ربما، هناك من يتساءل عن جدوى تعرضنا للأباطيل، التي حفلت بها كتابات بعض الرحالة الغربيين، وكما رأينا أن المنهجية والموضوعية تنسى أو تركَن في كتابات الأكاديميين المتخصصين، فما بالك بكتابة رحالة عابر، أليس من الأفضل أن نتركها وشأنها وألا نضفي عليها قيمة أخرى بنبشها وتسليط الأضواء عليها وكثرة ترديدها والتعريف بها، إلا أن المرء يجد نفسه إزاء هذه الكتابات الاستشراقية أمام اختيار صعب.
إما أن يتعرض لها بالتحليل والتقليب والنقد الجاد، وإما أن يضرب صفحاً عنها ويتجاهلها، ولكن الخطر كل الخطر يكمن في تفشي هذه الآراء المغرضة والتي تّقدم على أنها موضوعية وكتابات شهود عيان وصادرة عن اختصاصيين اكتسبوا شهرة عالمية، كرحالة ومستكشفين، وجمعوا المجد من أطرافه كما يقال، ونالوا التكريم في الأوساط العلمية والدولية، فأصبحت (افتراءاتهم) علينا مجال تصديق بل وإعجاب،
بل وتحولت هذه الدراسات أو الكتابات الاستشراقية إلى (نصوص مقدسة)، لها حصانتها المسَتَمدّة من حصانةَ من كتبها، فكيف يمكن لنا أن نتقبلها خاصة عندما تروّجها وسائل الإعلام الغربية، وتعطيها دون تحفظ معاني تتجاوز بكثير قيمتها العلمية، أو عندما تقرأ عين غير ناقدة من أبناء هذه المجتمعات التي ظلمها هؤلاء الرحالة، فيتيهون في الاغتراب ويضيعون في الاستلاب، ويظلون حائرين بين ما يقدمه هؤلاء الرحالة من صور سلبية، وغريبة عما عاشوه وألِفوه،
وما تروجه أو روّجته من دعايات رخيصة، وما سوغته من تصرفات استعمارية. حيث يصبح الاستعمار جليلاً شريفاً فغرضه المدعى لم يكن إلا تنمية الإمكانات الاقتصادية وإلقاء اللوم على هذا العربي المسلم والذي كلما اعترضه مشكل من مشاكل الحياة، أو وجد نفسه أمام عقبة من عقبات الدهر، تراه يتخاذل أمامها والذي لا يستسلم قد يتعارض مع الإرادة الإلهية، وما إلى ذلك من أكاذيب وافتراءات لا أساس لها من الصحة،
وممن سنتناولهم من الرحالة برترام توماس و ولفرد ثيسجر وهما نموذجان لعدم التعمق في فهم الإسلام. فقد حصر هؤلاء الرحالة الإسلام فيما شاهدوه من تخلف المسلمين في القرنين الأخيرين بينما هو أعظم بكثير من أن يحصر في هذا الإطار الضيق الذي لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً من ماضيه، وما من شك أن هذا الاستعمار الذي كان جاثماً فوق هذه المجتمعات هو أحد أهم أسباب ذلك التخلف بلا شك، إن لم يكن السبب الوحيد.
وقد دأب الغرب ومن خلال كتابات الرحالة بصورة خاصة على رسم صورة للصحراء تكون في غالب الأحيان غير محددة إذ لا تذكر البلدان أو المناطق التي تقع ضمنها. ففي الكتب المدرسية الفرنسية في المرحلة الابتدائية نجد أنها لا تخلو من السكان ولكن يشغل البدو الرحل من العَرب أو المور أو الطوارق الأدوار البارزة في الروايات التي تدور فيها.
وقد ظلت الصحراء تمثل النطاق المكاني الأكثر أهمية في النصوص التي تدور أحداثها في العالم العربي، فلا وجود في كتبهم «لمدن عربية« و«عمارة عربية»، و«فنون عربية»، وحتى إذا انصب التركيز على الناحية الجمالية، فإنه ينصب على المكان، أي جماليات الصحراء، كفضاء مفتوح، بحيث يبدو خالياً من البشر.
كما يمكن استخلاص الكثير من الإجابات من المضمون الدلالي لمفردة «العرب» عندما تحدد كتب الجغرافيا علاقة العرب بالمكان، أياً كان، فمعظم النصوص التي تشير إلى الماضي تنسب إلى العرب «تهديد» و«غزو» و«فتح» و«احتلال» أرض الآخرين. فالعرب في ديارهم كما يراهم هؤلاء المؤلفون، ليسوا سوى البدو الرحل في الصحراء.
بالإضافة إلى ذلك هم يعتبرون البدو ـ عن خطأ أيضاً ـ شاردين (صورة الغجر). في المجال الصحراوي. من دون مسار محدد، فهم «لصوص إبل» أو «قطاع طرق» أو «متعصبون جهلة»، تائهون شاردون ليسَ لهم مجال خاص بهم، يأتون دائماً من الخارج ليقيموا في أرض الآخرين، أو لغزوها. وكأن المجال الذي يوجدون فيه ليس ملكاً لهم.
* عنصرية
كما يتخذ إغفال هوية الشخصيات العربية بعداً عنصرياً، حيث يقترن عادة بدونّية الفاعلين العرب،والشخصيات العربية وجمودها، فنجد الشخصيات العربية تظهر في كتابات هؤلاء الرحالة في أدوار مرشدين أدلاء، أو خدم، أو زعماء قبائل فقيرة خاضعة أو رعاة وصيادين، وفي الناحية الأخرى يظهر الغربي عادة، كشخصية متحضرة، ترتبط بعلاقة مع العرب، تكون عادة في مستوى أعلى ونادراً ما يكون الطرفان متساويين.
فنجد الغربي في دور السيد و الرئيس والضابط ورجل الآثار...الخ. ومن بين الخصائص الأخرى للثنائي المتعارض «غربيون ـ عرب» نجد عنصرين ثابتين آخرين كثيراً ما يتوافران معا، الدونية واللافاعلية من جهة «العرب»، في مقابل التفوق والدور النشيط والمبادرة في العمل التي تميز «الغربي» كلما ارتبط الفريقان معاً في علاقة.
ونجد في المقتطفات الروائية الخيالية المأخوذة عن الأدب الفرنسي ـ على سبيل المثال ـ، أن الثنائي متفوق «متدن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالثنائي فعّال» غير فعّال، فالوصف الذي تقدمه هذه الكتب للشخصيات العربية، يقوم على أنهم: لا يتحركون ، جامدون، بطيئون في العمل، حالمون، مطيعون لأوامر رؤسائهم، يهربون أمام المخاطر، يقبلون الاتهامات الظالمة دون دفاع عن أنفسهم، قدريون يؤمنون بالنصيب، وفي أحسن الأحوال يحلمون بالهرب إلى عالم خيالي ينتمي إلى الماضي.
أما الفرنسيون الغربيون، الأعلى مقاما، فيتصفون بالصفات العكسية تماما، وتسود الفعالية سلوكهم، ويتمتعون بالقدرة على الحركة والسيطرة والشجاعة والواقعية، وفي موقع هجومي أكثر منه دفاعي، ويواجهون المصاعب ولا يهربون أمامها، ويتغلبون عليها.كما يمكن أن نجد أنماطاً تكاد تكون ثابتة ومتعارفاً عليها في الغرب من القوالب المعادية للعرب والممالئة للغرب، تلك التي تعتبر من القوالب القوية، أي التي يتفق عليها المؤلفون.
منها قوالب معادية للعرب لكنها اندثرت تقريباً اليوم، والتي تصف العرب مثلاً بأنهم متأخرون أو بدائيون أو العرب لصوص نهّابون، ورغم تقهقر هذه القوالب حالياً في مجال الكتابة، إلا أن السينما في الغرب اليوم تصورهم بأنهم إرهابيون خاطفو طائرات، تجار رقيق، كسالى.
وقد بيّن تيري هانتشن Thierry Hentsch في كتابه (الشرق الخيالي) ؟Oreint Imaginaire كيف أن الانشطار شرق غرب والذي تقرر فقط في نهاية القرن الخامس عشر تم إسقاطه على العصر القديم الذي لم يعش هذا الانشطار ربما هو كذلك.
يرى هانتش أن الشرق عبارة عن اختراع غربي تنبع صيغه المختلفة والمتعاقبة من المراحل البطيئة التي مر بها ميلاد الغرب، ومر بها وعيه بذاته، ويجوز لصيغ الاختراع هذه التي تتنوع وتتناقض من ظرف تاريخي وسياسي إلى آخر، أن تدرك على مستوى نظام الصورة .والجدير بالذكر والملاحظة، هو أن تصور الشرق ـ هذا إن كان هناك تصور واحد على وجه الافتراض ـ ملتصق التصاقاً حميماً بما يحدث في عالم الذات أكثر منه بما يحدث في عالم الآخر.
إعداد: عمار السنجري
