شجعت سياسة دبي الاقتصادية القائمة على الانفتاح جاليات عديدة من المهاجرين على القدوم لدبي والعيش فيها سواء كتجار أو عمالة وافدة. فبالإضافة إلى الفرس، الذين تحدثنا عنهم في الحلقة الماضية، أتت طائفة من التجار الهنود يطلق عليهم (البانيان) والذين أصبح لهم في دبي سوق باسمهم.
وكان هذا السوق يضم مساكنهم ومحلاتهم ويقع أيضا بالقرب من الخور في منطقة بر دبي. وقد قام هؤلاء الهنود بالمتاجرة بالبضائع الهندية من ملابس وعطور ومستلزمات أخرى كما عمل بعض منهم في صياغة الذهب وتجارته. كما قام البعض الآخر باستثمار أمواله في أوجه أخرى.
حلت في دبي أيضا جماعات أثنية أخرى كالبلوش الذين أسسوا لأنفسهم حيا خاصا بهم يدعى «فريج البلوش» يقع في منطقة ميناء راشد حاليا. وكانت تقيم معهم أقليات أخرى إيرانية وباكستانية. بالإضافة إلى تلك الجاليات الرئيسية كان هناك أيضا عدد من الأفارقة الذين جاءوا لدبي للعمل في الزراعة ونقل المياه وهم من سكان شرق أفريقيا. وقد اختلطوا بالسكان وعاشوا في مختلف أحياء المدينة.
* الطلب على الخدمات العامة
أدت تلك الهجرات إلى زيادة الطلب على الخدمات العامة كالسكن والمياه والسلع التجارية المختلفة. فانتعشت الأعمال الحرفية التي قام بها هؤلاء الوافدون في حين توجه المواطنون العرب نحو احتكار عمليات الغوص وتجارة اللؤلؤ (الطواشة) حيث عمل عند الطواشين أي تجار اللؤلؤ ما لا يقل عن 22 ألف شخص في مهن ارتبطت بالغوص على اللؤلؤ فصار الطواشون أعيان البلاد وتجارها وبرز منهم السادة محمد بن أحمد بن دلموك وإبراهيم فردان،
وحميد البسطي وبيات المر، ومجرن سلطان وأحمد بن ماجد بن فطيم ويوسف الصايغ وغيرهم من تجار اللؤلؤ المشهورين. كان بروز هؤلاء في الوقت الذي كان فيه دخل الحاكم معتمدا على إيرادات سفن الغوص بالدرجة الأولى. فلا غرو أن يقوم تجار اللؤلؤ في تلك الفترة بتمويل معظم المرافق العامة والخدمات الأساسية وأهمها تأسيس مدارس وغيرها من المؤسسات.
انعكس الرواج الاقتصادي لتجارة اللؤلؤ على مجتمع دبي فانتعشت الحياة الاقتصادية والثقافية فيه واستطاع تجار اللؤلؤ أن يحتلوا مكان الصدارة في الحياة السياسية أيضا مستمدين نفوذهم من مساهماتهم المالية لخزينة الإمارة ومساهماتهم الاجتماعية في مجتمع دبي. فقد قام السادة بن دلموك ويوسف البدور ومحمد زينل بافتتاح ثلاث مدارس هي الأحمدية والسعادة والفلاح.
وقد لعبت تلك المدارس دورا مؤثرا في نشر التعليم وظلت تعمل حتى أغلقت أبوابها في أواخر العشرينيات بسبب الكساد الاقتصادي وانهيار تجارة اللؤلؤ. أما ما يختص بالإدارة المحلية للإمارة، فقد قام الشيخ سعيد بن مكتوم منذ مجيئه للحكم عام 1912 وحتى وفاته عام 1958 بدور فعال في إدخال أساليب الإدارة الحديثة سواء في عمليات تنظيم الجمارك أو في التنظيم الداخلي لمؤسسات ومرافق الحكم في الإمارة.
ولكن منذ نهاية العشرينيات بدأت تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج عامة في التدهور بسبب أنتاج اليابانيين اللؤلؤ الاصطناعي الذي يشابه اللؤلؤ الطبيعي في الشكل واللون ولكنه أرخص في السعر. وقد تواكب ذلك مع انهيار البورصة العالمية في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، ومع الأزمات النقدية العالمية أيضا.
كما ازداد التدهور في تلك التجارة نتيجة لاكتشاف البترول في بعض دول الخليج الأخرى وأدى ذلك إلى انصراف أعداد كبيرة من الغواصين للعمل في حقول البترول. كما تسبب تدهورها في متاعب مالية لا حصر لها للعاملين فيها سواء كانوا ممولين أو طواشين أو ربابنة سفن أو غواصين.
فقد تأثر الجميع بهذه الأزمة فخسر البعض خسارة كبيرة وأصبح الغواصون غارقين في الديون وعليه اضطر الكثير منهم إلى بيع ممتلكاتهم لكي يسددوا ديونهم. كما اضطر آخرون إلى البحث عن أعمال بديلة مع صناع السفن والحدادة. وعليه فقد أدت تلك العوامل إلى انهيار تجارة اللؤلؤ تماما وتقلص عائداتها المالية إلى الصفر تقريبا.
وقد أنعكس ذلك التدهور على الخدمات العامة خاصة تلك التي يمولها التجار وعليه فقد بدأت في تاريخ الإمارات فترة تاريخية جديدة من ناحية الاهتمامات الاقتصادية وجديدة أيضا من ناحية تطور الخدمات العامة، مرحلة سوف تكون دبي رائدة فيها مع اثنين من دول الخليج هما البحرين والكويت.
* مرحلة جديدة
على الرغم من أن بداية هذه المرحلة واكبت الكساد الاقتصادي لأسواق اللؤلؤ الطبيعي والكساد العالمي لأسواق الكماليات وتضرر جميع طبقات المجتمع جراء ذلك الكساد إلا أنها شهدت بداية التفكير في بنية تحتية عصرية لمواجهة المتغيرات الحياتية التي شهدتها دبي في فترة ما بين الحربين ( 1918-1939).
بدأت هذه المرحلة بالكساد الاقتصادي الذي أثر ليس فقط على أسواق اللؤلؤ الطبيعي ولكن أيضا على كافة مناحي الحياة العامة وعلى قطاع الخدمات العامة برمته. فقد أثر على المدارس التي مولها التجار فأغلقت أبوابها مثل مدرسة الفلاح التي مولها التاجر محمد على زينل ومدرسة السعادة التي أسسها ومولها نخبة من تجار دبي من بينهم يوسف البدور وغيره، مدرسة السالمية التي أسسها سالم بن مصبح وغيرها من المدارس.
فقد عجز هؤلاء التجار نتيجة لضعف مردود اللؤلؤ على أبقاء المدارس مفتوحة، كما ساهم الوضع الاقتصادي المتردي على عدم نجاح تلك المدارس نفسها في البقاء مفتوحة ذلك لأن غالبية الطلاب تركوا الدراسة للعمل في وظائف وأعمال بسيطة ليرفعوا من المستوى المعيشي لأسرهم.
وتسبب الكساد الاقتصادي في إصابة التركيبة الاقتصادية لدبي المجتمع ككل بالخلل. فالتجار الذين كانوا يخشون من الإفلاس توجسوا خيفة من إرسال سفنهم للغوص لأن المحصول المتوقع لم يكن ليفي بنفقات إرسال السفن. ومن ناحية أخرى فأن المخاطر المتوقعة لخروجها زادت من نسبة الفائدة المطلوبة على رأس المال الذي اقترضه تاجر اللؤلؤ من الممول الذي هو في الغالب أحد التجار الهنود.
فارتفعت النسبة في عام 1929 من (18%) إلى (26%) على المبلغ المقترض لتزداد بالتالي مشاكل التجار العرب. لذا فإن نسبة قليلة من التجار جازفت بإرسال سفنها للغوص بينما امتنعت البقية عن ذلك مكتفية بممارسة التجارة العامة (السفر) مع الهند أو ممارسة مهن أخرى تضمن من ورائها ربحا بسيطا.
من التجار الذين تضررت تجارتهم المرحوم محمد بن أحمد بن دلموك والشيخان مانع وحشر أبناء راشد بن مكتوم والشيخان سعيد وسهيل أبناء الشيخ بطي بن سهيل وغيرهم من أعيان دبي الذين تضررت أحولهم الاقتصادية وكادت تؤثر على مركزهم الاجتماعي والسياسي. هذا بالإضافة إلى الإجراءات المتشددة التي اتخذتها الجمارك الإيرانية على الناحية الأخرى للخليج، والتي أدت إلى تقليص حجم التبادل التجاري بين دبي والمدن الإيرانية وبذلك أضافت عبئا آخر على المشاكل الاقتصادية.
لقد كان بوسع تلك الظروف الاقتصادية المتردية أن تؤدي بمجتمع دبي إلى الانهيار الاقتصادي التام، لكن طبيعة تركيبة مجتمع دبي الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى براعة التجار وحسهم الاقتصادي الفطري منعت حدوث ذلك الانهيار وساعدت مجتمع دبي على مواجهة ظروف الكساد والتحول إلى مجتمع جديد في اقتصادياته.
ترصدها:د. فاطمة الصايغ

