تعد العبارات الافتتاحية للرواية من أشهر العبارات في تاريخ الأدب الإنجليزي حيث تعكس بكل بساطة سبكها وبلاغة دلالاتها محور الاهتمام في حياة الإنجليز في فترة الرواية التي تقع أحداثها في خريف إحدى سنوات مطالع القرن التاسع عشر وقدم الأحداث نحو 14 شهرا.. والعبارة الشهيرة تقول: «من الحقائق التي مازال ينعقد عليها الإجماع أن من شأن رجل أعزب ويمتلك ثروة لا بأس بها أن يكون بحاجة إلى زوجة».
مثل هذه العبارة قرأها نقاد الأدب بمنطق المخالفة على أساس أن ثمة عبارة مضاهية لها وتقول كلماتها: وبالتالي. فمن شأن امرأة بغير ثروة أن تكون بحاجة إلى زوج من هذا الطراز. والمهم أن افتتاحيات «الكبرياء والهوى» تمهد مسرح الأحداث التي تدور في جو من المفارقات الساخرة والمواقف المحرجة على خلفية من شجن خيبة الأمل.
ها نحن نتابع الرجل الأعزب الذي يعد معقد أمال البنات وأم البنات.. تشارلس بنجلي.. وثروته المرموقة لا تتجاوز 5 آلاف جنيه إسترليني سنوياً، ولا يكاد يغيب عن العين الراصدة والآملة أيضا لمسز بنيت. لديها من الذرية خمس بنات باسم الله ما شاء الله. ولا عجب أن تحط عينها عليه وترى فيه خاطبا ومن ثم زوجا لواحدة من زهرات المنزل الريفي الخمس.
نتعرف أيضا على الأب الذي ينظر إلى الأمور نظرة شبه فلسفية.. فالكل سيلقي نصيبه والحياة رتيبة في بيئة مغلقة ولا داعي للقلق ووجع القلب.. ومن الطبيعي أن يكون في هذا الموقف ما يثير غضب أم البنات التي لا يهدأ لها بال من أجل اقتناص الفرص السانحة لإرسالهن يوما إلى بيوت الزوجية ومن ثم فهي كالمكوك لا تكف عن زيارات الجيران وتبادل الأخبار والشائعات ومسك سيرة خلق الله وسط ذلك الحيز الريفي الضيق المحدود.
أما البنات فمنهن جين الجميلة المتحفظة التي يعجب بها السيد بنجلي، إلى ماري التي تصطنع أهاب المثقفين كي تستر افتقارها إلى ملاحة الجاذبية.. وبعدهما كل من كيتي وليديا وهما من ذوات العقول الفارغة وعلى استعداد لقبول أي طالب زواج بشرط واحد: أن يكون من صنف الضباط العسكريين بقيت اليزابيث التي يدور حولها كثير من الأحداث..
وخاصة قصة العواطف المتبادلة بينها وبين مستر دارسي زهرة شباب الناحية.. كلاهما يتعامل مع الدنيا بمنطق يتراوح بين الكبرياء والتحامل بين قوة الشعور وبالثقة في النفس وبين الضعف أمام مشاكل الحياة.. من خلال هذه الشخصية نتعرف على باقي شخصيات الرواية: الأم المتلهفة على تزويج بناتها.
الأخوات التافهات اللائي لا يترددن في زيارات طائشة رعناء لكتيبة الجيش التي حطت رحالها من أجل التدريب في منطقة الجوار المتاخمة لضيعة نزرفيلد بارك وهى المسرح الرئيسي للأحداث (بل إن إحداهن ـ ليديا لا تلبث أن تهرب مع أحد ضباط الكتيبة إلى لندن ولا يملك القوم وأصدقاؤهم سوى تقصى أثرهما ومن ثم إجبار الضابط الهيمان على الزواج من ليديا من باب الستر ليس إلا).
هناك أيضا ليدي كاثرين بارونة المنطقة بكل غرورها واستعلائها بفعل ما تملكه من ثروة فضلا عن لقبها الارستقراطي الذي يجعلها تشمخ بأنفها على بنات عائلة بنيت المنتميات إلى طبقة وسطى فقيرة والباحثات في لهفة عن الزواج.. ربما يكون الاستثناء من هذه اللهفة هى بطلة الرواية اليزابيث ـ أنها تحب دارسي الشاب اللامع الأنيق. لكنها تحب كبرياءها وأكثر وتحاول الحفاظ على كرامتها.. لا تحب فيه بالذات موقفه بأن طلب يدها ينطوى على نوع من المروءة.. هل نقول التفضل من جانبه.
لا عجب إذن أن يتقدم لها خاطبا.. وأن ترفض طلبه بغير مقدمات.. وفيما تزداد الأمور والعلاقات بين الشبان والشابات تعقيدا.. تبدأ الأمور في الاتضاح من خلال تبادل الرسائل العديدة والمطولة بين الأطراف.. وتلك كانت الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الناس على عادة تلك الأيام.
تصل بنا الأحداث وبالشخصيات إلى ضيعة دارسي المتواضعة.. وتفاجأ إليزابيث بأن دارسي قدم خدمات جليلة لعائلتها المتواضعة ودون أن يكشف الرجل عنها.. ضغط من أجل زواج شقيقتها الرعناء رغم هروبها مع عشيقها إلى لندن.. رتب للزوجة الشابة دخلا ثابتا.. بارك زواج أختها الطيبة ـ جين من بنجلي صاحب ثروة الخمسة آلاف جنيه الطائلة..
بل رفض دارسي أيضا مشروع زواج كله منافع وفوائد من ابنة البارونة المغرورة كاثرين.. فما الذي تبقى سوى أن يطلب يد كاترين الجميلة المعتزة بكرامتها من جديد، وطبعا تأتي الموافقة بالإيجاب.. تختتم سطور الرواية بزواج الشقيقتين.. إليزابيث وجين من الصديقين دارسي وبنجلي في يوم واحد.. ويا للسعادة!.
* الأفكار.. الرموز.. الدلالات
أول الدروس المستفادة هي أن يكبح المرء شعوره باعتزازه بنفسه.. بمعني أن يحتفظ بالكبرياء لكن دون أن يصل إلى حد الغرور.. ولو كانت كبرياء إليزابيث قد تجاوزت لتصبح غرورا لأفقدها ذلك فرصة الزواج من رجل محترم وشهم كان معجبا بها ومحبا لها.
هناك أيضا الأم مسز بنيت.. صحيح أن العمل يقدمها في صورة امرأة من طبقة وسطى فقيرة تافهة الفكر في بعض الأحيان.. شغوفة بأحاديث النميمة في صالونات الثرثرة ومحدودة الأفق تكاد لا تحركها سوى فكرة ثابتة سيطرت عليها وهى ببساطة.. تزويج البنات.. لكن الرواية ـ شأن كل عمل ينتمي إلى الإبداع الأدبي الرفيع ـ نستكمل هذه الصورة لبنيت فتعمل على إنصافها في أعين القارئين.
وبصراحة.. أليس زواج البنت هو في التحليل الأخير أملا لكل أم مهما ارتفعت الأم أو الابنة في مضمار الثروة أو التعليم أو الطبقة الاجتماعية، قد تضحك على تصرفات أم البنات.. لكن سوف نشعر نحوها بمزيج من التفهم وتقدير الظروف يخالطه ولا شك قدر من الاحترام.
هذه امرأة تعيش في وسط ريفي وإطار إقليمي محدود.. لكنها تعمل على إنشاء بيوت وتكوين عائلات تقوم على زواج مشروع حتى ولو كان زواجا مرتبا.. وكأنها تعمل ـ ربما من حيث لا ندري ـ على تكريس قيمة العائلة ـ الحياة الأسرية وهى من أعز القيم في أعراف البشر.
هناك أيضا ذلك التصوير الدقيق ـ في عفوية وبغير افتعال ـ لحياة الناس في تلك المجتمعات المحدودة.. وسيلتهم هي الرسائل المتبادلة وحياتهم في الزيارات المنزلية.. ومهما بلغت محدوديتهم نجدهم يهتمون بمظهرهم وأناقتهم وملابسهم ـ حسب القدرة والتساهيل.
* في ذاكرة الإنسانية
رغم انقضاء ما يقرب من 200 سنة على نشر رواية الكبرياء والهوى إلا أن النقاد مازالوا يعدون الروائية جين أوستن كاتبة معاصرة وفي هذا الصدد يقول واحد من هؤلاء النقاد الثقات ـ رغم أنه لم يتوان لديها أي إلمام بحرفية الفن أو بالأساليب التقنية للسرد الفني (على نحو ما توافر مثلا لمبدعين كبار من طراز فلوبير الفرنسي أو هنري جيمس الأميركي)،
إلا أن الآنسة أوستن كانت من طراز الفنانين الكبار وكانت تعرف تماما ماذا تفعل وهي تبدع أعمالها الروائية الستة بمعنى أن كانت أيضا تعرف حدودها وتعرف كذلك كيف تتعاطف مع الشخصيات التي أبدعتها ورسمت معالمها: وقد توقف الكثيرون أيضا عند أجواء الواقعية التي سادت ابداعاتها.. فأنت في الكبرياء والهوى أمام شخصيات من لحم ودم ـ ترسمها روائية محدودة التعليم والتجربة..
وفي عصر شهد روايات الأبطال وروايات الرعب والأشباح (الروايات القوطية) وهي فنانة تسيطر تماما على حرفتها وتعرف تماما قدر موهبتها وتملك أسلوبا في السرد المباشر بعيدا عن محسنات البلاغة أو الخطابة بل هو أسلوب حافل بطلاوة السخرية وموهبة الكشف عن المستور داخل حجرات البيوت.. وبين جوانح الشخصيات البشرية..
هذه القدرة على السيطرة الفنية أضفت على أعمال جين أوستن سمة شكسبيرية رغم أن عالمها الفني كان أصغر وأضيق بالطبع من عالم شكسبير (ايفور ايفانز، كتاب موجز تاريخ الأدب الإنجليزي). وربما كان من أكبر مآثر جين أوستن أن فتحت الباب أمام المزيد من النساء الموهوبات في فن القص والرواية وسط حرفة رفيعة كانت مقصورة أو تكاد على الرجال الموهوبين..
بل إن ثمة روائية لامعة ومقتدرة ولدت بعد رحيل أوستن بسنتين (1819) وعاشت حتى عام 1880 هي ماري آن ايفانز.. ولكنها اضطرت رغم هذا كله إلى أن تستخدم اسما ذكورياً لكي تنشر أعمالها وتشتهر بين الناس الذين عرفوها باسم «السيدة جورج إليوت»!.
بقيت كلمة تنويه بالعنوان الذي حملته الرواية عند ترجمتها إلى لغتنا العربية. إن الترجمة الحرفية للعنوان كان يمكن أن تكون مثلا: «الفخر أو الكبر والتحيز» لكن ها نحن أمام عنوان عربي بليغ ودقيق وجميل هو الكبرياء و.. الهوى (من الأهواء بطبيعة الحال) وذلك فضل في جمال اللغة يعود إلى مترجم قدير من أبناء الجيل الماضي في مصر العربية هو المرحوم الأستاذ محمد بدران الذي ذاعت شهرته بعد أن قدم للمكتبة العربية ترجمته الرصينة لمعظم مجلدات كتاب ديورانت الموسوعي بعنوان «قصة الحضارة».
يرصده : محمد الخولي
