شهر رمضان هو الذي شكل مسار مطرب الموشحات الأندلسية الفنان عبد الرحيم الصويري، وهو الذي قاده إلى المكانة التي يحتلها الآن بين فناني الطرب الأندلسي. وفي هذا الحوار، يكشف الصويري عن بداياته وعن وضعية الفن الأندلسي في المغرب راهنا.

* تتحدث دائماً عن رمضان كمنطلق لتوجهك الفني، كيف حصل ذلك؟

ـ أتذكر وأنا طفل صغير في الستينات، كانت هناك سهرات وحفلات للغناء الأندلسي طيلة السنة، إلا أنها تقام يوميا في شهر رمضان بمدينتي الصويرة، حتى أننا كنا نصاب بالتعب والإعياء في أحيان كثيرة جراء متابعتها، فوالدي كان من المؤذنين ومن ذوي الأصوات الجميلة كما أن أخي بوجمعة الصويري كان أيضاً من الأصوات الشهيرة بالمدينة في مجال المديح والأذكار النبوية الشريفة، وعلى أيديهم تشربت أولى نفحات فن المديح والموسيقى الأندلسية.

وحين انتقلت إلى الدار البيضاء بهدف متابعة دراستي بكلية الحقوق بعد حصولي على شهادة الباكالوريا جرفني تيار فن المديح والسماع، حيث كنت أنشد مع فرق مختصة، إلى أن التقيت صدفة بأحد رواد هذا الفن المرحوم الحياني الجابري الذي ساعدني هو والحاج بنجلون التويمي الذي كان رئيس جمعية هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، لشق طريقي في هذا الميدان. وكان، رحمه الله، هو الذي قدمني عام 1982 إلى الحاج عبد الكريم الرايس أحد أشهر وأكبر فناني الطرب الأندلسي.

* لماذا ارتبط الغناء الأندلسي بشهر رمضان؟

ـ حقيقة، أن رمضان هو الأنسب لمثل هذا الفن لعدة اعتبارات أهمها قدسية هذا الشهر الكريم، فباعتبارنا مسلمين ومتأصلين نريد رؤية تراثنا وفي مقدمته التراث الموسيقي الأندلسي، وكذلك الغناء الصوفي والأمداح النبوية التي تنمي الذوق وترتقي به.

* هل مازال الغناء الأندلسي يقدم كما كنت تشهده أيام الطفولة؟

ـ بصراحة، الوضعية ليست بخير فهي تعرف تراجعاً كبيراً، ويعود السبب بالدرجة الأولى لعدم اهتمام أهل الفن والمولعين به بهذا الفن الرفيع، وهنا لا يسعني إلا أن أدق ناقوس الخطر وأقول بكل شفافية بأن الفن الأندلسي في تدهور كبير رغم الجهود الجبارة التي يبذلها رؤساء وأعضاء الجمعيات الأندلسية بفاس والدار البيضاء.

عندما كنت تلميذاً، ضمن مجموعة الحاج عبد الكريم الرايس، كانت السهرات لا تتوقف، أما حالياً فتنظم سهرة أو سهرتان في السنة، وهذا شيء خطير يعوق الحفاظ على هذا الفن الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من التراث المغربي الأصيل. كان العرس الذي لا تحييه أجواق الفن الأندلسي لا يعتبر في «المستوى»، وكان أصحاب الفن والمولعين به مدمنين على الاستماع لموازين الموسيقى الأندلسية عند تقديمها في الإذاعة كل يوم، أو في التلفزيون كل جمعة، أما اليوم فقد ضاع الفن الأندلسي.

* وكيف ترى سبل إنقاذ هذا الفن؟

ـ لابد من إنشاء مدارس خاصة بالمديح والسماع والفن الأندلسي للحفاظ على هذا الفن بطريقة عقلانية وعلمية، وهناك شباب يحب هذا الفن، وهناك أسر تريد تكوين أبنائها في أحد هذه الأصناف الموسيقية المغربية الراقية التي تعد واجهة المغرب في كثير من التظاهرات الثقافية والفنية العالمية.

* لو أردت أن تعرف الفن الأندلسي للقارئ العربي، ماذا تقول؟

ـ هو فن قديم ضارب في أعماق التاريخ لأكثر من 800 سنة، وهو إرث حضاري أخذناه عن الأندلس. في البدء كان يسمى بالطرب الأندلسي ولفترة سمي بطرب الآلة وعاد لتسميته الأولى أخيراً، ونحن كمغاربة طورناه وأجرينا عليه تعديلات، حيث أجرى عليه بعض الرواد تغييرات كتحويل نَوْبَة بأكملها من الغَزَل إلى الأمداح وهو شيء صعب جداً في عُرف الطرب الأندلسي.

والفن الأندلسي الذي يعتمد القصائد الطويلة والأشعار الصعبة موجود أيضاً في الجزائر بتسمية «الطرب الغرناطي»، وفي تونس وليبيا بتسمية «المألوف» لكن المختلف إننا في المغرب نغني جميع الأنواع السالفة الذكر: غرناطي، أندلسي، مالوف، ملحون، فيما باقي دول المغرب العربي لا تستطيع أحياناً غناء الأندلسي المغربي في بعض المقاطع الصعبة نوعاً ما.

الرباط ـ رضا الأعرجي