ما إن وضعت قدمي على أرض أحد بساتين قرية «الطيبة» في الفجيرة حتى أعادني المشهد إلى حكاية الجنائن المعلقة التي بناها الملك البابلي نبوخذ نصر لزوجته الجبلية الحسناء فكانت إحدى عجائب الدنيا السبع، وقد كان ما يميز المكان إنه حقيقي تماماً فالأرض التي نقف فوقها ونستمتع بخضرتها ونشم روائح ثمارها هي أرض قوم بسطاء، زرعوها بجهد كبير وتوارثوا محبتها من آباء سكنوا الجبل وأيقنوا أنه يزداد اخضراراً وعطاءً كلما وضعوا معاولهم في أرضه ليغرسوا أشجار النخيل والهمبة والحمضيات.
توجهنا من الشارقة نحو جبال الفجيرة مروراً بطريق الذيد فسوق الجمعة الذي يشكل ملتقى سياحياً وبوابة لأرض الجبال ثم منطقة مسافي باتجاه الطريق المؤدي إلى دبا الفجيرة حيث تقع على يساره قرية «الطيبة» التي كان لها من اسمها أكبر النصيب فالطيبة واضحة على الأرض والناس.
استقبلنا أحمد علي بن داوود العبدولي في مزرعة العائلة واسمها «ساتر» حيث كانت بها بئر قديمة مشهورة اسمها «طوي سائر» كانت قوافل العابرين نحو دبا تقف عندها للتزود بالماء وتأخذ قسطاً من الراحة، وقد بدت تلك المزرعة بأشجارها المتنوعة من الهمبة والليمون والسفرجل والعنب فضلاً عن النخيل الممتد حتى الوادي، بدت وكأنها حقاً جنائن معلقة فهي تبدأ من المرتفعات الجبلية وتهبط متدرجة إلى الأسفل باخضرار كثيف وبهاء يسحر العين.
يبدأ أحمد علي بن داوود الحديث عن المزرعة فيقول «سميت تلك المزرعة على اسم الطوي الموجود فيها وكانت معروفة لأنها تقع على الطريق بين دبا والشارقة ودبي ورأس الخيمة وتسقى من ماء البئر، فقد أنعم الله علينا بالماء العذب في الآبار، إضافة إلى الأمطار التي كانت تهبط بغزارة في الماضي، ونحن نزرع فيها النخيل والرمان والعنب والحمضيات والهمبة، إضافة إلى الطماطم والخضروات الورقية كالنعناع والكزبرة والبقدونس، ولا نشتري إلا مواد قليلة من السوق».
وننتقل إلى الحديث عن منطقة الطيبة فيقول أحمد علي «سميت المنطقة بهذا الاسم لطيبة أهلها وخصوبة أرضها فقد كانت في الماضي ملتقى للقوافل تستقبل عابري الطريق وتوفر لهم الماء والطعام والمأوى وهي قرية متماسكة مازال أهلها يفضلون الحياة البسيطة، وجميع سكانها من قبيلة العبادلة.
* رمضان تجمع عائلي كبير
وعند الحديث عن شهر رمضان نسأل عن معرف القبيلة الوالد محمد بن داوود العبدولي فنجده قد غادر القرية إلى إحدى عيادات الفجيرة لتعب ألم به، ونكتفي منه بالاتصال الهاتفي الذي فتح حديث الذكريات على مصراعيه فقد عبر الرجل عن حنين إلى الماضي كان واضحاً من تهدج صوته وهو يتذكر تلك الأيام،
وقد بدأ حديثه عن رمضان قائلاً: «كنا نعرف رمضان عن طريق الهلال أو إكمال عدة الشهر، فإذا أتممنا عدة شعبان ولم نر الهلال صمنا رمضان وكذلك الحال مع العيد، ومن يشاهد الهلال يشعل ناراً في قمة الجبال، فقد ترى النار في جبل الشحوح أو الحبوس أو العبادلة أو اليمامحة فكل قبيلة لها جبالها التي تعيش فيها ونعرف مكانها، وأحياناً «ينقعون تفك» أي يطلقون العيارات النارية،
ونحن في قرية الطيبة من قبيلة واحدة، وفي رمضان يجتمع الرجال معاً للإفطار في بيت معرف القبيلة أو في «بريزة» أو «سبلة» تبنى لهذا الغرض، وتجتمع النساء في أحد البيوت ويكون الإفطار جماعياً، وكان لكل قرية مسجد صغير يصلون فيه، ونحن حتى اليوم نستمر في تجمعنا للإفطار ونحرص على الالتزام بعاداتنا الرمضانية والتواصل فيما بيننا وقد كنا في الماضي نكتفي بمنتجات المنطقة من المزارع
وكذلك نجني العسل من الجبال ويتوفر لدينا السمن والكامي والحليب واللبن، كذلك يزرع بعض الناس البر في «الدعوب» فنكتفي بما رزقنا الله ونتبادل السلع بيننا، وكان الزمن الماضي جميلاً يتعامل فيه الناس بمحبة وبساطة يعودون المريض ويسدون غيبة الغائب ويعيشون متقاربين لا تباعدهم المشاغل ولا يحسد بعضهم بعضاً..
ونعود إلى مجلس مزرعة ساتر ليحدثنا أحمد علي عن ذكرياته عن رمضان فيقول.. كنا نعرف شهر رمضان عن طريق رؤية الهلال وأحياناً بحساب الأشهر كما هو معروف، وقبل أن تأتي الاتصالات والتلفزيون والراديو كان يأتي مندوب من الحكام ليعلن بين القرى حلول شهر رمضان المبارك، وكان الشواب يعرفون مواعيد السحور على النجم وصياح الديك، وطريقة حياتنا في رمضان مستمرة الآن حيث يجتمع الرجال ويأكلون جماعة،
وكنا نطبخ الهريس والثريد واللقيمات وفي موسم الرطب تكون حبات الرطب هي أول ما يتناوله الصائمون إضافة إلى ما يتوفر من منتجات الحليب في كل بيت. ويتحدث علي محمد بن داوود العبدولي ابن معرف القبيلة في قرية الطيبة عن ذكريات رمضان وهو طفل.. في الماضي فيقول: كان لرمضان نكهة خاصة.. كانوا يتجمعون قرب بيتنا ليجلسوا في «البريزة» وقت الإفطار،
وفي النهار ينام الشواب تحت ظلال النخيل وكانوا يبللون الشراشف بالماء ويتغطون بها ليحصلوا على قدر من البرودة، وكان الطعام بسيطاً فالثريد هو الوجبة الرئيسية في الفطور أما السحور فيكون «عيش» أبيض مع بثيت أو كامي أو حليب. وكنا نحن الصغار ننتظر الإفطار بفارغ الصبر وقد يأكل بعض الأطفال ثمار الشجر في البساتين.
وقد كان دور معرف القبيلة مهماً جداً في الماضي ففي حياة جدي لم تكن هناك شرطة لذا يأتي دوره في حل مشاكل الناس وكان ينوب عنهم، بشكل رسمي في الخصومات والخلافات، ثم استلم الوالد عنه تلك المهمة وقد بقيت حتى الآن حيث يتوارث الناس احترام المعرف كونه أحد أفراد القبيلة الكبار الذين يصلحون بين الناس ويخلصون لهم المشورة.
* تنافس النساء في طبخ الإفطار
خرجنا من مجلس المزرعة إلى مجلس الوالدة «أم أحمد» سعاد محمد عبدالله حيث استقبلتنا بلطف أمهات الزمن الطيب، وقد جلست مكللة بحياء المرأة الوقور لتتحدث عن حياة المرأة الجبلية في الماضي قائلة «لم تكن حياتنا سهلة كما هي اليوم فالمرأة تقوم بأعمال مجهدة كثيرة فهي تجلب الماء من الطوي وتحمل الحطب للطهو والخبز، وترعى الغنم إضافة إلى ما تعمله داخل البيت،
فقد كنا نصنع الكامي والروب ونطبخ أكلاتنا المعروفة ولا نعرف الحلاوة والجلي والكيك ونخبز على «طوباي» ونصعد الجبال فجبال الشرق والغرب نعرفها حصا حصا، ولا تتغير حياتنا حتى لو كنا صائمين». وتعود أم أحمد إلى ذكريات زواجها فتقول «كانت صباحتي مئة ريال، وقد جلبوا لي الملابس من دبي ولم يكن هناك ذهب كثير فقد كانت هناك أشياء بسيطة وبعضها من الفضة مثل المرية والكردالة والشغاب، وقد عشنا حياة بسيطة،
فالمرأة تخيط ملابسها بيدها، وتلبس ما هو متوفر لديها وهي غير متطلبة، وكان لدينا ملابس مخورة نحتفظ بها للعيد، وفي رمضان كانت النساء تجتمع في بيتنا عند الإفطار وقبلها نقوم بإعداد الطبخات وتكون المقارنة بين مهارات النساء موجودة لذا تحاول كل امرأة أن تقدم أفضل ما عندها إضافة إلى أن هذه التجمعات فرصة لتعلم الطبخ ومعرفة طرقه، وبعد الصلاة كانت كل امرأة تزور جارتها وتتقهوى عندها أما في ليلة العيد فنطبخ الهريس ونصنع الحناء التي كانت نقوشها بسيطة
وليست كما نراها اليوم في «الصالونات» ونضع البخور وتكون البيوت نظيفة ومفروشة لاستقبال الناس وقد كانت البيوت تبنى من جوص النخل والعسجد والحصار والغرف حسب حاجة العائلة وعلى الرغم من صغرها فهي تتسع للضيوف والأهل والجيران، والحمد لله مازالت كثير من عاداتنا موجودة حتى الآن، إلا بعض تصرفات الأطفال التي تزعجنا في العيد حين يلعبون «بالشلك» الألعاب النارية فهي خطرة ومؤذية وحين أشاهد الأولاد يشعلونها أضربهم بالعصا، ولكن لو امتنعت الدكاكين عن بيعها لما عرفها الصغار.
والحديث مع امرأة بتلك الوداعة يمكن أن يمتد لساعات لكن وقت العودة قد حان ولابد أن نعود عبر الطريق الجبلية من هدوء القرية إلى صخب المدن الذي ألفناه وتعودنا التعايش معه، فخرجنا وخرج معنا أهل البيت مودعين، وقدمت لنا أم أحمد حبات «الهمبة» من أشجارها لتكون تسلية الطريق ودليلاً عن حسن ضيافة المرأة التي تقدم ما تستطيع لضيوفها.
استطلاع: دلال جويد


