رغم تراجع الغرب في كتاباته الاستشراقية عن غلوائه الانتصارية، فإن هذا الموقف في الحقيقة لم يتجاوز بعض الحلقات المثقفة. بدأت كتابة الآخرية في القرن السادس عشر لتكون بمثابة ديوان سيحوي كل أوصاف هذا الآخر الغريب، الغرائبي وسيخترع المستكشفون العالم الجديد فينسبون كل ما يرونه الى ما هو معلوم من قبل فتتشكل بذلك الأحكام المسبقة، والكيليشيهات المسبّقة وستتغذى رحلة بعد رحلة، عاماً بعد عام، قرناً بعد قرن..

إن انبثاق النزعة الرومانتيكية يمثل مخيالاً يكاد يكون صوفياً بأتم معنى الكلمة، هذا المخيال جلب توازناً معيناً للنفس الغربية، بأن وفّر لها إمكانية الُحلم والعيش في «البين بين» والعثور على الجزء المكبوت والمدحور من ذاتها في الشرق، الذي أسبغت عليه صبغة روحانية وسنلاحظ ذلك أكثر في أسلوب ثيسجر الذي يميل إلى رومانسية حالمة تجسد بالفعل حالة العيش «بين بين».

إن الغرب خاصة في مثل هذه الكتابات وإن تراجَعَ عن غلوائه الانتصارية، وعن نزعته الوضعية، فإن هذا الموقف في الحقيقة لم يتجاوز سوى بعض الحلقات المثقفة، ونستثني من هذا توماس وثيسجر، فكلاهما انطلق كما سنرى من منطلق أن الغرب يظل سلطاناً جباراً وسيداً رجولي النزعة ومتسلطاً. أما الخشية من إمكان زوال منزلة هذا الغرب، فتدفعه أكثر إلى تعزيز عنفوانه الذكوري.

إن المكتشفين يخترعون عادة العالم الجديد بواسطة الحركة عينها التي بمقتضاها ينسبونه إلى ما هو معلوم من قبل. وهذا الصنف من الإجراء الوصفي هو الذي تحكم منذ البداية في الخطاب حول الآخر ضمن التقليد الغربي الذي يقْحَم الآخر داخل متن من التمثلات الوهمية، والمعتادة، فيحصل ـ إن صح القول، ترويضه وتحييده بواسطة ثقافته هو بعينه. وهكذا يمر الآخر دائماً عبر بلاغة الآخرية التي تنتمي مقولاتها وغاياتها إلى الملاحظ بعينه لا غير.

إن كتابة الآخرية منذ قيامها في القرن السادس عشر، كما جاءت في الرحلة السردية، ستكون بمثابة المخبر الذي تسعى فيه الكتابة إلى نسخ رسم عما يشاهد. فمن كريستوفر كولومبس إلى بوغانفيل، وفي جميع الرحلات السردية التي تحفل بها عصور الاكتشاف، طرأت على الأشياء المرئية تغييرات أحدثتها الكتابة عن بعد.. فالكتابة،

وهي التي تشترط الرجوع إلى الأصل والتعامل بشفافية مع الموصوف، أجازت للرحالة في القرن السادس عشر، كما للاثنولوجي في القرن العشرين، أن ينّصب نفسه بمثابة الفيصل، كما سيتضح معنا في أسلوب برترام توماس بالذات، أي تلك التي تمتلك سلطة تسمية الإنسانيات الأخرى أو المجتمعات الأخرى ومنحها موضعاً ما ضمن تنوع الثقافات.

لا مناص للأنثروبولوجي الحديث، من أن يؤدي دور الإله الصانع الذي يرى بأم عينيه أموراً لم يرها شخص قط حتى ذلك الحين. في المونوغرافيا الميدانية لها قدرة حقيقية على تغيير وجه الأخر وعلى اختراع هيئة له، تكون إما «نبيلة» أو «شرسة» إما «مسالمة» أو «معادية» إما «ودية» أو «منَفّرة» إن الانثروبولوجيا تَصْنعَ وتثبّت صوراً عن الثقافات والشعوب. فتصير مع مر الزمن جزءاً من مكونات ثقافة الشخص العادي في الغرب، وموطناً مكرراً ومشتركاً يرتاده الفضول إزاء ما هو أجنبي.

لا بد لنا أن نسترجع الفقرة السابقة دائماً، ونحن نتوغل في قراءة أعمال توماس وثيسجر، و كتابة أي رحالة أجنبي أخر، والأول الذي جاء، أو بالأحرى صبغ كتابته بصبغة أنثروبولوجية واثنولوجية، إضافة إلى ما أضفاه من صبغة تبدو وكأنها علمية موضوعية، وهي ليست كذلك بالطبع، فأسلوبه البارد قد يوحي بذلك،

عكس أسلوب ثيسجر الرومانسي، المغرق أحياناً في رومانسيته، ولكنها تبقى رومانسية المستعمر على أية حال. كما ينبغي ألا يغيب عنا وضعهما الوظيفي وهدفهما الغامض من استكشاف المنطقة، في فترة كانت بريطانيا العظمى تعيش كما هو معروف في أوج سيطرتها على المنطقة و أوج عنفوانها الاستعماري.

كما ينبغي أن نتذكر دائماً أن البلاغة في الآخرية، وهي اختزالية على الغالب، وتتضمن دائماً تهديداً لمن تجعله موضوعاً لخطابها، إنما هي أيضاً فن مبنى في العمق على عدم التناظر. كما يشير منذر كيلاني في دراسته القيمة اختراع الآخر في الخطاب الانثروبولوجي، ويضيف ليس هناك تناظر بين وضع تكون فيه رائياً، كحال الأنثروبولوجي ـ الذي مثله توماس خير تمثيل ـ ووضع تكون فيه مرئياً أو ضحية في الحقيقة، وهو حال ساكن البلاد الأصلي. ففي العمل الأنثروبولوجي يكون الاختلاف في أساس الفسحة بين الملاحظ والملحوظ.

نتبين من خلال كتاب( أميركا كما شوهدت وكما حلِمَ بها) كيف أن أجيالاً من المسافرين والرواد ومن المعمّرين والمسّيرين الإداريين والمبشرين، صنعوا الشخص الهندي، أو على وجه التدقيق كيف صنع كل جيل منهم شخصَهُ الهندي المخصوص عليه من دون أن يكون قد أنْصَتَ إليه حقاً، كذلك هو شأن الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر وغيره من الأعمال الفنية والفكرية، فالشرق في هذا الأدب هو كذلك شرق الأحلام.

* الآخر على الهامش

شرق المخيال المقدر له أن يعيد باستمرار إنتاج هيئة الآخر عينها. اختراعات الرومانتيكيين، التي تحدد فضاء مشفراً من القراءة / الكتابة تسكن فيه الآخر. وترسم مساراً دائرياً ـ فتعيد دائماً الكاتب المسافر إلى نقطة انطلاقه وتتخذ في عين صاحبها قيمة تدريبية.

إنها تسمح بالرجوع إلى أصول الثقافة الغربية، وبالاحتفاء بقيم الثقافة الغربية، وتصنع الآخر على هامش التاريخ في الوقت معا. في السفر والأدب أو في السفر والاثنولوجيا، يكون الآخر هو ذلك الشخص الذي كان الحلم أو تخيله سابقين على اكتشافه. إن النظرة التي ألقاها رواد الأدب، -خاصة أدب العجائب- في القرن السادس عشر، أو الرومانتيكيون في القرن التاسع عشر،

أو التي يلقيها حتى اليوم في عصرنا الحاضر الأنثروبولوجيون على «المكان الآخر» تحوي بكل تأكيد طابعاً ثقافيا. يتنزل هذا الطابع ضمن تقليد يكسبه كثافة ومعنى. وعلى هذا النحو لا يكون إدراك الواقع إدراكاً مباشراً قط.فدائماً ما يكون هذا الإدراك بواسطة الصور التي تحملها الثقافة. إن الرحالة أو الاثنولوجي، لا يلقي بنظرة جديدة تماماً على الوقائع التي تمثل أمام أنظاره. إن رؤيته للجديد يقودها دائماً نموذج يكون وجوده سابقاً على وجودها.

لقد دأب الكثير من الرحالة الأجانب الذين زاروا الجزيرة العربية أو مناطق البدو، على تحقير بعض الأشخاص أو وصفهم لبعضهم بالتوحش والبدائية، وبنوا جملة آراء ذات خلفية مسبقة دون تثبت أو روّية، إن أبسط قواعد الرد على هؤلاء، إن هذا الرحالة كان مجرد عابر سبيل، غير قادر على فهم شعب يختلف عنه ديناً وجنساً وتاريخاً وبيئة ونفسية. فهو إذن لم يكن مؤهلاً للحكم على هذا الشعب أو ذاك فالمعرفة هي أساس التقييم.

ولو افترضنا أن بعض ما قاله هؤلاء الرحالة عن البدو أو العرب صحيحاً في بعض الحالات أو بعض الأفراد الذين التقوهم، ففي كل مجتمع بلا شك هناك عناصر طيبة وأخرى خبيثة فلا ينبغي أن يؤخذ الطيب بجريرة الخبيث، بتعميم الحكم، والذي غالباً ما جاء قاسياً على أيدي هؤلاء الرحالة وَظلَمَ كثيراً من الناس، كما فعل توماس مع قبائل الصاعر والشحرة مثلاً وجاء بعده ثيسجر وتابع أثره في الحكم على الصاعر وسنناقش هذه النقطة عند الوصول إليها.

إن تصرف بعض الناس من البسطاء مع هؤلاء الرحالة، وما يُبدوه من بساطة وتواضع، احتراماً للضيف، لا يعني دناءة وخسة و وضاعة وجشع مثلما يفسرها بعض الرحالة، ويأتي الواحد منهم إلى المنطقة وهو ملئ بالحقد عليها وعلى أهلها، فهو يفترض فيهم السلبية والتوحش مسبقاً، ومن دلائل حقدهم أنهم ينظرون إلى هؤلاء الناس البسطاء وكأنهم يجب أن يخدموا غيرهم دون مقابل، حتى إذا ما أخذوا أجرهم لقاء جهدهم هذا، قالوا عنهم أنهم يتملكهم الجشع والطمع.

تُرى لو ذهب هذا الرحالة إلى بريطانيا بلد توماس وثيسجر فهل سيجد من سيساعده دونما أجر؟ ولكنه الشعور بالفوقية المتردية القائمة على غير أساس. إن من أسوأ ما يمكن أن نعثر عليه في كتابات هؤلاء الرحالة الأجانب هو طعنهم وغمزهم من قناة شخص أو قبيلة من القبائل دون تثبت، واعتماداً على ما يكون قد سمعه هذا الرحالة من شخص آخر،

ربما يكون قد التقاه في طريقه، أو رافقه لفترة، دون أن يتأكد هذا الرحالة الذي ثبّتَ تلك المثالب في سرده لرحلته، من صدق نوايا الشخص الذي ربما نقل له هذه المعلومة التي ربما تكون مجرد إشاعة صدرت من شخص حاقد على أبناء تلك القبيلة لسبب من الأسباب، ويبدو أن أمر التثبت من معلومات كهذه أو إشاعات كهذه، لا تهم الرحالة كثيراً، والدليل أن كتاباتهم تزخر عادة بمثل هذه الإشاعات والادعاءات الكاذبة.

يفْصِح الروائي الأمريكي بول بولز Paul Bowles عن نظرته لإنسان الصحراء الذي جاء لاستكشافها، وليمارس شيئاً من مغامرات الغربي المتحضر «الاستشراقي» بل وليستقر ويعيش ويموت وسط هؤلاء القوم الذين يقول عنهم في روايته (السماء الواقية The Sheltering Sky

«كم هم ودودون؟ وجوههم أقنعة. يبدون جميعاً كأن أعمارهم ألف سنة. إن ما يمتلكونه من طاقة ضئيلة ليس سوى الرغبة الجماعية العمياء في الحياة، نظراً لأن أحداً منهم لا يأكل ما يكفي ليعطيه قوته الفردية. ولكن ماذا يظنونني؟ ربما لا شيء. هل سيجدني أحدهم لو حصل لي حادث؟ أم سأظل ممدداً في الشارع إلى أن يجدني البوليس؟ ما هو الدافع الذي يمكن أن يمتلكه أي منهم لمساعدتي؟

هل هم مسلمون أم مسيحيون؟ لا يعرفون. إنهم يعرفون المال، وعندما يحصلون عليه فإن كل ما يريدونه هو أن يأكلوا وفي لحظة انفعال حقيقي جعلت ثيسجر يُظهر ما في جعبته الاستشراقية وفي جملة لم يكررها كثيراً في كتابه (الرمال العربية) يصف حياة البدوي بقوله:

«إن حياة البدو ليست إلا عملية طويلة من الاستجداء الذي لا ينقطع أما الفرنسي المقدم مولر فقد نظر إلى البدو بعين السخط التي تبدي المساؤى، والمساوئ فقط دون غيرها يقول في كتابه ( في بلاد الشام مع البدو Commandant Victor Muller en syrie avec les B?douins 1931, Paris) أن :«البدو إذا تكلموا كذبوا، وإذا تناقشوا وارَبوا، إذا تقاضوا ما حكوا، وعندهم الطمع والجشع وحب السلب والنهب وقسوة القلب وحرمان الرحمة،

وضعف الدين مع الولع بالخرافات. وهم بخلاء إلا إذا وجدوا مأرباً في البذل، وجبناء إلا إذا وجدوا خصماً ضعيفاً. وهم إذا أظهروا شجاعة اندفاعاً للطعان والبراز فما هو في الغالب إلا للبخترة والمباهرة، وان تراءوا أشداء فذلك للزهو وكسب الشهرة لا للإخلاص والتضحية، لأن الإخلاص والتضحية وفكرة الواجب أمور تكاد تكون مجهولة لديهم».

وقد أوّل المقدم مولر حسنات البدو حسب رأيه، كما جاء في كتاب (عشائر الشام) لأحمد وصفي زكريا مترجماً إن كان البدوي قنوعاً وجلوداً فلأنه يعجز عن حمل مؤونته إلى أماكن بعيدة، وان كان راضياً بعيشه، زاهداً بدنياه فلأنه لا يرغب شيئاً يجهله، وإن كان في بعض الأحيان كريماً مضيافاً فلأنه ينتظر أن يقابل بالمثل من ضيفه أو من غير ضيفه أو لأن في ذلك الكرم غرور شخصي، وإن كان نهاباً سلاّباً فلأنه يعد ذلك أسرع واسطة للغنى وأسهلها،

وان كان ذا أنفة وخيلاء فلأنه لم يدخل بعد تحت سلطة ونظام، وإن عطف على أولاده فعلى أمل أن يكون له أعواناً وحماة. ولكن أبناء البدو لا يحملون عطفاً واحتراماً كافيين نحو آبائهم، ومقام النساء عند البدو يأتي بعد المال والحلال إلا ما ندر، وللبنات قيمة أكثر مما لأمهاتهن، لأنهن سيعرضن يوماً ما للبيع، وهم يفرحون لموت الزوجة لأنه سيسبب تبدلاً جديداً في الحياة، ويحزنون لموت البنت لأن فيه خسراناً لمورد لا يعوض».

وجاء وصف البدو في كتاب أعدته مصلحة الاستعلامات في الشرق التابعة للمفوضية العليا الفرنسية بعنوان (العشائر الرحالة والنصف رحالة في دول الشرق التي تحت الانتداب الفرنسي) جاء في هذا الكتاب الخاص الوصف ألطف لهجة من وصف المقدم مولر فهو يصف البدوي بأنه «قنوع وذو صبر وجلد جديرين بالإعجاب.

فغذاؤه القليل الذي لا يتغير جعله رجلاً عصبي المزاج نحيفاً وذا قوة عضلية قليلة في النسبة، وهو يعيش من أول السنة إلى أخرها بحليب نعاجه وعنزاته وبالخبز والبرغل والتمر ولا يرى اللحم إلا إذا زحف نحو مائدة الشيخ عند قدوم الضيوف. وموائد شيوخ القبائل تتألف من المواد الآتية: يقدم الفطور في ساعات مختلفة جداً(بين الساعة 8 - 12) وهو حفنة من التمر والخبز واللبن الرائب، ويقدم العشاء بين الساعة ( 6 - 9) وهو صحن من الرز وخروف وخبز ولبن.

قائمة الطعام هذه تتوالى دونما أي تبديل على مدى السنة كلها. وبخصوص المزايا والأخلاق فالبدوي لا يخلو من نصيب من الذكاء الذي يستعمله غالباً في الخداع، وهو لا بد له بادئ ذي بدء إذا سألته شيئاً أن يكذب ويراوغ قبل أن يعلم القصد من الأسئلة الموجهة إليه. ثم هو قليل التعلق بالدين يؤدي صلاته على هون وحينما يروق له ذلك، لكنه ورع جداً في صوم رمضان. ويصبح قليل الفتك وغير سفاك للدم.

وهو إن كانت حرفته الأولى السلب والنهب إلا انه يجتنب القتل وأساس مزاياه الطمع، فهو لا يعرف هوادة. خلافاً لما يروى عنه كحقيقة ثابتة فالبدوي ذو معلومات وذو استقامة. أما كرمه ووفاؤه فهما في ذروة الشهرة التي نالها. وقيمة البدوي العسكرية نسبية. فهو لا يرغب أن يحارب في خارج البادية التي لا يعرف سواها. وهو حتى في أرضه إذا بدأ بمشروع حربي - كالغزو مثلاً - ينبغي لنجاح ذلك المشروع أن يحصل على نتيجته بسرعة وفوراً.

أما إذا شاهد أمامه دفاعاً قوياً ومقاومة مستمرة لا يلبث أن يترك المشروع ويهمله ولا يعود إليه بعد، والبدوي غير جدير بحرب المشاة ولا بالكمون واتخاذ الموضع مهما كان موضعه قوياً. ومن ثم كانت قيمة البدو العسكرية محدودة جداً لا ينفعون إلا في مطاردة عدو منهزم وملاحقته وإزعاجه كما كانوا يعملون في أواخر الحرب العامة الماضية وراء الجيش التركي الرابع.

عمار السنجري