قال محمد نور الدين صحراوي وهو أشهر مهندس معماري في الجزائر حاليا إن الأشغال التمهيدية لبناء جامع الجزائر الأعظم ودار القرآنس انطلقت بأعمال تهيئة الأرضية في منطقة « الخروبة» في الجناح الشرقي للعاصمة الجزائر. و أكد أن كل الجوانب الإدارية والقانونية تمت تسويتها كما توفر القدر الكافي من المال للانطلاق على أن تتعزز الميزانية بالتدريج وبحسب التقدم في الإنجاز.
وكان المعماري الجزائري قد طرح فكرة بناء جامع فريد من نوعه في الجزائر يجمع بين الهندسة العربية الإسلامية وما توصلت إليه التصاميم الحديثة في الغرب، وتحدث عام 2000 في الموضوع مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة شخصيا بمناسبة الأسبوع الأول للقرآن الكريم الذي صار منذ ذلك التاريخ تقليدا ينظم كل عام. صحراوي وعد بوتفليقة بأن يكون الجامع وملاحقه تحفة معمارية نادرة بل سيصبح «العنوان» الذي تعرف به الجزائر مثلما تعرف باريس ببرج إيفل و كوالالمبور ببرجيها العاليين والقاهرة بجامع الأزهر.
وقال المهندس المعماري لبوتفليقة بالحرف «لدي أفكار وتصاميم غير مسبوقة لو حسدناها سنكون أول من يعطي معمار المساجد نمطا جديدا يكسر كل القواعد السابقة سواء من حيث المظهر الخارجي وتقسيم الفضاءات الداخلية للمسجد» وقدم له مجسما مصغرا للفكرة التي يريد تجسيدها، فرأى فيها بوتفليقة ثورة حقيقية في البناية الإسلامية، فرحب بالفكرة و طلب من المهندس الاستمرار في البحث،
و ذكره فقط بجانب قوة البنيان وأمانه لأن الجزائر مدينة تقع على محور زلزالي نشيط، لذلك وجب أخذ هذا المعطي بالاعتبار عند التصميم وتحديد التكاليف وما إليها. واليوم وبعد خمس سنوات من عرض الفكرة صار المشروع يحظى باهتمام شعبي وسمع الجميع بأن جوهرة معمارية ستقام في منطقة الخروبة، وأقيم بالمكان لوح كبير يحمل صورة تذكارية لليوم الذي عرضت فيه الفكرة، وتضم الصورة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والمهندس المعماري محمد صحراوي و وزير الشؤون الدينية والأوقاف الدكتور غلام الله بوعبد الله.
وكان ذلك إيذانا بقرب بداية الأشغال. وفي المدة الأخيرة انطلقت الجرافات لتسوية الأرضية بإشراف مباشر من المهندس وبرعاية أكيدة من رئيس الجمهورية. وسألت «البيان» محمد صحراوي: أين أنتم من المشروع؟ فأجاب: «كل شيء جاهز نحن في اللمسات الأخيرة الأشغال التمهيدية بدأت وسنشرع قريبا في وضع الأسس» وأوضح أن المشروع سمي «جامع الجزائر الأعظم ودار القرآن» وجاءت التسمية هكذا مركبة لدور المؤسسة الجديدة في الحياة.
فهي دار عبادة ودار تعليم القرآن وما يتبعه من تفسير وفقه. وقال صحراوي إن الجامع سيكون الأكبر في إفريقيا ومئذنته ستكون الأعلى، وسيغير عند بنائه الواجهة البحرية لشرق العاصمة كليا. يضم المسجد فضاء واسعاً للصلاة يتسع لنحو مائة وثلاثين ألف مصل ويشمل ملاحق علمية و ثقافية و حتى تجارية.
مما يؤهله لأن يكون تحفة فريدة من نوعها في إفريقيا و حتى في الوطن العربي، ليس من حيث حجمه فحسب، وإنما بالثورة المعمارية الجديدة التي يصمم بها. ويتربع جامع الجزائر الأعظم على مساحة عشرة هكتارات وهي أكبر مساحة شاغرة توجد على مشارف وسط مدينة الجزائر، ويتميز الموقع بكونه على أمتار من محطة القطار شمالا و الطريق السريع شرقا وقريب جدا من البحر.
وتوجد على مقربة منه كلية الشريعة التابعة لجامعة الجزائر، وحسب مهندس المشروع فإن مساحات إضافية ستهيأ قريبا بإزالة مجموعة من المباني القديمة لتقام مكانها حدائق وأحزمة الربط بين الطرق الرئيسية ضمن إعادة هيكلة شاملة لهذا الجزء من المدينة. وتشير المعطيات الهندسية المدونة على جوانب المجسم أن الساحة الكبرى للمسجد ستكون مرتفعة على سطح الأرض، ما يجعلها مرئية سواء من ناحية البحر الذي هو يجاورها أو من أية نقطة من العاصمة.
واختيار هذا الموقع كان مدروسا بعناية، لأنه يساهم في الرفع من قيمة المبنى ويجعله معلما كبيرا وصرحا مميزا في المحيط المجاور وفي الجزائر ككل. المشروع كما هو على الورق أو المجسم في حجمه لا يعطي الانطباع بأن الأمر يتعلق بمسجد، لان الطابع المعماري لصومعته يأخذ شكلا هرميا موغلا في العلو، ويشكل إلى جانب لواحقه ( المكتبة والمدرج وقاعات الصلاة والوضوء) مركبا ذو نمط معماري مميز حتى لا نقول غربيا،
وهو الانطباع الذي نقله الراحل «محفوظ نحناح» رئيس حركة مجتمع السلم وهو من أهم الشخصيات الإسلامية في الجزائر في الثلاثين سنة الأخيرة إلى المعماري محمد صحراوي بمناسبة الإعلان عن المشروع. وإزاء مثل هذه التساؤلات يقول المكلف بالإنجاز «إن النمط المعماري الذي اخترته ليس مجرد عرض مهارات أو تسجيل اختلاف عن المألوف أو محاولة لفت الأنظار،
لكنني سعيت أن أجد للمبنى في هندسته وجماليته شموخا يلائم شموخ دوره ومهامه الدينية والإنسانية والعلمية... مع قدر من العفوية وعدم التقيد في الشكل والحجم... حاولت إذن أن أبرز الطبع المقدس للمكان في فن معماري فخم». ويطرح الشكل المختار للمشروع بالفعل تساؤلات عدة: هل يمكن تجاوز المعمار الإسلامي المألوف في بناء المساجد وتوظيف الأبعاد الحديثة جدا للبناء وفق مقاييس التطور التكنولوجي الهائل الذي يعرفه عالم اليوم؟
هل يمكن الجمع بين الحفاظ على روح و وظيفة المسجد وتغيير شكله بما يجعله مغايرا تماما للأشكال التي اعتاد عليها المسلمون منذ قرون طويلة؟ ألا يزرع هذا الشكل «الغريب» لدى المصلين إحساسا بأنهم يؤدون الصلاة في مكان غير المسجد؟
أسئلة طرحت بمجرد عرض المشروع وأخرى كثيرة ستطرح بلا شك حين يقوم البنيان. وجاء رد محمد صحراوي المهندس المعروف بإبداعه في بناء القصور والعمارات الشاهقة في العاصمة الجزائر بأسئلة فيها الكثير من الحث على التفكير على منوال: لم لا نستفيد من التطور الكبير الذي وصل إليه العالم في مجال العمران خاصة ونحن في مطلع الألفية الثالثة؟ بل ما جدوى الانكفاء على الموروث المعماري الإسلامي إذا طرحت أمامنا بدائل أقنعتنا بأنها أجمل وأنسب للعصر؟
ألا يحق أن يتغير معمار المسجد مع هذا التطور؟ هي في الحقيقة ردود على كثيرين انتقدوا مشروعه على أنه خارج «الكتالوج» أو النماذج المعمارية الخاصة بالمساجد حتى أن البعض قالوا إنه أقرب إلى فن العمارة الغربية منه إلى المسجد. وخاض صحراوي نقاشا طويلا عريضا لإبراز مزايا النموذج الجديد الذي اعتمده، فالأمر لا يتعلق فقط بالمظهر الخارجي من تصاميم الجدران وارتفاع الصومعة والساحة الفسيحة التي يتربع فيها،
ولكن بنظرة شاملة للموضوع وبفلسفة بناء تستند إلى توظيف التكنولوجيا لحل معضلات كانت قائمة. فمن ميزات الجامع الأعظم في الجزائر مثلا أنه استغنى عن الأعمدة داخل قاعة الصلاة، وهذا المشكل كان موجودا دائما ولم تستطع الهندسة التقليدية تجاوزه. ومعلوم أن الأعمدة تقف داخل الصفوف، مع أن التعاليم الإسلامية والسيرة النبوية تشدد على ضرورة تواصل الصفوف وتراصها عند إقامة الصلاة.
ومشروع محمد صحراوي يجعل قاعة الصلاة فضاء واسعا وممتدا ولا يحول بين المصلين أي حائل، فضلا على أن هذا الاختيار يوفر أماكن إضافية للمصلين. وتصب هذه النية حسب المهندس في إرادة الخروج عن الأنماط التقليدية المعروفة وإيجاد أحجام غير متوقعة ذات أنوار وظلال متعاكسة تتماشى مع عصر الألفية الثالثة، دون هجران التقاليد والموروث الحميد.
يمتد الجامع الأعظم على مساحة واسعة ويتكون من عدة ملاحق زادت من قيمته الدينية والعلمية، ومن جماليته المعمارية، وخدماته المتعددة. فبالإضافة إلى قاعة الصلاة والمئذنة التي تناطح السماء هناك المكتبة الكبرى والمدرج ودار القرآن ومصالح الإطعام والإيواء ومحلات أرضية للنشاطات الحرفية والثقافية، وموقف للسيارات.....
وتبرز من المركب المعماري بشكل ملفت للانتباه المئذنة التي يصل علوها إلى 225 مترا. حيث تنطلق في السماء على خمسة أعمدة من الخرسانة المسلحة. ذات قاعدة عريضة قبل أن تلتقي تلك الأعمدة الخمسة، التي ترمز لأركان الإسلام الخمسة، في نهايتها مشكلة هرما تنطلق من قمته صومعة صغيرة رباعية الشكل.
وتتوفر إحدى زوايا المئذن الخمسة على مصعد كهربائي من زجاج مزركش مثبت في هيكل حديدي يمر على الفروع الأربعة للمبنى بحيث يمكن مستقله من الوقوف على مشهد بانورامي فريد من نوعه يطل على خليج الجزائر. وتبدو المئذنة وقد وجهت باتجاه الجنوب الشرقي من المشروع للتدليل على اتجاه القبلة.
و يؤكد السيد صحراوي أن النمط المعماري للمئذنة مستمد من البرج الشمالي لمسجد مدينة دمشق الكبير، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن. و هي ذات شكل مربع مستلهم من الشرق على غرار مئذنة مسجد القيروان، و كذا مئذنة الجامع الكبير بمدينة قرطبة بالأندلس. غير أن مئذنة الجامع الأعظم بالجزائر تفوق بكثير كل تصاميم المآذن القديمة، من ناحية طريقة البناء و من ناحية العلو، و من ناحية الجمال والأناقة أيضا.
وقد تم تزويدها بجهاز ينبعث منه شعاع من الليزر ليلا باتجاه القبلة تم تثبيته في قمة المئذنة. أما قاعة الصلاة فتزهو نهارا بشبكة من أشعة الضوء تنبعث من الزجاج الملون الذي بنيت به الجدران. كما تبدو وقد صممت على شكل دائري دقيق بقطر يبلغ 120 مترا و هو ما يجعلها تستوعب مع السدة و كذا صحن الصلاة الذي تشكله الساحة الموجودة تحت قاعة المسجد، أكثر من 30 ألف مصل.
وتنفتح هذه القاعة للصلاة على رحاب محفوف دائري يؤدي إلى مكان الوضوء والى المعهد الإسلامي (المدرسة القرآنية، وإلى المكتبة و المدرج و قاعات الملتقيات. و من شأن الفضاءات المتبقية غير المغطاة أن تتسع لما لا يقل عن 70 ألف مصل عندما يكون الطقس مناسبا، لتصبح المحصلة 100 ألف مصل في المجموع. أما الجانب المالي فتضمن الدولة جزءاً منه، ويغطى الجزء الباقي بتبرعات المحسنين من المواطنين.
ويكلف المشروع حسب صاحب الدراسة حوالي 20 مليار دينار، وهو أقل بكثير من الرقم 60 ملياراً التي تطلبها بناء «مقام الشهيد» قبل أكثر من عشرين عاما غير أن هذه القيمة مرشحة للارتفاع وقد خصصت الحكومة في قانون المالية لسنة 2005 ميزانية لهذا الغرض.
ويرتقب أن تتعمم هذه الخطوة على مدار مدة الإنجاز المقدرة بخمس سنوات. وقد قدمت الحكومة وشركات كبرى عمومية وبعض المساهمين من رجال المال والأعمال ضمانات بالتغطية المالية للمشروع. و يتوفر المركب على محلات تجارية و ثقافية تساهم مدخولاتها في تمويل جزئي لبعض تكاليفه و ضمان حد أدنى من الصيانة، فضلا عن توفير حوالي خمسة آلاف فرصة عمل في وسط يعج بالآلاف من العاطلين.