية والجلديات في السعودية خلال شهر رمضان الماضي قد بلغ حوالي المليار ريال،
وهو ما يمثل أكثر من نصف حجم المبيعات السنوية لهذه السوق البالغ أكثر من 8,1 مليار ريال، وتضم الأحذية والحقائب والإكسسوارات الجلدية بأنواعها، مشيراً إلى أن الإقبال على شراء الأحذية والجلديات خلال رمضان يفوق التوقعات دائماً، إذ تعتبر هذه السلع من المكملات المهمة جداً في أطقم العيد بالنسبة إلى الصغار والكبار على حد سواء، وبالتالي، فلا غنى لأي شخص عن اقتناء قطعة أو أكثر منها، موضحاً أن السعودية تستورد أكثر من 75% من احتياجاتها من هذه السلع من الخارج،
بينما تغطي الصناعة المحلية النسبة المتبقية، إذ تعتبر الأحذية الأوروبية في مجملها هي الأكثر شعبية في السوق السعودية، إذ تغطي الواردات السعودية من الأحذية والجلديات الأوروبية نحو 60 % من إجمالي الواردات السعودية من هذه السلع. ويشير عبدالله هبيش وهو كاتب صحافي من أبها، إلى أن إيقاع الحياة العصرية بتناغماتها المتسارعة والمتعددة أضعف تلك العادات البهيجة التي كنا نستقبل بها رمضان،
هذا الشهر العظيم، فكان لكل واحد وسائله للإعلان عن فرحته الكبيرة باستقبال هذا الشهر الكريم، فكان فرح الناس وشغلهم الشاغل في الترتيب لكيفية قيام هذا الشهر الكريم وملء الأوقات بالعبادات والتقرب إلى الله زلفى بأعمال الخير، مضيفاً أن الناس في هذه الأيام ينصرفون ويجتمعون على استقبال هذا الشهر بالتوجه إلى الأسواق والمراكز التجارية استعداداً لاستقبال هذا الشهر وكأن هناك مجاعة لا سمح الله، فيملأون السلال بالمواد الغذائية بكميات كبيرة قد تكفي مؤونة عام كامل.
و ينبه الكثير من رجال الدين في السعودية مما يسمى بحمى التسوق مع اقتراب الشهر الفضيل، مؤكدين أن تحول رمضان إلى مجرد مائدة شهية تحفل بما لذ وطاب، تتفنن في إدارتها ربة البيت وتجعل المعركة تنتهي باستسلام مريب لشهوات الأكل والشرب، يفقد الصيام هدفه وغايته، والذي هو مواجهة الذات وأطماعها، مشيرين إلى ضرورة إعادة صياغة أنماط حياتنا.
جدة ـ «البيان»