بلغته الشاعرية وأسلوبه الغريب، يقوم جان كوكتو بتدوين تفاصيل زيارة قام بها إلى مصر في العام 1936، وذلك ضمن إطار نص كتبه على شكل رهان بينه وبين صحيفة «باري سوار» فحواه محاكاة كتاب جول فيرن «حول العالم في ثمانين يوماً».

كانت زيارة مصر ضمن إطار تلك الرحلة، ولقد ترك عنها كوكتو، الشاعر والسينمائي والناقد، هذا النص الغريب، الذي هو بالطبع جزء من نص أطول يروي فيه فريدا من المشاهدات ولا سيما في ليل القاهرة الذي فتنه من ناحية وأحزنه من ناحية أخرى.

كان العشاء مصرياً، بدا فيه السمسم كعشب يفتح الشهية ويعطر اللحم. لكننا لم نشرب سوى الماء، وهو أمر كان ضرورياً لكي تبقى رؤوسنا واعية طليقة لاحقا في تلك الليلة حين نزور الشوارع الصاخبة... شوارع الهوى. بعد العشاء، إذا، زرنا شارع اناستاسيا الذي كان قد تغير، وصار اسمه «كوم بكير». في كوم بكير هذا كانت السماء الليلة تغطي بظلمتها تلك الأزقة التي بدت لنا بلا نهاية، وهي أزقة مليئة بكل أصناف الأكواخ والمقاهي.

هنا بين زاوية وأخرى تلوح أمامك أكواخ ملأى أناسا منغمسين في ألعاب ريفية احتفالية، ثم هناك المقاهي التي تنير الأزقة التي تصل بدورها بين تلك المنطقة الصاخبة والأحياء النعسة النائمة. وبعض هذه المقاهي كانت له سمعة سوداء، حيث قيل لنا أن أدلاء سياحة مزيفين كانوا يأتون إلى هنا مع زبائنهم الأميركيين فيقتلونهم ويختفون.

أما المقهى الذي ألقينا أجسامنا فيه ونحن هالكون من التعب، بعد تجوال قادنا إلى مختلف أزقة ذلك الحي، عابرين خلاله المتاهات واحدة بعد الأخرى، فكان يفضي من جهته الخلفية إلى فناء ما اسبغ علينا الاطمئنان إذ تأكدنا أننا لسنا هنا في واحد من تلك المقاهي «المخصصة» للأميركيين، ولكن... يا للمقهى الغريب!

إن المرء بحاجة حقيقية لأن يقوم بجولة حول العالم حين يتأكد من أن مثل المكان الغريب يمكن أن يكون موجودا حقا. واليوم مجرد وصفه يشعرني بالتعب. فالكونتوار والكراسي والطاولات ثم العجوزان اللذان يدخنان غليونا طويلاً له شكل ناي موسيقي، والمرأة العجوز الأخرى التي يبدو واضحا انتماؤها إلى واحد من الأكواخ الليلية، والصبي الصغير الذي يأكله الجرب فلا يكف عن حك جسمه بحركات عنيفة يبدو معها وكأنه يرقص رقصة الموت والجنون، كل هذا المشهد يهيمن على مقهى هو في حقيقته أشبه بحديقة فوضى قذرة.

المكان هو، في نهاية الأمر، غرفة مظلمة حقيقية، لكنها مزروعة بأشجار حقيقية، وتنبت فيها حشائش حقيقية.. لكنها تبدو أكثر اغبرارا من أي كازينو ريفي. أما أرض الغرفة فمن تربة مكبوسة تنشر فوقها صناديق فارغة، وآية السقاية وآلات النكش المهترئة. نرى هل جرى وضع مقهى بشكل اعتباطي داخل حديقة، أم أن حديقة زرعت بأكملها في قلب مقهى؟

لست أدري... فالتعب والنعاس كانا متمكنين مني إلى درجة أنني نسيت تماما الانتباه إلى أية تفاصيل من هذا النوع. فقط تنبهت إلى أن بعض لعب الأطفال وأدوات بطل استعمالها منذ زمن بعيد، وأسهم غامضة وتابوت حقيقي، تنتشر من حولنا مغطاة بأكوام من الغبار... لكنها جميعا تساعدنا حقا على فهم طبيعة هذا المكان.

وفي نهاية الأمر هربنا.. هربنا خشية أن نعج بسرعة جزءا من الأشياء المتنافرة التي تنتشر من حولنا،ولكيلا لا يحدث لنا أن ننام فجأة ثم نستيقظ فنجد أننا قد تحولنا إلى أشجار أو كراسي... أو نجد أن غبار الأزمنة قد غطانا من أعلى إلى أسفل.غير أن المفاجأة السعيدة كانت أننا اكتشفنا أنه ما أن ينتهي المرء من زيارة «كوم بكير»، حتى يجد نفسه في مكان ذي مظهر جزل سعيد.. وفيه تبدو الأكواخ مريحة والنساء أقرب إلى الجمال (...)

على الخارطة تبدو مصر وكأن لها شكل شاهدة. وأنا شخصيا كنت قد دهشت قبل خمس سنوات حين قرأت مقالا يروي فيه ضابط طيار حكاية غارة جوية قام بها فوق مصر، ثم يتساءل في نهاية مقاله عما إذا لم يكن أبو الهول والأهرامات والمسلات والدلتا نفسها، كلمات هيروغليفية رسمت فوق الخارطة المصرية لتشكل رسالة ما موجهة إلى الأعالي؟!

ترى.. هل كان المصريون القدامى يطيرون؟ هل تنبأوا بالطيران؟ هل مارسوه؟ أم تراهم كانوا يوجهون رسائلهم تلك إلى الطيور التي كانوا يبجلونها؟ الحقيقة أن هذه الصخرة المسطحة المغطاة بدالات وإشارات من الصعب أن يكون لها معنى إلا إذا نظرت إليها من أعلى، لو فعلنا سنلاحظ أن من شأنها أن تفسر منظومة معينة لا بد أنها تحيرنا كثيراً إن اكتفينا بالنظر إليها من أسفل.

إذاً هيا نقترب ولنلق على مصر تلك النظرة الأولى المجردة (...) لو فعلا سوف تبدو لنا القاهرة، في المقام الأول، مدينة شديدة الاهتمام بالموت. منذ نصلها ندرك أن صناعة الموت صناعة أساسية في مصر، وفي القاهرة تحديدا... حيث أن الاهتمام بالقبور، في المقام الأول، يهيمن على الحياة المصرية هيمنة شبه كاملة. إن نعاس الكناسين في الشوارع هنا يشبه الموت. والغبار العالق الذي يعطي رائحة الموت والعنف يكاد يغطي كل شيء بطبقة رمادية شاحبة.

وطيران العصافير الرخو، هذا الطيران المتحلق من حول تلك الأجساد التي تشبه جثثا مزيفة وتقوم به صقور وبازات وغربان، تلك الطيور التي تملأ فضاء الشوارع وتواصل حطها على أطراف الكورنيش، شيء يشبه الموت... الموت الذي يغلف فضاء المدينة ونهرها.

ومما لا شك فيه أن التماسيح النيلية تحب هذا النهر كثيرا، وكذلك الذباب والعقارب والأفاعي وبنات آوى. والملفت أن المصريين القدامى قد عبروا عن تبجيلهم لكل هذه الحيوانات.. ما يمكن ربطه بميل المصريين القدامى هؤلاء إلى المومياءات والتحنيط (...).

لكن هذا ليس كل شيء في ليل القاهرة.. فهناك في مصر مكامن جمال رائعة...غير أن ما يرويه لنا الرحالة الذين سبقونا (يمكن أنهم رووه لنا... لكن علينا أن نلجأ دائما إلى خبرتنا الخاصة لاكتشافه) إنما هو الطريقة التي بها يقدم الجمال نفسه.. والمكانة الصحيحة التي يشغلها في مصر. الرحالة يفصلون الجمال عما عداه، ويرصدونه كما لو أنه يدور حول محور ولا يدور من حوله شيء. ولهذا السبب لم يمكنني أبداً أن أفهم مرافقي عبدول وهو يحدثني، ذات لحظة عن ظهر أبو الهول علينا.

فكيف، يا ترى، قيض له أن يراه؟ لاحقا حين كنت فوق هامة جملي شعرت على أية حال أنني سيد الرمال. ولحظت فجأة أن القمر يطيل، بعذوبة، وفي اتجاه اليسار، إحدى خدود الهرم الأكبر الملساء، ثم بعيدا إلى اليمين، فوق القشرة التي تغطي هامة الهرم الثاني، ها هو القمر يتلاعب بالأبعاد والمقاييس بحيث تبدو قمة الهرم مقلوبة.

ثمة تحت أقدامنا مساحة مليئة بالأطلال والكثبان.. أما الجمل فإنه يسير متماشيا منحنيا في الطريق. وأتنبه فجأة إلى أن أبو الهول الذي حدثني عنه عبدول. أفعل ذلك وأنا أحاول أن أميز بين هوة وحفرة، وبين منخفض رمل تدور من حوله مطياتنا.. وفي نهايته يظهر لنا ما يشبه مركبا.

فجأة كما يحدث مع رسم تكتشف فيه العين فجأة شكلا ما، أفهم، ولا يعود في وسعي ألا أفهم: إن صورة المركب تدور في بطء، وتدير معها شكلها الجانبي.. ومن خلال ذلك، يظهر رأس أبو الهول فتتلوه البقية: الجسم، الذنب الملفوف، القوائم الخلفية، فالقوائم الأمامية الطويلة المستطيلة التي يفصل ما بينها دهليز من المرمر يزين المدخل، وفي آخره أشكال وزين مختلفة.

وتتوقف الجمال بلا سبب كما يبدو، تصطدم ببعضها البعض. أقفز ثم أركض، لكن جدارا ما يوقفني سادا طريقي، إنه جدار الحفرة التي يرقد فيها أبو الهول منذ اكتشاف قوائمه. وهو كان يخبئ تلك القوائم في الرمل منذ دهور. وأبو الهول لا يبدو لي هنا والآن نفرا، ولا يبدو أن من المجدي طرح أي سؤال عليه.

إنه جواب «أنا هنا»، يقول، «أنا هنا أحرس القبور الممتلئة وأحرس القبور الخالية.. لا يهم. إرادة الجمال، نار العبقرة، فينيق الآدمي، كلها أشياء تنهض دائما من رمادها، بل هي تنهل من الفناء قواها الجديدة.. إننا بعض منارات في طول العالم وعرضه، غايتنا جمع النفوس الشريدة وإجبارها على الحج والتمهل، رغم كل المعتقدات الميتة، رغم السرعة وسرعة العصر».