هو كعب بن مانع الحميري ـ نسبة ـ إلى حمير، أبو اسحق المعروف بكعب الأحبار ـ وقال البخاري ويقال له كعب الحبر يكنى أبا إسحق من آل ذي رعين أو من الكلاع..! وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أي بالغا، غير أنه لم يسلم إلا في خلافة عمر علي الراجح، وذكرت روايات أنه لما قدم علي ـ رضي الله عنه ـ اليمن وسأله كعب عن صفات النبي فأخبره، ووجدها مطابقة لما في التوراة، أسلم لكنه تأخر في القدوم إلى المدينة، كما ذكر أن أباه كان كتب له كتابا ليعمل بما فيه.
إلا أنه ختم على شيء منه، وأمره أن لا يفض الختم، وعزم عليه بذلك، فلما رأى ظهور الإسلام قال لعل في هذا الكتاب المختوم شيئاً يتصل بهذا الحدث، ففضه فوجد صفة النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، ثم قدم المدينة، ثم انتقل إلى الشام، ولأنه كان على علم من أحاديث أهل الكتاب، فقد كان يقص على الناس، فذكر له عوف بن مالك، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو متكلف» فكف عن القص حتى أمره معاوية،
ولكن معاوية لا يتحمل مسؤولية أو تبعة ما كان يلقيه على الناس، فإن ما كان يلقيه لا يدخل دائرة الصحة دائماً أو غالباً، لأن ما تعلمه عن أسلافه من أهل الكتاب مشوب بالسوء والانحراف والغش والتضليل، ومن ثم فقد حدث حميد بن عبدالرحمن بن عوف فقال: سمعت معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعبا فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وان كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب،
وهذا القول أخرجه البخاري، وأوله بعضهم بأن مراده بالكذب عدم وقوع ما يخبر به أنه سيقع لا أنه هو يكذب.. وأخرج ابن أبي خيثمة بسند حسن عن قتادة قال: بلغ حذيفة ان كعباً يقول: إن السماء تدور على قطب كالرحى، فقال: كذب كعب إن الله يقول: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) ووقع ذكره في عدة مواضع في الصحيح..
وتستطيع أن تقول باطمئنان ان كعباً نقل إلى المسلمين ما تلقاه عن أهل الكتاب من روايات وهذه الروايات لا يشترط صحتها، أو اتفاقها مع العقل، أو اتفاقها مع مضامين الإسلام وقد لا نذهب بعيداً إن قلنا، ان الروايات المنقولة عن أهل الكتاب التي تتحدث عن أمور غيبية على أنها ستقع، دون بينة صحيحة تستند على مفهوم إسلامي أو سند إسلامي صحيح، قد تكون مبثوثة بين المسلمين عن عمد، لترويج الإشاعات المكذوبة.
في المحيط الثقافي للمسلمين؛ الذين يحسنون الظن بما يلقى إليهم، لا سيما إن كان عن لسان أمثال علماء أجلاء ككعب الأحبار، أو وهب بن منبه أو تميم الداري أو من شابههم..!! وكعب الأحبار يذكر روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يلقه ولم يره، فيرسل عنه، ويروي عن عمر وعن صهيب وعن السيدة عائشة، وروى عنه من الصحابة، معاوية وأبو هريرة وابن عباس، وبقية العبادلة، وعطاء بن أبي رباح، وغيره من التابعين.
وتظهر حفاوة الكثيرين من الصحابة والتابعين بما ينقل إليهم عن كعب، لأنه جديد عليهم فقد روى ابن سعد قال: ذكروه لأبي الدرداء فقال: «إن عند بن الحميرية لعلما كثيراً» والظاهر أنه أراد مما يتعلق بكتب أهل الكتاب، وقال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عند العلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين، وروى عن ابن حجر قوله: كان من أخيار الأحبار..!
وكعب بن مانع ـ أي كعب الأحبار ـ لم يتهم بالكذب، ولم يتهم بالوضع والاختلاق، والجمهور على توثيقه، وإن كانت شهادة معاوية التي ورد فيها: «وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» قد تخدش كعبا في بعض مروياته، إلا أنها لا تعني أنه هو الذي يختلق الكذب، وإنما تعني أنه يروي الكذب، والكذب هنا هو ما تلقاه عن أهل الكتاب،
وهذا ما نقله الرواة عن رأى ابن عباس في كعب من قوله: «بدلَّ من قَبْلُهُ فوقع في الكذب » ومقالة ابن حيان في (الثقات): أراد معاوية أنه يخطيء أحياناً فيما يخبر به، ولم يرد أنه كان كذابا.. ومقالة ابن الجوزي: المعنى: أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا، لا أنه يتعمد الكذب.
والظاهر أن سيدنا معاوية ـ رضي الله عنه ـ لم يقل مقالته هذه في كعب الأحبار إلا بعد أن اختبره في مروياته وآرائه فوجد بعضها لا يوافق الحق والصدق، وأنه كان يذكر آراءً وأقوالاً ليست صحيحة، وتحتاج إلى المراجعة والتثبت. وليس أدل على ذلك ـ إن صحت الرواية ـ من هذه الحادثة التي كانت بين معاوية وكعب، ورواها ابن لهيعة ـ وهو متهم في أمانته ـ قال: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد ابن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الاحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!
فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك، فإن الله قال: (وآتيناه من كل شيء سببا).. وهذا إن صح؛ يدل على أنه كان يذكر آراء من عند نفسه، وباجتهاده في بعض الآيات، وهي غير صحيحة، وإلا فلو كان موجوداً في التوراة أو في غيرها لكان الاقرب في الرد أن يقول: وجدت ذلك في كتب الأولين.
وقد علق الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ورضي الله عنه ـ فقال: وهذا الذي أنكره معاوية ـ رضي الله عنه ـ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في هذا الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب، يعني فيما ينقله، الا انه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه: أنها من الاسرائيليات التي غالبها مبدل، مصحف، محرف، مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر ـ الله تعالى، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل على الناس منها شر كثير، وفساد عريض.
وتفسير كعب قول الله تعالى: (وآتيناه من كل شيء سببا) بأنه يربط خيله بالثريا غير صحيح، ولا مطابق للواقع، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وانما التفسير الصحيح: ان الله يسر له الاسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الاقاليم والبلاد، وكسر الأعداء، وكبت الملوك وإذلال أهل الشرك، فقد أوتى من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سبباً..
وكذلك موقف أبي هريرة منه حين أفتى بأن ساعة الإجابة يوم الجمعة، في جمعة واحدة من العام وليست في جميع أيام الجمع، فيرد عليه أبو هريرة بأنها في كل جمعة، فيرجع إلى التوراة فيرى الصواب مع أبي هريرة، فيرجع إليه، وبعد ذلك يسأل أبوهريرة عبدالله بن سلام عن هذه الساعة، قائلاً: أخبرني ولا تضن عليَّ، فيجيبه ابن سلام: بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة،
فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي؟!.. وتلك الساعة لا يصلي فيها، فيجيبه بقوله: ألم يقل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم «من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي»..!
علي عيد