بعض المشاهير تعب كثيراً في حياته، وعمل المستحيل حتى نال وسام الشهرة، وفي عصرنا الحالي أصبحت الشهرة أكثر سهولة، وهنا ليس المقصود الشهرة بمعناها الإيجابي فقط، بل لعله السلبي أيضا، فهل أصبحت الشهرة مع انتشار القنوات الفضائية وشركات الإنتاج أمراً سهلا لا يحتاج إلى الجهد والعمل المتميز، أو حتى الإمكانيات الخارقة؟
في هذا الإطار يقول الصحافي والمحرر الفني في إحدى الصحف السعودية عبد الله النهاري: «لا شك أن الشهرة الفنية بشكل خاص، أصبحت لا تعتمد في أغلب الأحيان على الصوت الجميل أو المقدرة الخارقة، إذ أننا نرى يومياً على شاشات الفضائيات العربية أصواتاً ليست لها علاقة بالطرب، بل أصبحت الشهرة تعتمد على الشكل الجميل للمطرب أو للمطربة، لأن هذا العصر هو عصر الصورة، وليس عصر الصوت، فالفضائيات غطت الساعات الطويلة في البيوت،
وكل يوم يطل علينا مشهور جديد، مصحوباً «بنيو لوك جديد»، وأختلط الحابل بالنابل، فصرنا لا نعرف الجيد من السيئ، ولا الأبيض من الأسود، واشتبكت الأمور، وكل فنان يقول لك أنه هو الأفضل «التوب»، صاحب الصوت الجميل، متهماً غيره من الفنانين بأنه يعتمد على جمال الصورة وليس الصوت،
ولا نعرف من نصدق ، وهذا لا يعني غياب الأصوات الجميلة، كذلك لا يعني أن كل من يحقق الشهرة بسرعة يكون سيئاً، فالمطرب الموسيقار الفرنسي شارل أزنافور كان سائق تاكسي، ومرة كان يغني في التاكسي وبرفقته أحد الزبائن، فسأله الزبون، لمن الكلام واللحن، فأجابه أزنافور: لي، فأخذه من يده وقدمه للإذاعة الفرنسية ليكون عالمياً».
أما عن مفارقات الشهرة بشكل عام، يقول الدكتور عاصم السعيد وهو مدرس في إحدى الجامعات السعودية والمتخصص في المجال الإعلامي. «أن الصدفة في عصر الإعلام والفضائيات والربح السريع أصبحت تلعب دوراً كبيراً، وخاصة في الإعلام الغربي، فمثلاً الأميركي جاسون شيشتريل، تعرض وجهه لحريق فأصيب بالتشوه، بعد ذلك صنفته صحيفة «ويكلي ويرلد نيوز» بأنه واحد من أقبح عشرة أشخاص في أميركا، فرفع عليهم قضية ثم تصالح معهم بعد التوصل إلى تسوية،
وهكذا أصبح مشهوراً جداً وخاصة في أميركا.ويضيف السعيد هناك بعض الكتاب، وخاصة كتاب الروايات، يكتبون الكثير من الروايات ولا يحققون الشهرة، وبعدها يتناولون في رواياتهم ألفاظاً مسيئة للإسلام مثلاً، فيصبحون من الكتاب العالميين والمشهورين جداً، كالروائي سلمان رشدي، عندما كتب «آيات شيطانية، فأهدرت إيران دمه، ومن ثم فر هارباً إلى بريطانيا، حيث أعجبت آنذاك مارجريت تاتشر بكتاباته،
وأصبح على لسان كل الناس، وكذلك الكاتب السوري حيدر حيدر، في روايته «وليمة لأعشاب البحر» لم تكن هذه الرواية معروفة كثيراً، إلى أن أحتج بعض المصريين على نشرها في مصر، واعتبروها مسيئة للإسلام، مما أدى إلى الكثير من الكلام حول هذه الرواية، وراحت القنوات والإذاعات تستضيف حيدر ليلاً نهاراً، مما حقق لروايته عوائد مالية ضخمة.
ويقول الصحافي حسن الصبحي: «أن هناك أمثلة عن الشهرة وأدواتها تثير الضحك، فتصور مونيكا لوينسكي، أولاً أن بيل كلينتون الرئيس الأميركي السابق ان لم يتحرش بها، ما كنا سمعنا عنها أبداً، وأصبحت حديث الملايين، لدرجة أن شركات الدعاية والإعلان والإنتاج راحت تتهافت عليها لتدفع لها الملايين من الدولارات، حتى بيل كلينتون أضطر ليقصف بغداد بالصواريخ ليشغل الصحافة الأميركية عن قضيته مع لوينسكي».
ويضيف الصبحي: «كذلك الأطفال الذين يرفعون القضايا على مايكل جاكسون، فإذا كنت أميركياً وتريد أن تصبح مشهوراً ليس عليك إلا أن ترفع قضية على مايكل جاكسون، تتهمه فيها بأنه قد تحرش بابنك جنسياً، على الرغم من أن الكثير من أطفال هذا العالم في الدول الفقيرة يتعرضون لهذا النوع من التحرش والاغتصاب، عدا عن مئات النساء، ولا نسمع عنهم شيئاً، أما أطفالنا إذ أرادوا الشهرة فعليهم أن يموتوا أمام الكاميرات، فربما الطريقة التي تموت بها تحقق لك الشهرة،
مثل الشهيد الطفل محمد الدرة، تصدر تلفزة العالم لأكثر من أسبوع، وأصبح معروفاً في كل العالم، حتى أن بعض الشوارع في عالمنا العربي سميت باسمه، وذلك بسبب الطريقة البشعة التي مات بها، فتصور لو أن الكاميرا التي صورت الحدث لم تكن موجودة، بالتأكيد كان سيموت مغموراً ككثير من الأطفال الفلسطينيين الذين ماتوا ولم نسمع عنهم، وهذا يؤكد الدور الكبير للإعلام في أيامنا هذه، فتصوروا مدى الاختلاف في الطريق الذي يوصل إلى الشهرة بين أطفالنا وأطفال أميركا.
جدة ـ «البيان»

