هل جرى هذا اللقاء حقا بين جمال الدين الأفغاني، النهضوي المسلم، الذي يعتبر أستاذ كل ذلك الجيل من أصحاب الفكر التنويري الإسلامي والعربي في القرن التاسع عشر، وبين السلطان عبدالحميد؟ وهل حقا أن الأفغاني كان من الجرأة بحيث راح، كما يروي لنا، يملي على السلطان تفاصيل مشروع سياسي متكامل؟

لن نعرف أبدا حقيقة الأمر.. لكن الأفغاني يرويه بثقة وتفصيل، كجزء من خاطراته (مذكراته تقريبا) التي كان يمليها على محمد باشا المخزومي، احد حوارييه والتي عاد هذا وأصدرها في كتاب يعتبر أشبه بسيرة ذاتية للأفغاني. وهنا حكاية ذلك اللقاء كما رواها الأفغاني.

يقول الأفغاني في هذا النص الفريد إنه حين اجتمع بالسلطان عبدالحميد في خلوات عديدة، كاشفة «في أكثر هذه المواضيع»، فكان يسمع بكل إصغاء، و«لكنه في النتيجة كان قليل الاحتفاء بكل ما قلته له»، وفهم الأفغاني من أوضاع السلطان وأسارير وجهه أنه لا يعتقد أن قبول اللسان العربي، وفكرة الفاتح والسلطان سليم بذلك، صوابا، وفي المقابل، بدا واضحا أن عبدالحميد لا يحب أن يعترف أن توغل العثمانيين في أوروبا وفتحهم شبه جزيرة البلقان كان خطأ.

ويعلق الأفغاني على هذا بقوله: «نعم.. إن زمن العمل قد مضى وانقضى، وكان الحزم في إخراج تلك التصورات إلى حيز العمل والدولة العثمانية إبان عزها وأشكال قوتها وبأسها، أما اليوم فالأمر للقوة، والطاعة على الضعيف، وليس باستطاعة عبدالحميد أن يفعل ما كان بإمكان السلطان الفاتح أو السلطان سليمان أو السلطان سليم أن يفعله».

ويتابع الأفغاني حكاية اللقاء مع عبدالحميد قائلا إنه سأله أن يأذن له بتقديم لائحة في تصوراته لتحسين حالة المملكة والتحوط بصونها من مطامع الأعداء. فأجابه عبدالحميد: «لا أريد أن تكتب شيئا من ذلك، إذ لا أحب أن يطلع أحد على ما يدور بيننا، بل قل ما تشاء، أن تكتبه بكل صراحة وحرية، وأنا لك من السامعين».

فقال الأفغاني: «أيعتقد جلالة السلطان أن مصر لو بقيت ولاية ترسل إليها الولاة من الأستانة، مثل باكير باشا ومحمد باشا اليدكشي وأمثالهما، لجمع الأموال من غير وجهها، وتوزيعها على رجال الدولة هنا فقط، على ما هو مشهور وغير خاف على جلالتكم، هل هو خير لمصر وأهلها والسلطنة؟ أم من الأفضل جعلها خديوية، كما هي قبل الإنجليز خاضعة للدولة، ومن الأجزاء المتممة للسلطنة، يأتمر خديويها بأمركم والعساكر المصرية عثمانية تسرع إلى تلبية الأمر باللحاق بالسلطان مع جيوشه وتكون بكل المعنى رعية خاضعة طائفة؟».

وهنا، حسب رواية الأفغاني فكر السلطان مليا وحول وجهه نحو النافذة حتى ظن المفكر أن الحديث أساء السلطان وأنه لا يحب الخوض فيه ولا العودة إليه. ولكن يبدو أن ظن الأفغاني لم يكن صائبا إذ «هو بغتة التفت وتوجه بكليته إليّ، وكأنه قد انتهى من ذكر ما جرى من محمد علي باشا وكيف أنه كان يستخلص السلطنة العثمانية فتحا بالقوة وقال: «لو قلنا إن وجودها خديوية أحسن من بقائها ولاية.. ثم ماذا؟».

فأجابه الأفغاني: «يا مولاي إن السلطنة العثمانية تتألف اليوم من ثلاثين ولاية، ومساحة أملاكها في آسيا فقط ستمئة وواحد وستين ألف ميل مربع (ومساحة بريطانيا وايرلندا معا، ماية وعشرون ألف ميل.. فتأمل!). فتبدأ بالبعيد والمطموع فيها مثل طرابلس الغرب فتجعلها خديوية، ثم إلى ولايات بغداد والبصرة فالموصل فتجعلها خديوية، وإلى بيروت وسوريا وحلب مع القدس فتجعلها خديوية، ثم إلى جزائر بحر سفيد وكريد مع أدرنة وسلانيك فتجعلها خديوية، ويشترط عليها تعزيز العمارة البحرية قبل كل شيء».

ويتابع الأفغاني موجها حديثه إلى السلطان فيتحدث في المعنى نفسه عن الحجاز ثم اليمن، ثم ينصح عبدالحميد بتحويل الأناضول نفسه إلى ثلاثة خديويات، ويصل إلى تقسيمات جديدة لبلاد الألبان.. مستنتجا: «وهذه يا مولاي عشر مما لك كل منها أعظم موقعا من اليونان وأكبر مساحة وأخصب أرضا وأنشط قوما وأرجح عقلا. وما يقعدهم عن اللحاق بمن انفصل عن السلطنة العثمانية أو التفوق عليهم، إلا شكل الحكم وقيود الأغلال المركزية القاتلة للهمم، الموهنة للعزائم».

وإذ يأتي الأفغاني، منتقدا، على ذكر الحال الراهن ـ في ذلك الحين، يتجرأ حسب روايته، ويتابع قائلا للسلطان: «إن من يرسل إلى تلك الولايات من الولاة اليوم أحد رجلين، إما الخامل البليد، المرتكب وهمه جمع المال وتوسيع الخراب. وإما الرجل النشيط العاقل، وليس له من الأمر شيء، إلا استئذان الباب العالي بترميم جسر في بغداد، مثلا، سقط منه حجران أو أكثر، فلا يصدر الإذن إلا بعد أشهر وأعوام، وبعد أن يكون طغيان النهر قد جرف كامل الجسر!

أما الخديويات يا مولاي فإن أولى من تفوضها إليهم أهل بيتك من أمراء آل عثمان، فتخلصهم من القعود مع النساء، وتربية الخصيان، فيحسن بالضرورة كل منهم ما تولاه من أجزاء السلطنة، ومصير ذلك التحسين والخير إليه وإلى أسرته، ويكون مع كل أمير، وزير فاضل أمين.

ثم لا أرى يا مولاي، من العهد ببعض الخديويات إلى من عرف، من الوزراء، بالإخلاص والهمة ورجاحة العقل، ومن غير الوزراء أيضا. وجلالة السلطان إذا شاء وفتش عنهم وجدهم في غير حاشيته الذين يدخلون على بلاطه، ولحضوره الذين يحشون آذانه بالباطل، ويمنعون عنه كل حقيقة، ويقصون عن قربه كل فاضل».

فماذا كان رد فعل السلطان على هذه المرافعة؟ بكل بساطة يخبرنا الأفغاني أنه رأى السلطان، وهو على تمام الإصغاء وقد تقطب وجهه وعلته كآبة امتعاض وحزن.. فإذا بالمفكر يتدارك الأمر ويقول بسرعة: «يا مولاي وعزة الحق وبولاء لأمير المؤمنين، إن ما ساقني إلى ما قلته إلا الإخلاص والحرص على ملكك، والغيرة على الدولة والممالك الإسلامية الشرقية، التي ليس لجمع شتاتها وتوحيد كلمتها إلا الاعتصام والانضواء تحت لواء الخلافة.

وجلالتك ترى أن أجزاء السلطنة أخذت تتفكك، الجزء بعد الآخر، فصار من الواجب نظم الممالك وأجزائها، بسلك من النظام أوثق وأشد وأحكم. وما وجدت ذلك السلك إلا بذلك الشكل الذي قدمت». ولما انتهى الأفغاني من كلامه هنا حتى هز رأسه وتناول لفافة من التبغ، أسرع في تدخينها وقال: «ماذا تركت يا حضرة السيد للسلطان؟ وما أبقيت لتخت آل عثمان؟»، فأجابه الأفغاني: «يبقى جلالة مولاي السلطان ملك أولئك الملوك، وينضم إلى العرش العثماني عشرة عروش غير عرش مصر.

ثم حتى نهضت تلك المقاطعات والخديويات، وأخذت تصيبها من الرقي والعمران وصارت، مثلا، خديوية العراق مثل خديوية مصر ثروة وانتظاما، لا شك في أن إيران تسرع لمقام السلطنة العظمى للاتحاد معها، إذ هي في أمس الحاجة لشد الأزر، ولصون كيانها من مطامع الغرب الموجه عموما نحو عموم دول الشرق».

واستطرد الأفغاني قائلا هنا إن الأفغان ستحذو عند ذاك حذو إيران ولن يقعد الهند وراجاتها وأمراؤها عن ذلك، ويتابع الأفغاني هنا روايته ويقول: «أما السلطان عبدالحميد، فكان يسيء الظن لا يأمن أحدا ويسيء الظن في كل واحد، لذا قال له: «يا حضرة السيد، هل اجتمعتم بإسماعيل كمال بك في هذه الأيام؟» وعلى الفور أدرك الأفغاني ما كان يرمي إليه السلطان بهذا الكلام.. ذلك أن إسماعيل كمال بك كان قد كلف بولاية طرابلس،

ما يعني أنه كان يرغب في توسيع صلاحياته، ومن هنا كل هذه المرافعة التي أتى بها الأفغاني. وإذ هال الموقف والإشارة هذا الأخير قال بسرعة: «يا مولاي أعتقد أنني لا أسخر ضميري لجد العرب إسماعيل بن إبراهيم الخليل، إذا فما أبعد إسماعيل كمال أن يسخرني أو أسخر له. أنا ما اتبعت فيما عرضت لجلالتكم إلا داعي النصح والإخلاص».

هنا استنكف السلطان، ودائما حسب رواية الأفغاني عن الرد على ما قال هذا الأخير، بل اكتفى قبل أن ينهي الجلسة بإشارة من يده، بأن ردد على مسمع الفكر مثلا تركيا هو «آت اسكدردن كجندي», الذي يترجمه الأفغاني بـ «أن الجواد اجتاز اسكندار»، وهو مثل يضرب عادة في تركيا ويعني أن الأمر قد فات ولا حيلة بعد فيه أو «سبق السيف العذل».