جزء كبير من الشعب الموريتاني يعيش على صيد السمك عند شطآن أطلسية تجعل هذا البلد العربي واحدا من أكثر دول العالم إنتاجا للأسماك. ومن بين عوائد صيد السمك وممارسته، موسك اصطياد سمك البوري، الذي عاشه الصحافي الفرنسي فرانسوا كزافييه بليتيه وصوره خلال إقامته في المنطقة طوال ما يقرب من نصف عام، عايش خلالها الصيادين وشاهد أفراحهم وأتراحهم، وها هو هنا يحدثنا عن يوم صيد... عادي.
كان النعاس قد خالجني بعض الشيء ومددت يدي اعدل الثوب المخملي الذي ألبسه، كي أغطي جانبا من جسدي بدأ الذباب يهاجمه. غير بعيد مني كان الصيادون منصرفين إلى اهتماماتهم، بعضهم يلب الداما والبعض منكب على ربط العوامات وقطع الرصاص بأطراف الشباك. وفي زاوية ما، كان ثمة جمع من المتناقشين، أولا بهدوء، ثم بصخب بدا لي أن دافعه الأساسي هو الانتظار الطويل لظهور سمك البوري، مصدر رزق الناس هنا.
كان واضحا أن البعض صار مستثارا، فيما صارت حركات البعض منهم مهددة. ولكن بشكل مباغت حل صمت غريب. وراح كل من المتخاصمين ينظر إلى الآخرين بغضب. كان الشعور بطغيان جد عادي، عاما... وعلى الفور، عاد كل واحد إلى شباكه يشتغل عليها. فيما اخلد العاقلون منهم إلى نوم عميق. وأنا بدوري سرعان ما غفوت.
ولكن صوتا مفاجئا أيقظني وأيقظ الجميع: كان صوت المتربص الذي نهض فجأة محركا إلى أعلى والى أسفل غطاء رأس طويل اسود اللون. كان يصرخ وقد وضع كفه اليسرى على فمه لتساعده في إطلاق صوته إلى أعلى ما يستطيع: ها هو السمك قادم.. كثير من السمك.
وعلى الفور أخذت أغطية الرأس تلوح من كل مكان. وراح الرجال يخرجون من البيوت راكضين في كل الاتجاهات. وعند الشاطئ ترك الكل بسرعة مشاغلهم الاعتيادية ونهضوا جميعا إلى نقطة واحدة فيما راح كل واحد يصف ما يراه من تدفق السمك وسط البحر. أما أنا فلم أرَ أول الأمر شيئا.
نزع الصيادون عن أجسادهم اللفافات الطويلة ليبقوا في سراويلهم الداخلية المصنوعة من جلد المعيز، أو من الأقمشة السميكة جدا. وتناول كل منهم شبكته من طرفها الخشبي مادا طرفها الآخر إلى رفيقه في الصيد. وعلى هذا النحو تجمع الرجال اثنين اثنين عند الشاطئ ونشرت الشباك مفردة على أطراف خشباتها في الأماكن الأكثر عمقا من الماء.
وكان واضحا في عيون الصيادين مدى استمتاعهم بالوضع كله بعد أن أمضوا ليال كثيرة يحلمون بما يحدث الآن. ثم بعد فترة من الصمت النسبي الحافل بالترقب المؤكد، عاد الضجيج يعلو من جديد. لم يعد الصيادون يتكلمون فيما بينهم بل تحول كلامهم صياحا. وصارت الأحاديث، ذات الطابع الودي الآن، تدور حول ذكريات الصيد حيث أحمد أو سالك أو أي واحد آخر منهم اقترف الغلطة غير المقصودة أو أي شيء من هذا القبيل. وبما أنه، جل من لا يخطئ، طابع أصابع اتهام الجميع.. الجميع.
كان من الواضح من تصرفاتهم التي تبدو عفوية وآلية في الوقت نفسه أن لدى القوم هنا تقاليد صيد منظمة، موغلة في القدم ودقيقة. ولكن في الحقيقة تبين لنا انه منذ اللحظة التي تطل فيها الأسماك تلقى بكل القواعد جانبا، وترمى التقاليد إلى الجحيم. ويصبح تصرف كل واحد على أساس «يا رب نفسي!» لكن المصيبة هنا تكمن في أن أي خطأ يرتكبه أي واحد منهم، سوف تدفع القبيلة كلها ثمنه. ومع هذا لم يعد ثمة أي مجال لسجال الآن. لقد وصل السمك.
ومع وصول السمك يعمد الزعيم أو من ينوب عنه إلى توزيع الصيادين فريقين. مهمة الأول أن ينزل بسرعة إلى الماء لكي يسد على الأسماك درب التراجع من ناحية، فيما ينتظر الثاني بعض الوقت ليعود ويسد على السمك طريقه من الناحية الثانية. وهكذا يعلق سرب السمك في كماشة دائرية.
وتنجح الخطة كما يبدو.. وها في داخل الكماشة كم كبير من السمك فالسرب طويل جداً. والحقيقة أننا هنا لا نصطاد إلا مقدمة السرب. وإلا فإن أسماك اليوري، لو حاولنا التمدد، سوف تفلت منطلقة في كل الاتجاهات. فهناك كميات هائلة من السمك. ويمكننا جميعا أن ندخل إلى الماء الآن ونصطاد على هوانا، بما فينا أولئك الذين لم يكن لهم دور.. وبما فينا الدلافين التي كانت تمر من بعيد نافرة منتظرة أن تنال حصتها. وكنت ألمح الدلافين متقافزة على بعد ميلين من الشاطئ.
ولمحت أيضا صيادا غير بعيد مني أخذ يضرب الماء بالعصا خبطات منتظمة. أول الأمر لم أفهم ماذا يفعل، ثم فهمت: إن صوت الخبطات وصل إلى مسمع الدلافين فاعتقدته صوت البوري يقترب منها، فراحت تقترب بدورها دافقة مزيدا من أسراب السمك في اتجاهنا. وهنا تنبهت أسماك البوري إلى وجود الدلافين، عدوتها الأساسية، فراحت تغوص هاربة إلى الأعماق.
وهنا أشار الزعيم بيده إذ كان ينتظر هذا التحرك.. فانطلق رجاله فورا نحو الماء وهم يتصايحون بأعلى أصواتهم: «تقدم بشكل أسرع، لا.. لا تقترب إلى هذا الحد»، «انتبه لشبكتك» «لا.. لا تنحى رأسك هكذا» وهكذا وبدا لي أن ارتفاع صوت الضجيج لا يؤثر هنا ولا يهرب الأسماك. فهي تحت صفحة الماء لا تعود قادرة على سماع الأصوات.
وبدا لي المنظر رائعا، حين راح الرجال يتقدمون نحو الماء في حلقة دائرية، تماما مثلما يفعل صيادو إفريقيا السوداء حين يتقدمون في الأدغال من الفخ الذي كانوا قد نصبوه. الرجل الذي يتولى مهام الزعامة، يسير جارا شبكته وراءه متبعا خطا منحنيا، وبعد برهة يتبعه الباقون حتى يصل الماء إلى أعلى قاماتهم.. آه.. يا له من مشهد بحري رائع.
وعاد الهدوء بشكل مباغت. لقد علق سمك كثير في الشباك. أما البقية، وتشكل ثلاثة أرباع السرب فإنه سيبقى عليها إن تمكنت من مواصلة الهرب، أن تناضل ضد الدلافين وأسماك القرش التي ستغتنم فرصة هذا الصيد غير المتوقع. والحقيقة أن هذه الشراكة بين الصيادين والدلافين نوع من التعايش.
فالدلافين حين تمنع البوري من الهرب باتجاه فضاء البحر، إنما تخدم الصيادين في التمكن منه. أما الصياد فإنه ما إن ينجز عمله وينال حصته حتى يكون تسبب في تشتيت البوري الذي لا يجد أمامه أي طريق أخرى إلا الهرب.. ولكن إلى حضن الدلافين التي لن تجد مشقة عند ذاك في اصطياده.
الآن.. ها هم الصيادون يروحون ويجيئون عند أطراف الشباك يلتقطون الأسمال التي تشي حركاتها بأنها أدركت أنها وقعت في الفخ. وفي هذه اللحظات يعرف الصيادون أن عليهم أن يتحركوا بسرعة لأن الأسماك لن تكف عن محاولة الهرب لو أتيحت لها الفرصة. وهنا يكون الصياد قد انتزع خنجره وراح يضرب به رؤوس الأسماك ليقتلها ويفرغها في اللحظة نفسها من دمها.
هل هو ذبح شعائري طقوسي؟ ربما، لكنها على أية حال الوسيلة الوحيدة للحفاظ على طزاجة السمك في مثل هذا الطقس الملتهب. لقد أدى هذا كله إلى انتشار بقع الدم فوق صفحة المياه. أما حول الشباك فتجول الآن ظلال كئيبة. وعلى بعد خمسة أمتار من مكاني اختفت إحدى الشباك بعد أن ابتلعها تيار مائي.
أسرعت نحو الشبكة لكن جسمي اصطدم بسمكة باردة. أحسست برجفة الموت تسري في كياني. ومع هذا غاصت يدي في الماء وتمكنت من التقاط طرف الشبكة، ثم سحبت هذه الشبكة لأجد في داخلها سمكة بوري رائعة الحسن قطعت قسمين.