في حي رأس التين بالإسكندرية عام 1852 ولد الشيخ سلامة حجازي رائد المسرح الغنائي في مصر في بدايات القرن العشرين، كانت الإسكندرية والمجتمع السكندري في القرن التاسع عشر موئلاً لهجرات المصريين والنخبة المصرية من الفنانين وغيرهم كما كانت مهبط العديد من المثقفين العرب الذين لجأوا إلى مصر هربا من بطش الدولة العثمانية.. وأنشأوا مشاريعهم الفنية الخاصة.. ففي الإسكندرية تأسست صحيفة الأهرام في عام1875 وأسسها سليم وبشارة تقلا قبل انتقالها إلى القاهرة بعد ذلك.

ومثلما ذاعت شهرة الشيخ سلامة حجازي في الإسكندرية اشتهر أيضا من بعده الشيخ سيد درويش. كان مجتمع الإسكندرية يختلف عنه في القاهرة فالمدينة أشهر موانئ مصر على البحر الأبيض المتوسط والرئة التي تنفس بواسطتها المصريون للاتصال بالعالم الخارجي في زمن لم يكن العالم يعرف فيه وسيلة ترحال وتنقل وسفر غير ركوب البحر والبواخر وفيها اختلطت الأعراف والأجناس وتمازجت كل الألوان والعادات والتقاليد التي تشكل شخصية كل شعب فقد عاش فيها اليونانيون والأتراك والإيطاليون والمالطيون إلى جانب السكندريين.

ومثل مئات الناس القادمين إلى الإسكندرية من مختلف أنحاء مصر جاء إليها إبراهيم حجازي - أبو الشيخ سلامة - قادما من مدينة رشيد وكان يحلم بركوب البحر مثل باقي الشباب في ذلك الوقت الذين عاشوا في الإسكندرية. استقر في رأس التين وأصبح بحارا مرموقا وتزوج من سيدة إعرابية من مدينة السلوم الحدودية مع ليبيا وأنجبت له ابنا وحيدا أسماه «سلامة« تيمنا باسم أحد شيوخ الطرق الصوفية المعروفة في ذلك الوقت وهو الشيخ سلامة الراسي.

وفي ليلة «أسبوع» سلامة حجازي شهد حي رأس التين كرنفالا لمريدي وعشاق الشيخ سلامة الراسي وأتباع طريقته الصوفية وهم يحملون راياتهم وأعلامهم وينشدون قصائد المديح النبوي وأناشيد الصوفية وتفتحت أذان الطفل الوليد سلامة حجازي على تلك الترانيم الصوفية وقصائد المديح.

ولم تمض ثلاث سنوات حتى مات الأب البحار ابراهيم حجازي وأصبح الطفل الصغير سلامة وحيدا يتيما فكفله الشيخ سلامة الراسي وبسط عليه جناحه واعتبره ابنا.. وفي هذا الجو الغني بالروحانية والزهد والتصوف وبين مئات من أتباع الشيخ الراسي تربى ونشأ سلامة الطفل واعتبر الشيخ الراسي الأب الروحي له، وكان التعليم الذي تلقاه الطفل سلامة حجازي بالطبع تعليما دينيا خالصا فقد بدأ في كتاب ملحق بزاوية الشيخ سلامة الراسي التي كانت تمارس فيها حلقات الذكر ويلتقي فيها أتباعه ومريديه ،

ثم التحق بأحد المعاهد الدينية ليكمل تعليمه.. فحفظ القرآن وجوّده ، بأساليب القراءات المتعددة وفي مرحلة الشباب بدأ يخالط رواد زاوية الشيخ الراسي من الصوفيين ويشاركهم الإنشاد ، والتصق أكثر بأبيه الروحي حتى أصبح راويته ومنشده ومحدثه إلى أن مات الرجل.

وكان من الطبيعي أن يخلفه الشاب سلامة حجازي في خلافة الطريقة الراسية الصوفية.. ارتدى الشيخ سلامة حجازي الجبة والقفطان والعمامة وأصبح شيخا للطريقة الراسية وذاع صيته كمقريء للقرآن الكريم ، وكان من الطبيعي أيضا أن يتحول إلى الإنشاد الديني

ولكنه فضل دراسة أصول الإنشاد على أيدي اساتذته من أشهر المنشدين في تلك الفترة مثل الشيخ الحريري والشيخ أحمد المعايرجي والشيخ خليل محرم وقد كان من أبرز نصائحهم له أن ينشد فقط من طبقة «القرار» وأن يحرص على أن يخرج إلى شاطئ البحر في الفجر لكي يملأ صدره بهواء البحر لكي يزداد صوته نقاوة وحلاوة.

* شهرة واسعة

وعلا صيت الشيخ سلامة حجازي في الإنشاد واستمر ينشد القصائد والمدائح الدينية وأشعار الصوفيين ويؤذن الأذان بأحلى صوت بصفة مستمرة من فوق مئذنتي جامع الأباصيري وأبوالعباس المرسي بالإسكندرية.. وتجاوز صيته الإسكندرية إلى المناطق المجاورة لها من الوجه البحري وعلى الرغم من أنه أصبح من أشهر المنشدين في تلك الفترة وتفوق على أساتذته ،

إلا أنه عندما قرر أن يكمل نصف دينه بالزواج ترك الإنشاد واتجه إلى الغناء مع التخت لكي يصبح نجما للحفلات والأفراح والموالد ومناسبات الأسر العريقة الثرية لا في الإسكندرية وحدها بل في الوجه البحري كله بمدنه وقراه. وعندما ضرب الإنجليز الإسكندرية بالمدافع من أسطولهم الذي حاصرها عام 1881 اصطحب أسرته إلى رشيد ليبقى فيها إلى أن انتقلت من الإسكندرية ورشيد إلى منطقة القناة وبعد عام واحد عاد بالأسرة من رشيد إلى الإسكندرية.

وفي عام 1884 كان الشيخ سلامة حجازي قد قضى حوالي ثماني سنوات يغني في الأفراح ويحيي مع التخت الحفلات في الأعياد والمواسم. وحدث أن جاء يوسف خياط وفرقته التمثيلية إلى الإسكندرية لكي تعرض الفرقة بعض مسرحياتها ونصح بعضهم صاحب الفرقة أن يسعى للاتفاق مع الشيخ سلامة حجازي

لكي يظهر كمطرب مع فرقته حتى يضمن أن تقبل الجماهير على الفرقة وذهب يوسف خياط لمقابلة الشيخ سلامة في محاولة لضمه إلى فرقته لكنه فوجئ برفضه وقال له: إن «التشخيص» الذي تقومون به على المسرح مكروه عند الأئمة ورجال الدين وتحرم عليّ نشأتي الدينية قبول المشاركة في فرقتكم والتحول إلى «مشخصاتي».

فرد عليه يوسف خياط بقوله:

يا شيخ سلامة نحن نمثل أمام الملوك والأمراء والباشوات ولم يقل أحد من قبل أن التمثيل حرام ، نحن نقدم فنا راقيا ولا يقل عما تقدمه أنت مع التخت من إنشاد أو غناء.

ويهز الشيخ سلامة حجازي نفيا ويقول في إصرار:

لا تنسى أنني شيخ الطريقة الراسية وكنت مقرئا ومؤذنا ولا يمكن أن أنزل إلى مستوى «المشخصاتية».

ويصر يوسف خياط على طلبه ويقول للشيخ سلامة:

يا شيخ سلامة أنت تغني في الأفراح وفي الموالد ولا تجد في هذا عيبا وصدقني إن الغناء على المسرح أرقى وأفضل من هذا.

وأمام إلحاح يوسف خياط وإصراره قبل الشيخ سلامة حجازي أن يجرب الظهور مع الفرقة على المسرح لكنه اشترط ألا يشترك في «التشخيص« وأن يقدم أغانيه فقط بين فصول المسرحية التي تقدمها الفرقة وبطريقة تجعل ظهوره منفصلا تماما عن الفرقة..

ونجح سلامة حجازي على المسرح وأطربه الأثر الذي تركه في نفوس الناس وهم يهتزون طربا عندما غنى لهم أغنيته المشهورة «سمحت بإرسال الدموع محاجري». وفي إحدى الليالي جاء إلى المسرح عبده الحامولي وكان في زيارة إلى الإسكندرية وقد كان عبده الحامولي أمير الطرب في عصره وكان المطرب الخاص للخديوي اسماعيل وبلاطه وكان حبه للمطربة «ألمظ» وزواجه منها حديث الناس.

وقد سمع الشيخ سلامة حجازي في أغانيه التي قدمها على المسرح بين فصول المسرحية وأطربه غناؤه ، فاستعاده المرة بعد المرة ، وذهب يقابله في كواليس المسرح ويبدي إعجابه بصوته وبأغانيه وأدائه ومنذ تلك المقابلة أصبحا صديقين. وعندما سأل الشيخ سلامة حجازي الحامولي عن رأيه فيما قدمته الفرقة أخبره أن المسرح و«التشخيص« فن جميل خاصة إذا امتزج فيه التمثيل بالغناء كما يحدث في الأوبرا والروايات الغنائية التي تقدمها الفرق القادمة من الخارج في دار الأوبرا.

كان لحديث عبده الحامولي آثر كبير في نفس الشيخ سلامة حجازي خاصة وقد أصبحا صديقين ، ولم يتردد الشيخ سلامة في قبول عرض سليمان القرداحي بالظهور مع فرقته المسرحية التي جاءت تعمل على مسارح الإسكندرية وكانت فرقة القرداحي تقدم مسرحية اسمها «السر المكنون»

وفي حفل افتتاحها قدم الشيخ سلامة حجازي أغانيه بين فصولها لكن ما إن أسدل الستار على المسرحية حتى بحث سليمان القرداحي عن الشيخ سلامة فلم يجده لكنه لم ييأس وظل يطارده حتى تمكن من إقناعه بالانضمام إلى فرقته كمطرب وممثل في الوقت نفسه وكانت تلك هي البداية للمسرح الغنائي المصري.

كانت دار الأوبرا المصرية حديثة عهد بالإنشاء منذ افتتحها الخديوي إسماعيل في أسبوع الاحتفالات بافتتاح قناة السويس لا تعمل على مسرحها غير الفرق الأجنبية التي تجيء من أوروبا لتحيي المواسم الأوبرالية والغنائية والتمثيلية أحيانا وبذلت محاولات عديدة من الفرق المسرحية لكي تحتل موسما من مواسم دار الأوبرا وكانت هذه المحاولات تقابل دائما بالمقاومة والرفض في أغلب الأحوال

ولكن حدث وأن نجح سليمان القرداحي في ضم الشيخ سلامة حجازي إلى فرقته ليغني ويمثل ويقوم بأدوار البطولة في المسرحيات التي تقدمها الفرقة. ويجمع المؤرخون لنشأة للمسرح المصري على أن ظهور الشيخ سلامة حجازي مطربا وممثلا وبطلا لفرقة القرداحي كان هو البداية الأولى للمسرح الغنائي المصري الذي قام على شهرة الشيخ سلامة كمطرب أصبحت له شهرته إلى جانب عبده الحامولي وألمظ ومشاهير الطرب.

عادل السنهوري