يتجاوز شهر رمضان الكريم مساحته الدينية إلى كونه فرصة لعرض أفضل الأعمال الدرامية والكوميدية العربية، وهو بطاقة تعريف كذلك بفناني المسلسلات الرمضانية التي عادة ما تضم نخبة النجوم في أعمال يأمل أن تكون ناجحة على المستوى العربي.. والفنان القطري غازي حسين، أحد هؤلاء النجوم الذين ساهموا خلال السنوات القليلة الماضية في أعمال درامية قطرية وخليجية.

وكان لهم بصمتهم في الشهر الفضيل تحدث غازي حسين للبيان عن ذكرياته المهنية مع رمضان، كما استعاد الفنان القطري أيامه العذبة على موائد الفطور والسحور، والمواقف الطريفة التي عايشها منذ الخمسينات وحتى اليوم..سألناه كيف تجد الفرق بين رمضان الخمسينات والستينات، ومعايشة الشهر الكريم في عصر الفضائيات..

هل هناك مسافة تلمسها تفصل الشهرين في ذاكرتك وتشعرك بالحنين؟

ـ بالطبع تختلف الحياة في الخمسينات والستينات عن الأيام الحالية التي يميزها التطور والطابع السريع للأحداث.. وأنا كأحد من عاشوا تلك الفترة ببساطتها ونقائها، أستطيع أن ألمس الفرق، خاصة وأني عشت في البيت الكبير، حيث يعيش الأب والأم والجد والجدة والعم وزوجة العم والخال وزوجة الخال كلهم في بيت واحد، يأكلون معا وينامون تحت سقف واحد..

فكان لطعم الجمع نكهة مختلفة خاصة وأني كنت ألهو مع أشقائي وأولاد عمي وأولاد خالي، بل ومع أبناء «الفريج» حيث يشكل الحي أسرة كبيرة واحدة.. واليوم نعيش كما ترى في كانتونات مغلفة منعزلة لا يربطنا سوى الإعلام والفضائيات.

* هل تتذكر أول يوم قررت فيه الصيام كطفل يخوض تجربة الكبار..؟

ـ أتذكر أني كنت في الثامنة من عمري، وكنت في المراحل الأولى من المدرسة الابتدائية، وقد قررت الصيام بمبادرة مني وليس بطلب من أحد، خاصة وأن الجو الديني للبيت قد شجعني على ذلك، وكان الأهل في تلك الأيام يعطوننا «أربعانات» أي مبلغ يعادل ربع ريال كمصروف يومي، كان مبلغا قليلا، لكنه يوفر الكثير في تلك الفترة، وطالما أني أردت الصيام، فقد قررت كذلك أن أشتري بالنقود السمبوسة والكباب،

وهذا ما فعلت بعد أن انتهى دوام المدرسة، وقام البائع بلفهما في ورق خاص وناولني إياهما، ولخوفي على هذه الوجبة الشهية، فقد أخفيتها في جيب ثوبي انتظارا للأذان.. وبغفلة مني أردت النوم لحين موعد الإفطار، ونمت لكني لما استيقظت اكتشفت أن اللفافة قد اختلطت بما فيها من دهن وسمبوسة وكباب مع الثوب وما نلت إلا إتلاف ملابسي وإغضاب والدتي.

* هل سبق أن أمضيت الشهر الكريم بعيدا عن الأهل، وكيف كانت التجربة..؟

ـ بالفعل حصل ذلك لما درست دورات الإعلام في القاهرة ولندن، لكن في القاهرة كنت في الحادية والعشرين وكانت التجربة مشابهة للحياة في قطر، وكانت سهلة، فمصر بلد إسلامي.. بعكس بريطانيا حيث يكون قضاء شهر رمضان فيها صعب للغاية.. في القاهرة استمتعت كثيرا بالأجواء الرمضانية والنفحات الدينية، وقضاء بعض الوقت في المقاهي الشعبية مثل قهوة الفيشاوي والذهاب لحي الحسين ومشاركة الأصدقاء أيامهم الجميلة مع الشهر الفضيل..

ولكن في بريطانيا كانت التجربة مختلفة وصعبة، حيث يطول النهار وتغيب الشمس على الساعة التاسعة.. كما أن تناول الناس للطعام أمامك يصعب عليك الصيام، ناهيك عن الملابس التي ترتديها النساء.. كل تلك المظاهر كانت تشعرني بالعزلة، وتزيد من غربتي وابتعادي عن عائلتي.

* هل تعلمت الطبخ في تلك الفترة، وما هي الوجبة التي تتقنها..؟

ـ نعم كنت أطبخ العديد من الوجبات، وكنت أجلب معي للقاهرة البهارات والأرز الخاص بالوجبات الخليجية التي أحسن طبخها مثل المكبوس، كما كنت أطهو المأكولات المصرية، ولكن في بريطانيا لم يكن بوسعي الطبخ.. لهذا عندما جاءت عائلة زميل كويتي لي اسمه صالح إلى لندن سعدنا كثيرا لأننا أخيرا كنا سنأكل الوجبات الخليجية في لندن، بعد أن كنا قد قضينا وقتا صعبا مع المأكولات الغربية التي لا تتناسب مع خصوصية رمضان.

* هل واجهت صعوبة في التوفيق بين عملك كفنان، وما يتطلبه الشهر الكريم من صيام وصبر..؟

ـ عادة ما أفضل أن أقضي أيام الشهر الكريم مع أولادي، ولا أقبل عادة التمثيل في رمضان.. لكن أحيانا يصدف ألا يكتمل العمل قبل بداية الشهر، فنضطر لاستكمال المشاهد خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر، ونوفق عملنا بحيث لا يتعارض مع الفطور والسحور، بحيث نؤدي المشاهد خلال فترة المساء وحتى الفجر، أو خلال النهار وحتى موعد أذان المغرب..

لكني مررت بتجربة قاسية خلال شهر رمضان الفائت، حيث شاركت في مسلسل من إنتاج تلفزيون قطر، اسمه «أواخر أيام اليمامة»، وكان يفترض أن يعرض المسلسل خلال شهر رمضان الماضي، لكن وبعد احتراق الديكور، اضطررنا لاستكماله خلال الشهر نفسه، وقمت بتمثيل شخصية الملك التبع حسان..

والمشكلة كانت أن الدور يتطلب الكثير من المكياج والملابس الثقيلة، وكان علي ارتداؤها طوال فترة التصوير، وكان يصعب علي الوضوء والصلاة وحتى الذهاب إلى الحمام لأن التصوير كان في مناطق صحراوية في البحر الميت بالأردن.. بل كنت أغادر عمان للتصوير الساعة الخامسة فجرا وأعود الساعة الثانية فجرا..

* كم عملا رمضانيا في سيرتك الفنية..؟

ـ العشرات.. فقد بدأت من منذ عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين بالأسود والأبيض، فكانت البداية مع فوازير رمضان من إنتاج تلفزيون قطر، وقدمت أعمالا رمضانية منذ بداية بث التلفزيون القطري، كما قدمت عشرات الأعمال الرمضانية للإذاعة والتلفزيون ومسلسلات الكوميديا ومسلسلات ذات طرح سياسي، ونقد اجتماعي كان آخرها مسلسلات من تأليف الكاتبة القطرية وداد الكواري، مثل «حكم البشر ويوم آخر».

* قدمت الكثير من الأدوار الشريرة، في مسلسلاتك الرمضانية الأخيرة، ما السر الذي يقف وراء ذلك..؟

ـ قدمت أدوار الأب الطيب كذلك.. لا أعرف ربما النص أو الصدفة.. في الحقيقة لا أحاول أن أضع نفسي في قالب ما.. لكني قدمت كذلك أدوارا مركبة ومعقدة لا تعني بالضرورة الشر أو الخير.. وأحاول عادة أن أحسن اختيار أدواري بحيث تنال رضاي بغض النظر عن كونها لشخصية شريرة أو طيبة

* هل لمست ردة فعل جماهيرية أو انتقادات لأدوارك الشريرة.. خاصة وأن دورك في مسلسل حكم البشر كان يظهر الشخصية التي أديتها بأنها رجل سكير يشرب على الدوام وهو أمر قد يخدش طبيعة الشهر الكريم..؟

ـ واجهت انتقادات عديدة حول كون الشخصية التي قدمتها تدمن الكحول.. بل سألني أحد أقاربي أتشرب في شهر رمضان؟!..

قلت له بداية هذا تمثيل ولم أكن أشرب فعليا وثانيا المسلسل عمل قبل شهر رمضان لكنه عرض خلال الشهر.. وواجهت انتقادات من الكثيرين.. بل الطريف ما حصل لي في دبي عندما ذهبت لمحل تجاري لأحد أصدقائي في سوق نايف، وهناك لم أجد الصديق فجلست انتظره ومعي ولدي، حتى مرت سيدتان ورجل من عرب إيران، وتوقفا وأمعنا النظر إلي، ثم دخلت إحدى السيدتين وكانت كبيرة في السن، وقالت لقد أقسمت على ضربك حين أراك..

أهكذا تفعل ببنات الناس وكانت تقصد دوري في حكم البشر.. فوافقت على أن تضربني برفق تنفيذا لقسمها.. ثم ضحكنا وقالت ان أدائي كان مقنعا للغاية.. والطريف كذلك لما ذهبت إلى أحد الأسواق التجارية في الكويت وكان معي الزميل عبد الله عبد العزيز.. وكانت الفتيات يأتين للسلام عليه فقط ويبتعدن عني ويقلن اني شرير.

* هل تعتقد أن الدراما الخليجية قد أصبحت قادرة على منافسة الدراما المصرية والسورية.. وهل استطاعت الدراما الخليجية أن تنقل شيئا من الثقافة الخليجية إلى بقية البلدان العربية..؟

ـ ما يمكن أن أقوله هو أن قناة إل بي سي اللبنانية قامت بعرض مسلسل من بطولتي اسمه «رحلة انتظار» مرتين، كدليل على نجاحه، ودليل على أن الدراما الخليجية أصبحت مطلوبة، دون أن نغفل طبعا مكانة الدراما المصرية والسورية التي لها خبرة أطول وباع في العمل التلفزيوني.. وبالفعل تعمل الدراما الخليجية جنبا إلى جنب مع الأغنية الخليجية على نشر الثقافة الخليجية واللهجة الخليجية..

أيمن عبوشي