للمرة الأولى منذ حوالي عشر سنوات يفقد الفانوس الصيني بريقه في الأسواق المصرية خلال موسم رمضان. فرغم ازدحام السوق بالملايين من هذه الفوانيس إلا أن الغالبية العظمى منها جاءت نسخة مكررة من الأشكال التي طرحت في الأعوام الماضية مثل «شعبولا» و«بكار» و«المسحراتي» و«الشبح» و«القدس» و«البطيخة».
أما الجديد في شارع الموسكي معقل تجارة الفانوس الصيني في مصر فقد تحدد في أربعة أشكال فقط هي «الفرخة» و«القطة» و«الدب بو» وميكي ماوس راكب عجلة وهي كما يقول أسامة خطاب أحد أهم مستوردي الفوانيس الصينية محاولة للتجديد بعد أن طرحنا في الأعوام الماضية عشرات الأشكال والأنواع، ويضيف أن الاتجاه هذا العام نحو أغاني رمضان فقط واستبعاد الأغاني الحديثة لعمرو دياب ونانسي عجرم وغيرهما بعد أن ثبت أن الناس تفضل سماع أغاني رمضان تنطلق من الفوانيس،
ويشير خطاب الى أن إدخال أشكال «الفرخة» و«القطة» و«الدب بو» نوع من تحديث الشكل بعد أن حقق «الأرنب روجرز» العام الماضي مبيعات كبيرة، ويؤكد خطاب أن تجار ومستوردي الفوانيس اعتادوا طرح أشكال جديدة بالإتفاق مع المصانع الصينية لجذب الزبائن مع استمرار طرح الأشكال القديمة التي حققت مبيعات الأعوام الماضية، وقد تم الإتفاق هذا العام على طرح الفانوس «الفرخة»
وهي من الطيور المحببة للأطفال وتمسك في يدها «الفانوس» وينطلق منها صوت «رمضان جانا» بصوت المطرب الراحل عبدالمطلب، والفانوس القطة والدب بو وكلاهما يمسكان بالفوانيس، الشكل الرابع والأخير كان لميكي ماوس وهو من الشخصيات الكرتونية المحببة للأطفال ولكننا طورنا شكله وجعلناه يركب عجلة وأمامه فانوس داخله بانوراما مضيئة لأشهر المساجد الإسلامية.
أما محمد حسن وهو من أكبر موزعي الفوانيس بالموسكي فيؤكد أن 90% من حجم الفوانيس الصينية الموجودة بالأسواق المصرية تخرج من شارع الموسكي الذي يضم أكبر المستوردين، ويشير الى أن حجم الاستيراد هذا العام تراجع الى حد كبير نظراً لاقتراب موسم بدء الدراسة من شهر رمضان وهو ما اضطر عدداً كبيراً من التجار لتقليص الكميات المستوردة الى النصف تقريباً بالإضافة لوجود مخزون كبير من العام الماضي لابد من تصريفه،
وعن الأسعار قال محمد حسن إن الفوانيس الأربعة الجديدة كانت تباع أول شعبان بسعر 180 جنيهاً للدستة ارتفعت خلال النصف الثاني منه الى 300 جنيه ومتوقع أن تصل أول رمضان الى 360 جنيها للدستة وهو ما يعني أن الفانوس الذي كان يباع أول شعبان بخمسة عشر جنيها يمكن أن يصل الى ثلاثين جنيها،
أما الفوانيس القديمة مثل «علاء الدين» و«سابق ولاحق» و«الأرنب» و«الشبح» فإن سعرها يتراوح ما بين 15 و20 جنيها نظراً لأنها مازالت متميزة وعليها إقبال أما المسحراتي وشعبولا والقدس وبكار والبطيخة فأسعارها تتراوح ما بين 10 و15 جنيها بخلاف الفوانيس الأصغر حجما والتي تباع بسبعة جنيهات ونصف، والفوانيس الميدالية التي تباع ما بين جنيه وجنيه ونصف.
على جانب آخر استعاد الفانوس المصري التقليدي «أبوشمعة» مكانته الى حد كبير واستردت ورش التصنيع اليدوية بمنطقة «تحت الربع« عافيتها وبدأت في طرح كميات كبيرة من هذه الفوانيس المعروفة في وجدان المصريين منذ زمن بأسماء رنانة مثل الفانوس «أبو ولاد» و«أبودلاية» و«الشمامة» و«البرج» و«الأمامين» و«الجوامعي»
لكن الملاحظ أن أغلب المطروح من هذه الفوانيس من الأحجام الكبيرة، أما الفوانيس الصغيرة والتي تتراوح أسعارها ما بين 4 و8 جنيهات فليست بالكثافة نفسها وربما يرجع ذلك الى تشبع السوق المصرية بهذه الأحجام ولكن من الفوانيس الصينية المخزونة من الأعوام الماضية والتي تراجعت أسعارها الى حد كبير.
* بصمة على كل فانوس
وعن أسباب التركيز على الفوانيس الكبيرة أكد الحاج محمد محروس أن المصانع الصينية لم تنجح حتى الآن في تصنيع الأحجام الكبيرة من فانوس رمضان، وحتى عندما حاولت فشلت لأن الحرفة أو الصنعة اليدوية كما نسميها تترك بصمة على كل قطعة تخرج من الورشة، بمعنى أنك لن تجد في السوق قطعة مطابقة للأخرى والعامل في كل ورشة يجتهد لكي يخرج أفضل ما عنده في القطعة التي يصنعها،
فالحرفة والصناعة اليدوية في هذه الفوانيس هي الأساس ولا تصلح معها الميكنة لأن ذلك سيفقدها قيمتها، والحمد لله أن الزبون المصري والعربي أو حتى الأجنبي الذي يقبل على شراء هذه الفوانيس لتزيين البيوت أو المحلات يقدر تماما قيمة الإبداع اليدوي تماما كما يقدر منتجات خان الخليلي والصاغة والخيمية، وأغلب زبائننا يحتفظون بالفوانيس أعواماً متتالية على سبيل الذكرى.
* هدية العروس
وعن الخامات المستخدمة في صناعة الفانوس التقليدي قال الأسطى رمضان أحد العمال المتخصصين في هذا المجال إنها خليط من رقائق الصفيح والزجاج الملون والقصدير وسلك وألوان دوكو وإن العامل الماهر يستطيع أن ينتج حوالي أربعين أو خمسين فانوساً في اليوم من الحجم الصغير، بينما يستغرق العمل في فانوس واحد من الحجم الكبير الذي يرتفع ثلاثة أمتار عن الأرض مثل فانوس «البرج» أو «أبوولاد» حوالي ثلاثة أو أربعة أيام ويتراوح سعره ما بين 250 و300 جنيه في تحت الربع وهي أقدم وأشهر منطقة لتصنيع هذه الفوانيس،
أما في خارج الربع فيصل سعره الى أربعمئة وخمسمئة حسب المنطقة التي يعرض فيها، ويوضح الأسطى رمضان أن الإقبال يتزايد على الفوانيس ذات الحجم المتوسط في رمضان لأن أغلب البيوت المصرية اعتادت أن تضعها في البلكونات ومداخل الشقق في السنوات الأخيرة كنوع من الاحتفال بشهر رمضان، كما أنها هدية مفضلة يقدمها كل عريس لعروسه خلال فترة الخطوبة والسنوات الأولى من الزواج. أما الفوانيس الكبيرة فإن أغلبها يستخدم لتزيين الفنادق والمحلات الكبرى.
* التواصل مع القديم
وعن السر وراء عودة الانتعاش للفانوس أبوشمعة يوضح أحمد مصطفى مدرس اعدادي أحد زبائن تحت الربع أنه ربما تكون المسألة نوعاً من الحنين الى الماضي ومحاولة من الآباء لربط أولادهم بتقاليد قديمة لم يمارسوها في ظل إنتشار المحطات الفضائية والقنوات المتخصصة للأطفال وانتشار الكمبيوتر،
أما ممدوح البدري فيرى أن الفانوس الصيني مازال قادراً على جذب أنظار الأطفال بسبب ما يحويه من إضاءات مبهرة وأغان مسلية وأشكال جديدة، كما أنه أكثر أمانا في استخدامه من الفانوس أبوشمعة، ويضيف أنه يجمع بين المستورد والمحلي فهو يشتري لأولاده فوانيس صيني ومعها فانوس محلي متوسط الحجم يضاء بلمبة كهرباء لتزيين البلكونة، ويعتبر ذلك نوعاً من التواصل والتوازن بين القديم والجديد.
القاهرة ـ محمد هشام
