أنا عبدالجبار بن محمد بن ماجد الماجد، ولدت في دبي، وتعلمت في المدرسة الاحمدية بداية، ثم رحلت مع والدي وأخوتي إلى مكة المكرمة، ودرست في «الصولتية» أول مدرسة في مكة، وهي قائمة حتى الآن، وكان زارها الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، وسماها «أزهر بلادي».
هكذا بدأ عبدالجبار الماجد، المدير العام السابق لدائرة الاوقاف والشؤون الاسلامية في دبي، حديثه عن مشوار حياته، وهو يحرص على التحدث باللغة العربية الفصحى، يقول: لم أكمل دراسة «الصولتية» إلا أني حفظت فيها القرآن وبعض المبادئ، ثم عدت مع والدي وكان ـ رحمه الله ـ يعنى بالعلم، وكان السبب في تعلم الشيخ محمد نور بن سيف بن هلال في مكة، لأنه خاله، أي أن والدي شقيق والدة الشيخ محمد نور.
ويذكر: حينما رجعنا إلى دبي، رجعت إلى الاحمدية تلميذاً ومعلماً، واستمر الحال على هذا المنوال حتى ذهبنا مع الشيخ محمد نور، وعمر الماجد، وأحمد بن ظبوي إلى مكة حيث اشتغلنا في مهنة التعليم، وعجب الناس هناك، كيف يأتي مدرسون من دبي إلى مكة، ليعلموا؟! فحمدنا الله على أننا نلنا قسطاً لا بأس به من التعليم.
ويمضي مسترسلاً: كنت معلماً في مدرسة الفلاح مع الاخ أحمد بن ظبوي، أما عمر الماجد فاشتغل معلماً في مدرسة الرحمانية التي انشئت فيما بعد، دخل الملك فهد رحمه الله أيام كان وزيرا للتعليم فالتقى بالشيخ أحمد بن ظبوي، وعمر الماجد، وعبدالجبار الماجد، وأثنى عليهم لادائهم المتميز، وهذا ما حكاه بعض الاخوة في لقاءات بالامارات.
أما أنا فقد كنت أتعاطى الشعر، وكنا في الدورة الصيفية التي تجمع المدرسين ليستفيدوا ويزدادوا علما يعلمون أني أتعاطى الشعر، وقد كان الملك فهد وزيراً للتربية والتعليم، وكان سعود بن عبدالعزيز في ذلك الوقت هو الحاكم، وتقدمت وزارة الدفاع بقيادة فهد بن سعود في تلك الايام، بدعوتنا إلى حفل تكريمي وكنا بقيادة فهد بن عبدالعزيز الملك، فطلبوا مني أن ألقي في هذا الحفل قصيدة، فكتبت يومها أبياتاً من الشعر، أتذكر منها:
في موكب الفخر يبدو السيف والقلم
والكل في فلك الفهدين منتظم
هذا يريد أسوداً للحمى لبها
تردي الغزاة وللأهوال تقتحم
وذاك يطلب صناعاً ومخترعاً
بعلمه يصنع الصاروخ والحمم
زرنا فخاراً ونال العلم تكرمة
من نخبة مصطفاة ضمها العلم
يا فارس البيد إنا تحت إمرتكم
ويوم يدعو الندا بالخصم نلتحم
ويذكر أن الانسان في يومه اذا كان متابعا لحوادث الزمان، يستفيد من التجارب، «من تردد في شيء اعطي حكمة»، والحقيقة تقال: إن الحكومة السعودية لم تقصر في تدريب المعلمين والارتقاء بمستوياتهم جميعا، بل جعلت لهم في العطل الصيفية دروسا خاصة بهم، منها علم النفس، واصول التدريس الحديثة،
وتزودنا من الكثير من التجارب، كما استفدنا كذلك من العلماء المنتشرين في الحرم المكي، والذين كانوا يدرسون جميع العلوم من تفسير، ولغة عربية، وأحاديث، وما يحتاجه طالب العلم في ذلك الوقت، حتى يمكنني القول إننا تميزنا في بعض الاحيان عن كثير من المعلمين.
ويمضي قائلا: لقد استفدنا وأفدنا، فكثير من طلابنا الذين هم في المملكة العربية السعودية، يتذكرون تلك الايام الجميلة التي قضيناها معهم هناك، تماما كما استطعنا هنا في بلدنا - ولله الحمد - بفضل مؤازرة الحكام الذين لم يقصروا في أداء ما عليهم بل زادوا، وفتحوا لنا المجال لكي نقوم بخدمة هذا البلد الذي خدموه هم، وقدموا له كل ما يستطيعون، فجزى الله الجميع كل خير.
* تأسيس دائرة الاوقاف
ويواصل الماجد حديثه قائلاً: لقد استمر بنا الحال ما يقرب من 20 عاماً أو أكثر بقليل نزاول مهنة التدريس في مدرسة الفلاح، ثم وبدعوة كريمة من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عدت إلى دبي ولم يكن اتحاد دولة الامارات في ذلك الحين قد قام، فعرض عليّ الشيخ راشد، بعد تشريفي بهذا العرض الكريم، من ذلك الرجل العظيم، أن أؤسس دائرة للاوقاف، فأسست تلك الدائرة.
ويكمل: كان المرحوم الشيخ راشد معلماً، حكيماً، حليماً، موجهاً، والذي استفدنا منه، كأنما درسناه في جامعات. لقد أثبت لنا ذلك الرجل العظيم انه باستطاعة الانسان ان يفعل المعجزات إذا أخلص وصدق. لذا حينما اختارني لتأسيس دائرة الاوقاف، اختار لي غرفة في دائرة الاراضي، وبدأت فيها لوحدي،
ومما يشرفني وهذا الكلام نطق به في مجالسه المتعددة، أنه قال: لقد أسسنا دوائر كثيرة، وجاءت الشكاوي من كل مكان، ولكني لا أعرف ماذا فعل هذا الرجل عبدالجبار الماجد، لاننا لم نسمع لأية شكوى عليه من أي أحد، وذلك بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
ويمضي قائلاً: بتوجيه منه «رحمه الله» العارف الحاكم الحليم الذي كان مثلاً أعلى لكل الذين عملوا تحت يديه، كانت مرحلة التأسيس هينة سهلة استجاب الجميع إلى ذلك التأسيس لأننا قمنا به خطوة خطوة، وكانت المهمة في غاية السهولة، ولم تكن الأوقاف وحسب بل اضيفت إليها الشؤون الاجتماعية، ونتج عن ذلك بناء بيوت، وتضمن المرسوم تعيين أناس يعرفون سكان البلد صاحب الحاجة والغني، فميزوهم، وأعطوهم، وكرموهم، واصبحوا في عداد الاغنياء.
ومن غرفة في دائرة الاراضي انتقلنا إلى المدرسة الاحمدية القديمة، وكانت المدرسة التي أصبحت الآن متحفا خاوية قديمة، فحولنا المدرسة إلى دائرة، ولم نكلف الدولة أية أجرة، واستمرت الاوقاف وفي آخر أيامي كانت ميزانيتها 10 ملايين درهم سنويا حينما اتسعت وأصبحت تصدر مجلة «الضياء»،
وأصبحت فيها وفود للحج كل سنة ومصاريف اكثر.لم تصادفنا أية صعوبة اطلاقا في ادارة فريق العمل، كأنما هو تيسير من الله لأن الدائرة بنيت على أساس ديني وحق لا اعوجاج فيه، ونعوذ بالله من ان نقول نحن سبب التوفيق، انا أقول التوفيق من عند الله سبحانه وتعالى.
إن لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجني عليه اجتهاده
فالعون من الله والعون أيضا من المرحوم الشيخ راشد القمة في الاداء والعدالة وكل ما يراه الانسان يسير بهذه البلد إلى الخير والسعادة، وها هم أبناؤه يسيرون سيره. واستمر العمل في دائرة الاوقاف فترة طويلة، وفي تلك الاثناء كان الشيخ راشد بن سعيد ـ رحمه الله ـ يخرج الزكاة للفقراء قبل قيام الاتحاد، فعرضت عليه موضوعا يشبه دائرة الشؤون الاجتماعية لحرصه على نفع الوطن والمواطن، وكرامة المواطن، فأسس دائرة الشؤون الاجتماعية ولدي مرسوم بذلك،
واضافها إلى دائرة الشؤون الاسلامية، وبنى بيوتا من 6 شقق خصص ريعها لإعانة الاسر الفقيرة، وأصبحت تدر مبالغ حولت أولئك الناس الذين كانوا في حالة من الحاجة إلى أغنياء، إلى أن تقاعدت من العمل في دائرة الاوقاف لاني خدمت أكثر من 35 سنة بين التدريس والادارة والعمل هنا وهناك.
وكنا في بداية تحرك الجميع لاقامة الدولة، وقبلها أقمنا المجمع الثقافي الاجتماعي، بقيادة مجموعة من رجالات العلم والادب، منهم من أصبح وزيراً، وانتخبت أنا رئيسا لهذا المجمع، وكانت هناك مجلة المجمع الثقافي التي استمرت فترة، واتذكر ان هؤلاء الرجال ذهبوا إلى المغفور له الشيخ زايد خلال زيارته منطقة الخوانيج،
فقال: «لو أنني بذلت الجهد الكبير لكي أجتمع بكم، لما تحقق لي، ولكني فرح بلقائكم».تعبيرا عن اعجابه (رحمه الله) وفرحه بالنخبة التي قابلته، والتي تدعو إلى ما يدعو إليه الشيخ زايد ونائبه الشيخ راشد. ثم رشحت بعد ذلك عضوا في المجلس الوطني، ومكثت فيه أيضا فترة لا بأس بها.
* مع الشيخ راشد
وحول مواقفه مع الشيخ راشد، يقول عبدالجبار الماجد: الشيخ راشد ينظر بنور الله، ولا نقول هذا الكلام جزافا، ولكن كم من الناس ومنهم أنا نريد شيئا فيستبقنا الشيخ راشد إلى ذلك، ويحققه، وكم هم الذين حدثوني بأنهم يقصدون الشيخ راشد لشيء معين فيبادرهم قبل ان يتكلموا بتحقيقه لهم،
وهذا لا شك أن يكون إذا ما صدقت النوايا، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «القلوب جنود مجندة ما تعارف منها أئتلف وما تناكر منها اختلف»، وهذه ليست أمور وليدة الساعة، بل كان السلف الصالح ينظر بنور الله، فتتحقق آمال كثيرة دون ان يبادر بطلبها، ولذلك كانت الأمور ميسرة.
