كثر في الآونة الأخيرة الكلام عن وضع غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وصوبت السهام من كل اتجاه إلى عقيدة المسلمين، وألصقت بالمسلمين التهم الباطلة والدعاوى الزائفة بما يعانيه غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وأكد البعض أن هؤلاء الذميين يعيشون تحت وطأة قوانين ظالمة ونظم جائرة.

وأعلن بعض أهل الغرب والشرق على حد سواء حربا لا هوادة فيها، محاولين بذلك تشويه صورة الإسلام وأهله، مدعين كذبا وزورا في كل وسائل الإعلام اضطهاد المسلمين لأهل الذمة.حول هذا الموضوع يقدم لنا الدكتور حسن علي حسن، كتابه المهم: «أهل الذمة في المجتمع الإسلامي».

* عقد الذمة!

في البداية يعرف المؤلف أهل الذمة بأنهم المواطنون غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، والذمة كلمة معناها العهد والضمان والأمان، وإنما سموا بذلك لأن لهم عهد الله ورسوله وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام وفي كنف المجتمع الإسلامي آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم بناء على عقد الذمة، فهذه الذمة تعطى أهلها من غير المسلمين «الجنسية السياسية»، التي تعطيها الدولة لرعاياها، فيكتسبون بذلك حقوق المواطنين ويلتزمون بواجباتهم.

فالذمي على هذا الأساس من أهل دار الإسلام كما يعبر الفقهاء، أو من حاملي الجنسية الإسلامية كما يعبر المعاصرون، وعقد الذمة مؤبد يتضمن إقرار غير المسلمين على دينهم وتمتعهم بحماية الجماعة الإسلامية ورعايتها بشرط بذلهم «الجزية» والتزامهم بأحكام القانون الإسلامي في غير الشؤون الدينية، وبهذا يصيرون من أهل دار الإسلام. فهذا العقد ينشئ حقوقا متبادلة لكل من الطرفين: المسلمين وأهل ذمتهم بإزاء ما عليه من واجبات.

* إليك المصير

ويتحدث المؤلف عن موقف القرآن الكريم من أهل الذمة، موضحا أنه يأمر المسلمين بالإيمان بكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله على رسله السابقين، ومن ذلك قوله تعالى في سورة «البقرة»: «والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون»،

وقوله سبحانه في سورة «البقرة»: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» وقوله عز وجل في سورة، «البقرة»: «قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون»،

وقوله سبحانه في سورة «النساء»: «إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا»، وقوله سبحانه في سورة «غافر»: «الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون».

كما ورد في القرآن الكريم أكثر من آية عن الكتب السماوية ومنزلتها السامية، إذ وصفت التوراة بالهدي والنور في سورة «المائدة»:«إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور»، كما وصفت التوراة بالهدي والرحمة في سورة «القصص»: «ولقد أتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون»،

كما وصفت التوراة بالفرقان والضياء في سورة «الأنبياء»: «ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين».أما الإنجيل فقد وصف بالهدي والنور والموعظة في سورة «المائدة»: «وأتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين».

* بنيان واحد!

وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن موقف السنة النبوية المطهرة من أهل الذمة، مشيرا إلى أنها جسدت نظرة الإسلام إلى الديانات السماوية السابقة، تلك النظرة القائمة على المودة والتسامح، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم المرسلين».

فالرسول عليه الصلاة والسلام يرى أن الأنبياء جميعا يأخذون من مشكاة واحدة ويدعون إلى إله واحد، فدين الله في حقيقة الأمر هو بنيان واحد عملت فيه أيدي الأنبياء جميعا. وفي سلوك النبي صلى الله عليه وسلم تجاه أهل الذمة ما يؤكد سماحة الإسلام وألا يكره ذمي على ترك دينه، فقد أشار الطبري إلى أن رجلا يقال له الحصين من بني سالم بن عوف كان له ولدان مسيحيان وهو مسلم فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عما كان يجوز له إكراههما على اعتناق الإسلام

وهما يرفضان كل دين غير المسيحية فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كما كانت إحدى نساء بني قريظة وتدعى «ريحانة» من نصيب الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى معاركه فعرض عليها الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملكك وأبت إلا اليهودية فقربها الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أسلمت بعد ذلك.. كما كتب صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وهو باليمن ألا تفتن يهوديا عن يهوديته.

* أمور محددة!

ويتوقف بنا المؤلف عند حقوق أهل الذمة وواجباتهم، مبينا أن لهم من الحقوق في البلدان الإسلامية ما للمسلمين بما له من سلطة شرعية وما لديه من قوة عسكرية أن يوفر لهم الحماية. ومن المواقف التطبيقية لهذا الموقف الإسلامي موقف شيخ الإسلام ابن تيمية حينما تغلب التتار على الشام وذهب الشيخ ليكلم «فطالوا شاه» في إطلاقه الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة،

فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بإفتكاك جميع الأسرى والنصارى، فهم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.وكما أن المسلمين ملزمون بحماية أهل الذمة من أي عدوان خارجي، كذلك هم ملزمون بحمايتهم من أي عدوان داخلي، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال كثيرة منها قوله عليه الصلاة والسلام: «من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة»،

وقوله صلى الله عليه وسلم أيضا: «من آذى ذميا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله».ودماؤهم حرام بالإجماع، يقول صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما».وكما حمى الإسلام أنفسهم من القتل، حمى أبدانهم من الضرب والتعذيب، فلا يجوز الأذى بأجسامهم ولو تأخروا أو امتنعوا عن أداء الواجبات المالية المقررة عليهم كالجزية والخراج، هذا مع أن الإسلام تشدد كل التشدد مع المسلمين إذا منعوا الزكاة.

القاهرة ـ مصطفى علي محمود