هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الإمام أبو جعفر الطبري، من أهل آمل طبرستان، أحد أئمة الدنيا علماً ودينا ومولده سنة أربع وعشرين ومئتين، وكان أسمر أعين مليح الوجه مديد القامة فصيح اللسان، روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وسمع من محمد بن عبدالملك بن أبي الشوارب، واسحق بن أبي إسرائيل، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وأبي كريب، وهنّاد بن السري، والوليد بن شجاع، وأحمد بن منيع، ومحمد بن حميد الرازي، ويونس بن عبدالأعلى، وخلق سواهم..!
وروى عنه أبو شعيب الحراني، وهو أكبر منه سناً وسنداً، ومخلد الباقرحي، والطبراني، وعبدالغفار الحصيبي وأبو عمرو بن حمدان، وأحمد بن كامل، وطائفة سواهم، وقرأ القرآن على سليمان بن عبدالرحمن الطلحي صاحب خلاد. ومن تصانيفه «كتاب التفسير» و«كتاب التاريخ» و«كتاب القراءات والعدد والتنزيل» و«كتاب اختلاف العلماء» و«تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين» و«كتاب أحكام شرائع الإسلام» ألفه على ما أداه إليه اجتهاده» و«كتاب الخفيف» وهو مختصر في الفقه، و«كتاب التبصير في أصول الدين».
وابتدأ تصنيف «كتاب تهذيب الآثار» وهو من عجائب كتبه، ابتدأ بما رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما صح عنده بسنده، وتكلم على كل حديث منه بعلله وطرقه، وما فيه من الفقه والسنن، واختلاف العلماء، وحججهم وما فيه من المعاني والغريب، فتم منه مسند العشرة، وأهل البيت، والموالي، ومن مسند ابن عباس قطعة كثيرة ومات قبل تمامه.
قال الخطيب ـ في تاريخ بغداد ـ كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصحابة والتابعين،
ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام ومسائل الحلال والحرام، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم، وله الكتاب المشهور في «تاريخ الأمم والملوك» و«كتاب في التفسير» لم يصنف أحد مثله، وكتاب سماه «تهذيب الآثار» لم أر سواه في معناه، إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة.
وحكى أن: محمد بن جرير مكث أربعين سنة، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة ونقل عن الأسفراييني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير، لم يكن ذلك كثيراً، أو كلاما هذا معناه. وروي عن ابن خزيمة قوله: نظرت في التفسير من أوله إلى آخره، وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال الفرغاني: كان محمد بن جرير ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات، من جاهل وحاسد وملحد، فأما أهل العلم والدين فغير منكرين علمه، وزهده في الدنيا، ورفضه لها، وقناعته بما كان يرد عليه، من حصة خلفها له أبوه بطبرستان يسيرة، ولما تقلد الخاقاني الوزارة وجّه إليه بمالٍ كثير، فأبى أن يقبله، فعرض عليه القضاء، فامتنع، فعاتبه أصحابه،
وقالوا له: لك في هذا ثواب، وتحيي سنة قد درست. وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم؛ فانتهرهم، وقال: قد كنت أظن أني لو رغبت في ذلك لنهيتموني عنه.وقال الفرغاني: رحل ابن جرير من مدينة آمل لما ترعرع، وسمح له أبوه بالسفر، وكان طول حياته ينفذ له بالشيء بعد الشيء إلى البلدان ـ أي يرسل إليه ببعض النفقة أينما حلّ ـ فسمعته يقول: أبطأت عني نفقة والدي، واضطررت إلى أن فتقت كميّ قميصي، فبعتهما..!
وقال عنه ابن كثير في البداية والنهاية: وكان من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم، وكان حسن الصوت بالقراءة مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن الصفات، وكان من كبار الصالحين، وهو أحد المحدثين الذين اجتمعوا في مصر في أيام ابن طولون، وهم محمد بن اسحق بن خزيمة، إمام الأئمة، ومحمد بن نصر المروزي،
ومحمد بن هارون الروياني، ومحمد بن جرير الطبري هذا وقد ذكرناهم في ترجمة محمد بن نصر، فرزقهم الله، وقد أراد الخليفة المقتدر في بعض الأيام أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقاً عليها بين العلماء، فقيل له: لا يقدر على استحضار ذلك إلا محمد بن جرير الطبري، فطلب منه ذلك فكتب له، فاستدعاه الخليفة إليه وقربه وقرب منزلته عنده.
فقال له: سل حاجتك، فقال: لا حاجة لي، فقال: لابد أن تسألني حاجة أو شيئاً فقال: اسأل أمير المؤمنين أن يتقدم أمره إلى الشرطة حتى يمنعوا السؤال يوم الجمعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع. فأمر الخليفة بذلك، وعظم في نفوسهم..!
وقد كانت وفاته وقت المغرب عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمئة وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين، وفي شعر رأسه ولحيته سواد كثير، ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة ورعاعهم منعوا من دفنه نهاراً ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد، وحاشاه من ذلك كله. بل كان أحد أئمة الإسلام علماً وعملاً بكتاب الله وسنة رسوله..!
ونقل السبكي عن أبي علي الطوماري قوله: كنت أحمل القنديل في شهر رمضان، بين يدي أبي بكر مجاهد، لصلاة التراويح، فخرج ليلة من ليالي العشر الأواخر من داره، واجتاز على مسجده فلم يدخله، وأنا معه، وسار حتى انتهى، فوقف على باب مسجد ابن جرير، وابن جرير يقرأ سورة الرحمن، فاستمع قراءته طويلاً، ثم انصرف، فقلت له: يا أستاذ، تركت الناس ينتظرونك، وجئت تستمع قراءة هذا؟! فقال: يا أبا علي، دع عنك هذا، ما ظننت أن الله خلق بشراً يحسن أن يقرأ هذه القراءة..!
وهكذا نتبين أن الله عز وجل رزقه التبحر في العلم والفقه وحفظ الآثار وحسن القضاء ووهبه كذلك حسن الصوت في تلاوة كتاب ربه وقد كانت قراءته تؤثر في القلوب وتوقظ ملكات النفس النورانية فتبعث نسائم السكينة تحلق بها في الآفاق..!
وأما تفسيره المسمى (بجامع البيان) فيقول الدكتور عبدالحي الفرماوي أستاذ التفسير بجامعة الأزهر: (ويعتبر تفسير ابن جرير من أقدم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر من المراجع الأولى عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي، وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعاً غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي، نظراً لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحاً يعتمد على النظر العقلي والبحث الدقيق.
وقد اتفق الباحثون في الشرق والغرب على الحكم بعظم قيمته، وعلى أنه مرجع لا غنى عنه لراغب التفسير..! كذلك قال المرحوم الدكتور محمد حسين الذهبي: ونستطيع أن نقول: إن تفسير ابن جرير، هو التفسير الذي له الأولية بين كتب التفسير، أولية زمنية، وأولية فنية صناعية.أما أوليته الزمنية: فلأنه أقدم كتاب في التفسير، وصل إلينا كاملاً،
وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهب بمرور الزمن ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل إلينا منها في ثنايا ذلك الكتاب الذي نحن بصدده.وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة: فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها مؤلفه، حتى أخرجه للناس كتاباً له قيمته ومكانته.
علي عيد