كان الحسن بن الهيثم، ابن البصرة العراقية وربيب مصر، واحداً من كبار الذين ساهموا، في العالم كله، وعلى مدى التاريخ، في الانقلاب الرائع الذي عرفه علم البصريات، بعدما كان الفكر اليوناني ثم الغربي يتخبط في المعميات بين نظريات حول الضوء ونظريات حول البصر لم تقده الى أي مكان. ابن الهيثم في «كتاب المناظر« حدد الأسس وفسّر الأمور، فكان بذلك من ابرز الذين قادوا علوم العالم الى حداثتها.
هل يمكن ان يخطر في بال عربي انه حين يحدث له ان يزور متحف فن السينما على ضفة النهر في مدينة فرانكفورت الألمانية، ويدخل الغرفة المخصصة لاستعراض الجذور البعيدة لولادة هذا الفن، سوف يجد اسم العربي ـ المسلم ابن الهيثم منقوشاً هناك الى جانب أسماء العديد من العلماء والمفكرين الأجانب الذين يدين لهم فن السينما بوجوده التقني؟
نعم، حتى وان كان ابن الهيثم قد عاش ومات قبل نحو ألف عام من ولادة فن السينما، فان أهلها لا ينكرون انه كان له دور أساسي في انبعاث تلك السلسلة من الاختراعات والاكتشافات التي أدت في نهاية الأمر الى ولادة الفن السابع، كفن للقرن العشرين بامتياز.
والحقيقة ان مجد ابن الهيثم ودوره لا يرتبطان فقط أو تحديداً، بفن السينما. فهذا الفن استفاد من جهود العالم المسلم كما استفاد من جهود تقنيين وعلماء آخرين. أما ابن الهيثم فإنه صاحب الانقلاب الأكبر في علم البصريات على امتداد التاريخ كله وعلى امتداد العالم كله. ونعرف ان الغرب اعترف بهذا الأمر وتعامل معه، من دون تعصب يذكر. فالمسألة علمية أولا وأخيرا. والمسألة يمكن على اية حال تلخيصها على النحو الآتي:
خلال الألف وخمسمئة عام التي سبقت اكتشاف الغرب كتاب «المناظر» لابن الهيثم وترجمته له، كان ثمة بالنسبة الى علوم البصريات جملة من المسلمات والأفكار تعيش صراعات طويلة في ما بينها. وهذه الصراعات كانت تتمحور حول نظريات النور والبصر، خصوصا بين تيارين رئيسيين يرى أولهما ان «العين هي مصدر الضوء الذي يستكشف العالم الخارجي كما فعل العصا بالنسبة الى الضرير»،
فيما يرى الثاني ان الأجسام الخارجية هي مصدر الضوء، وهي توصل النظر الى العين بفعل الضوء المنبعث منها. كان المدافعون عن النظرية الأولى الفيثاغوريين والرياضيين بشكل عام، فيما كان المدافعون عن الثانية أتباع ديمقراطس وغيرهم من الدهريين الماديين. ولقد ظل الفكر الغربي في هذا المجال موزعا بين هذين التيارين حتى قيض لراهب بولوني الأصل هو فيتيليون ان يكتشف كتاب «المناظر» من تأليف العالم العربي ابن الهيثم. فدهش وراح ينشر مقاطع من الكتاب غير مكتملة.
لكن لاحقاً في العام 1572 قام فريديريك ريزنر، الذي اكتشف الكتاب كاملاً، بترجمته الى اللاتينية ونشره في مدينة بال. ومع نشر الكتاب على هذا النحو بدا أكبر انقلاب في علم البصريات وعلم الضوء عرفته البشرية في تاريخها. ولقد ترجم الكتاب الى اللاتينية بعنوان «اوبتكاي تيزاورس».
يوم نشر الكتاب، أفاد المترجم انه نقله عن مخطوطتين عربيتين متكاملتين، تؤكدان انه لم يحدث فيهما أي تغيير. والكتاب كما هو موجود الآن يتألف من سبع مقالات، يقول الباقون عن مضمونها ان ابا الهيثم نجح فيها وللمرة الأولى في تاريخ العلوم، في عزل دراسته انتشار الضوء عن دراسة الأبصار. تعامل مع المجالين ليعود ويربط بينهما لاحقاً. وكان هذا الأسلوب هو الذي مكنه من استخلاص قوانين المناظر الهندسية، وكذلك قوانين المناظر الفيزيولوجية.
لكنه مكنه اثر ذلك من ان يصل الى دراسة موضوع «المناظر الفيزيائية». ويقينا ان هذا الفصل الذي أقامه ابن الهيثم بين المجالين، وكان فتحا كبيرا في دنيا العلم في تاريخ العلوم، اتى متناقضا مع كل ما كان العلم اليوناني جاء به، حيث ان المشكلة الأساس لدى هذا العلم منذ أرسطو ووصولا الى اقليديس، كانت في عدم القدرة على، أو التفكير في، إقامة أي فصل بين الرؤية، النظر، والضوء.
أما ابن الهيثم في تفكيره بهذا الأمر وتمكنه منه فمهد لأشغال كبلر وديكارت من بعده: وضع حجر الأساس للتفكير الصحيح في المسألة.ونشير هنا الى ان اسم ابن الهيثم في المتحف الألماني الذي ذكرناه اول هذا الكلام مرتبط كذلك بأنه كان أول من استخدم مفهوم «الغرفة السوداء» (كاميرا ابسكورا) في بحوثه، ومنه اشتق لاحقاً اسم «كاميرا» ليطلق على آلة التصوير.
كذلك فإن اسم ابن الهيثم لا يزال مرتبطاً حتى اليوم بمعضلة تعرف في عالم الرياضيات باسمه اللاتيني «معضلة الهازن» وفحواها السؤال عند أية نقطة من نقاط مرآة دائرية يجب ان تقع نقطة الضوء الآتية من مكان معين، لكي تنعكس عند نقطة ثانية معينة من تلك المرآة.
بقي ان نشير أخيراً الى أن ابا علي الحسن بن الهيثم هو من مواليد البصرة في العراق في العام 965م تقريباً لكنه عاش أكثر سنوات حياته في مصر حيث عمل وكتب أهم أبحاثه، قبل ان يتوفى فيها في العام الميلادي 1039 والذي لا بد من ذكره أخيرا هو ان ابن الهيثم لم يكن الأول في هذا المضمار في الفكر والعلم العربيين بل تتلمذ على العديد من سابقيه العرب ومن بينهم ابن سهل، ثم عاد وطور في أبحاثهم وجدد.
