هذه المقالة نشرت للأديب الشيخ مبارك بن سيف الناخي في العدد 590 من العام الثاني عشر الصادر عام 1937 والمقالة بعنوان «الشيخ محمد أسد - إسلامه وشيء من ترجمة حياته». وهو يتحدث عن النمساوي «ليوبولدويس» الذي أسلم هو وزوجته وربيبه، بعد قراءاته للأديان. وقد التقاه الناخي في بومباي.
زرت في سنة 1354 مدينة «بومباي» الهند وأمضيت عيد الحج بها، وفي ثاني يوم من أيام العيد ذهبت إلى أصدقائي الأفاضل أبناء المولوي شرف الدين أصحاب المكتبة القيمة لأهنئهم بالعيد، وعندما استقر بي الجلوس وتجاذبنا أطراف الحديث، أخبرني الشيخ عبدالصمد أكبر أنجال شرف الدين بأنه يوجد هنا رجل من المسلمين الجدد، نمساوي الأصل وله خدمات جليلة نحو الإسلام والمسلمين، فقلت إذن أود ملاقاته والتعرف إليه شخصياً، ورجوته أن يكون واسطة فيما بيننا لعقد هذا التعارف والأخاء.
وعندما أردت الانصراف عنه ضرب لي موعداً للقاء في جامع القصاب الكبير، حيث يؤديان فريضة الجمعة، ولما حان وقت الصلاة هرعت الجامع المذكور لأؤدي فريضة الجمعة، ولما انتهت الصلاة إذا بالشيخ عبدالصمد ومعه الشيخ محمد أسد أقبلا فقمت للسلام عليهما ومددت يدي لمصافحة الشيخ محمد أسد قائلاً: «أهنئكم أولاً وقبل كل شيء بالهداية الإسلامية وأكثر الله في المسلمين أمثالكم وأشكركم على ما تسدونه وتقومون به من خدمات نحو الإسلام والمسلمين».
لهذا جئت أعرف إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وأخص من بينهم قراء الفتح الكرام بالشيخ محمد أسد النمساوي الأصل الذي تشرف بالهداية الإسلامية هو وزوجته وربيبه عام 1344 في برلين عاصمة الألمان على أثر بحثه الأديان وتطوافه كثيراً في البلاد العربية والشرقية،
وكان يسمى في الأول «ليوبولدويس - Leo Pold Weiss» وتسمى بمحمد أسد، وكان يبلغ من العمر إذ ذاك خمساً وعشرين سنة، وزوجته كانت تدعى في الأول «الزا ويس ـ Elsa Weiss» ولها من العمر سبع وعشرون سنة، وربيبه وكان يدعى في الأول «هنري شيمن ـ Hnry Scheiman» وتسمى بأحمد وله من العمر تسع سنوات، وكانوا يدينون قبل الإسلام باليهودية.
وقد طاف أخونا الشيخ محمد أسد كثيراً من البلاد العربية والشرقية، ففي سنة 1339 زار مصر، وفلسطين، وشرق الأردن، ودمشق، ثم عاد إلى مصر ومنها إلى تركيا ومن تركيا قفل راجعاً إلى ألمانيا ومن ألمانيا عاد ثانية إلى مصر ومنها إلى الشام، فالعراق فإيران فأفغانستان، ومنها رجع أدراجه إلى «ألمانيا» وذلك في سنة 1344، وفي هاتيك السنة تشرف بالهداية الإسلامية كما بينت آنفاً، وكانت ترافقه في كلتا رحلتيه قرينته «الزا ويس» أو «عزيزة» بعد الإسلام،
وكان مراسلاً لبعض الصحف في ألمانيا، وبعد أن أعلنوا إسلامهم مكثوا زهاء عشرة شهور، ثم جاءوا إلى مصر ولبثوا بها خمسة أشهر تقريباً، ثم ذهبوا إلى مكة المشرفة لأداء فريضة الحج وركن من أركان إسلامهم، وبعد أن أكملوا حججهم وأتموا نسكهم أراد الله ولا أراد لقضائه أن يختار زوجته فوافاها الأجل المحتوم، ودفنت هناك في أشرف بقعة وأقدس أرض وظل الشيخ محمد أسد هو وربيبه بعد الحج في مكة المكرمة زهاء أربعة أشهر ونصف،
ثم ذهب إلى المدينة المنورة ولبث بها قريباً من خمسة عشر يوماً، ثم توجه إلى نجد بدعوة من جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، وجاء أولاً إلى حائل، فالقصيم فالرياض ولبث بها نصف السنة، ومن الرياض ذهب إلى رنية وبيشة، ثم عاد إلى مكة المكرمة، وبعد انقضاء الحج قصد الطائف وقضى بها نحواً من ستة أشهر، ثم عاد إلى المدينة المنورة وألقى بها عصا التسيار وذلك في سنة 1348، وكان يرافقه في رحلته هذه ربيبه أحمد، ومنها أرسله إلى ألمانيا لتلقي علوم الهندسة.
وبقي الشيخ محمد أسد في المدينة مكباً على طلب العلم الشريف، ودرس اللغة العربية وكان يحسن من قبل التكلم بها قليلاً، ولكنه بعد أن درسها صار يجيدها كأحد أبنائها، وفيها تزوج بامرأة عربية من قبيلة (العجمان) وكانوا نزحوا إلى المدينة المنورة من حائل كما أخبرني هو بذلك، وولدت له ولداً أسماه (طلال) وبقي في المدينة إلى سنة 1351.
ثم قصد الهند هو وزوجته العربية، وجاء أولاً إلى ـ كراتشي ـ فأمرتسر ـ فلاهور، حيث استقام بها ستة أشهر تقريباً، ومنها توجه إلى دهلى ولبث بها نحواً من سبعة أشهر، وكان كثير التجوال والتطواف في أنحاء الهند، ومن دهلي ذهب إلى كشمير وألقى بها عصا التيسار.
ومن خدماته الجليلة نحو الإسلام والمسلمين، أن ألف كتاباً بالإنجليزية وطبعه سماه «إسلام ات ذي كروس رود ـ Islam at The Cross Road» أي: الإسلام في مفترق الطرق، وذلك في سنة 1353، ومن خدماته أيضاً أن قام بترجمة صحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية مع شرح جديد له ويقع في ثلاثين جزءاً وقد طبع منه الجزء الأول وعهدي به أنه يسعى في طبع بقية الأجزاء، وذلك في سنة 1354.
وقصده الوحيد من الترجمة لصحيح البخاري افهام اخواننا مسلمي الهند ـ الذين لا يعرف معظمهم اللغة العربية ـ معنى الأحاديث النبوية وما اشتملت عليه من أوامر ونواهٍ وفوائد وحكم، وفقه لخدمة الإسلام والمسلمين، وأكثر انه في المسلمين من أمثال هؤلاء المسلمين الجدد، وصدق الله العلي العظيم «وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم».
وأخونا الشيخ محمد أسد في منتصف العقد الرابع، ويقيم الآن في كشمير وقد جلب مطبعة للطبع والنشر سماها ـ دار النشر عرفات وهذا عنوانه: محمد أسد ـ دار النشر عرفات ـ سرينكر ـ كشمير ـ الهند
Mohammad Asad
The Arafat Publieations Srinagar
Kashmir, (India)
الشارقة 15 ذو القعدة سنة 1356
مبارك بن سيف الناخي
*حكم قراءة الصحف
الشيخ أحمد بن حسن يستفسر هنا عن أمر آخر، وهو موضوع قضية شغلت بال الناس في ذلك التاريخ، حيث اختلفوا حول قراءة الصحف والمجلات، فرأى البعض أن قراءتها تصرف الناس عن قراءة القرآن الكريم، وتلهيهم ورأى آخرون أن قراءتها فائدة ومعرفة. فخاطب المنار مستفسراً حول حكم قراءة الجرائد والمجلات وأثر ذلك وهل من فائدة تعود على القارئ؟
حضرة السيد الأجل مفتي الأمة، وبحر العلوم، وعلامة الزمان، وترجمان القرآن، قامع المبتدعين، البحر الزاخر، والصارم الباتر، السيد محمد رشيد رضا رضي الله عنه وأرضاه. السلام ورحمة الله وبركاته. أما بعد فالمرجو من فضيلتكم الجواب عن هذا السؤال وهو أنه قد حصل في بلدتنا خلاف بين طلبة العلم حيث ان فريقا منهم يعترض على فريق آخر بسبب انكبابهم على قراءة الجرائد والمجلات الأسبوعية واليومية.
ويشمل ذلك الجرائد المصورة فالواجب ان تصرفوا أوقاتكم في مطالعة كتب السنة والتفاسير والفقه لان بها سعادة الدارين، وهذه الجرائد من لهو الحديث المشار إليه في الآية، والدليل في عدم الفائدة منها أن هذه مصر الجرائد والمجلات بها منذ عهد بعيد ولم تنتفع ولم تتخلص من الرق، وهذه الأمة العربية جند الأمام ابن السعود أيده الله بنهوضهم في هذه المدة القريبة حصل خير كثير والمستقبل يبشر بالخير مع أنهم لم يطالعوا جرائد ولا مجلات.
ويقول الفريق الآخر هل الخير إلا في الجرائد وهي تذكي الذهن وتحرك الأفكار وتفيد عن تطور العالم وهي من أنعم الله الكبار. فالرجاء من فضيلتكم الإيضاح والتخطئة والتصويب لانه حصلت مشاحنة تكدر الخاطر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* أحمد بن حسن
(ج) إن الجرائد والمجلات التي توصف بالدورية مثل الرسائل والكتب في القصص والأدب والتاريخ والعلوم منها الضار والنافع، وفيها الحق والباطل، فلكل من مادحيها وذاميها وجه، ويختلف حكم قراءتها باختلاف موضوعاتها واستعداد قارئيها في العلم ورسوخ العقيدة الصحيحة، والآداب الشرعية القويمة، فإن في بعضها ما هو كفر صريح وصد عن الدين، بضروب من الشبهة والتأويل، وفي بعضها تزين للشهوات المحرمة وغير ذلك من المعاصي،
كما أن في هذه وغيرها كثيرا من المسائل العلمية والتاريخية وأخبار السياسة التي تفيد صاحبها عبرة وخبرة وتثقيفاً، وأنني أعلم أن كثيراً من قرائها قد فسدت عقائدهم او آدابهم، ولابد أن تكونوا رأيتم في المنار ردودا على بعضها بالتعيين تارة وبالإبهام تارة،
وان كثيرا من قرائها لا يحملهم عليها إلا التلذذ والتسلي بما فيها من الغرائب، دون ما يزعمون من الفوائد، وناهيك بالمصورة التي تعني بصور النساء العاريات والمتبرجات، وأخبار العاشقين والمعشوقات، والمدار في نفع ذلك وضره منوط بحسن الاختيار وسوء الاختيار.
فمن الجرائد المصرية التي يحسن اختيارها في قطر إسلامي كبلادكم جريدة كوكب الشرق اليومية والفتح والشورى والمصلح الأسبوعيات، ومن المجلات المصرية مجلة مكارم الأخلاق والزهراء والهداية ومجلة الشبان المسلمين، ومن الجرائد السورية العهد الجديد والنداء اليوميتان والنذير الأسبوعية من جرائد بيروت وجريدتنا الحياة والجامعة العربية من جرائد فلسطين والهداية البغدادية الحلبية، وأم القرى الحجازية.
ومن المجلات مجلة الكشاف البيروتية والإصلاح الحجازية ومجلة الكويت، فمن كان يريد قراءة الصحف من أهل بلادكم الإسلامية العربية لما فيها من الفوائد العلمية والأدبية والسياسية مع الأمن من المفاسد الدينية ونزعات الالحاد، وإباحة الفسق والفساد، فليختر لنفسه بعض هذه الجرائد والمجلات،
ومن رغب عنها إلى الصحف التي ينشرها بعض الملاحدة أو الكفرة لإفساد عقائد المسلمين وأخلاقهم وتفريق كلمتهم ويجذبون الشبان إلى قراءتها بصور النساء العاريات وغير ذلك من مثارات الشهوات فهم يجنون على أنفسهم وعلى أمتهم وبلادهم من حيث لا يشعرون.