سئل الشيخ سيد مكاوي عن ظاهرة المشايخ الذين حملوا لواء النغمة الشرقية الأصيلة وأصبحوا علامات في تاريخ الموسيقى فقال «إن حفظ القرآن الكريم وتجويده كان له أكبر الأثر في تنقية أحاسيس ومشاعر من تطلق عليهم تسمية «مشايخ الطرب» إلى جانب الارتباط بالكلمة العربية الأصيلة والمعنى السليم.

كل ذلك دفع طائفة المشايخ إلى المحافظة على شرقية الموسيقى العربية وهؤلاء هم أول من فكروا في تكوين جمل موسيقية شرقية وهم أيضا مجموعة ارتبطت بآلام الناس وأحلامهم وهم يضعون ألحانهم ولعل هذا هو سر ارتباط الناس بهذه الألحان والإقبال عليها، ويفاضل الشيخ سيد مكاوي بين مشايخ الطرب ويذكر أن أحب هؤلاء إلى نفسه هما الشيخ زكريا أحمد في الأغنية العاطفية والشيخ سيد درويش في الأغنية الجماعية والوطنية وأغاني الطوائف ولذلك أطلق عليّ بعض الناس «خليفة سيد درويش» لأنه كان فنانا عبقريا وسر عظمته أنه لحن كلام الناس في الحياة اليومية العادية فأعظم ما قدمه للناس هو ألحان الطوائف وتبعته أنا في هذا عندما لحنت الليلة الكبيرة لمسرح العرائس ولحنت أيضا المسحراتي.

ولد سيد مكاوي الشيخ الضرير في الثامن من مايو 1926 في حارة «قبودان» بحي الجزيرة في عابدين وكانت أسرته جميعا تتميز بحلاوة الصوت وحب الغناء والطرب رغم الفقر الذي يحوطها.. كان والده بائعا متجولا، يحمل بضاعته على عربة يد يدفعها أمامه متنقلا بين حارات حي عابدين وشوارعه وهو ينادي على البضاعة نداءً جميلاً يرسله مغنٍ في عذوبة تسر نفوس سامعيه وتجعلهم يقبلون على بضاعته حتى إذا فرغ من البيع وعاد إلى بيته قانعا بما منّ عليه الله به من رزق،

أنفق ليله منصتا للفونوغراف القديم الذي يملكه واسطوانات الأغاني التي زادت على ثلاثة آلاف اسطوانة جمعها على مدار سنوات عمره لكل التراث الغنائي القديم وبأصوات أساطين الغناء والملحنين والموسيقيين، وفي هذه الفترة التي ولد فيها الشيخ سيد مكاوي كان الغناء والطرب يخلو من كل شائبة واتخذ طابعه الشرقي الأصيل وكان له أساطينه ونجومه المتألقون الذين تآلف الناس على عشق أغانيهم وأصواتهم..

على أن كارثة لم تلبث أن حاقت بالشيخ سيد في العام الثاني لمولده.. فقد أصيبت عيناه بالرمد ولم تجد الأسرة ما يكفي للذهاب به إلى طبيب العيون ولجأت أمه إلى علاجه بالوصفات البلدية، وفقد نتيجة لذلك بصره وأصبح ضريرا.. ولم تنفع زيارات الأم للشيوخ وأولياء الله بحثا عن الشفاء لابنها.

ولما بلغ الطفل السادسة من عمره أرسلوه إلى كتاب قريب من الحي لكي يحفظ القرآن الكريم، فكانت فرصة التعليم الوحيدة المتاحة أمامه لكن شيخ هذا الكتاب كان فظاً قاسياً في معاملة تلاميذه، فكره الصبي الذهاب إليه وبدأ يهرب من الكتاب إلى البيت ليجلس وسط مجموعة الاسطوانات التي يملكها والده ويقضي الساعات الطويلة مستمعا إلى الفونوغراف وهو يردد الأغاني القديمة..

وكانت أسعد لحظات حياته تلك التي يقضيها في سماع عبده الحامولي ومحمد عثمان والشيخ الصفتي والشيخ يوسف الميلاوي وغيرهم.. وفي هذا الجو الموسيقي تفتحت موهبة الشيخ سيد مكاوي، وحفظ أغلب هذه الأغاني كما يؤديها أصحابها وذهب إلى كتاب آخر في الحي كان شيخه سمحاً ورحيماً بالصبي معجباً بصوته فلم يأل جهدا في أن يجعله يحفظ القرآن ثم يبدأ في تجويده.

وما أن أتم الشيخ سيد حفظ القرآن وأجاد القراءة والتلاوة حتى أصبح جاهزا للعمل الوحيد الذي يمكن أن يمارسه صبي ضرير.أخذ يتردد على البيوت وبعض الأماكن في الحي لكي يقرأ الآيات القرآنية وسرعان ما اشتهر في الحي كله وبدأ الناس يقبلون عليه لكي يقرأ القرآن الكريم في المناسبات على أن الشيخ سيد مكاوي كان يحلم بأكثر من أن يكون مقرئا للقرآن،

كان يسعى شغوفا إلى إشباع هوايته للموسيقى والغناء فجمع بعض المشايخ الذين يماثلونه وكوّن منهم فريقا لإحياء الموالد والأفراح بإنشاد التواشيح وقصائد المديح النبوية،وكان الحي محصوراً بين الأزهر والسيدة زينب وكانت فرقة الشيخ سيد مكاوي من المشايخ الصغار تجد فرصا أكبر في موالد سيدنا الحسين والسيدة زينب والسيدة سكينة والسيدة نفيسة وسيدي زين العابدين..

والناس في تلك البقعة من الأحياء الشعبية يحفلون كثيراً بهذه الموالد ويتوافدون من أعماق الريف بالألوف لكي يتجمعوا في شوادر تسد الطرقات والأزقة المؤدية إلى أضرحة آل البيت صلوات الله عليهم جميعا. وفي بعض الليالي التي كان الشيخ سيد مكاوي يحييها مع فريقه من المشايخ الشبان كان يحلو له أن يجرب غناء بعض الأدوار والأغاني التي حفظها في صباه..

مثل أغنية عبده الحامولي «قدك أمير الأغصان» أو أغنية الشيخ أبو العلا محمد «أفديه إن حفظ الهوى» وكانت نتيجة هذا أن كره أهل الحي منه هذا وهم الذين ألفوه مقرئا حلو الصوت لآيات الذكر الحكيم وما ألفوه مطربا أو مغنيا للأغاني العاطفية.. وقل إقبالهم عليه وانصرفوا عن دعوته إلى إحياء المناسبات الدينية في بيوتهم، فقل دخله وعاد من جديد يعاني من الحرمان والجوع والفقر خاصة وقد مات والده وكان عليه أيضا أن يعول عائلته.

* متعة روحية

لم يوقف الفقر الشيخ سيد مكاوي في شبابه من تلك الرغبة الجامحة في نفسه بأن يصب الموسيقى الشرقية الأصيلة من منابعها التي كانت تجد حراسا يناصرونها ضد التشويه والمسخ بالنقل من الموسيقى الغربية بل أنه كان يتابع أخبار الشيخ محمد رفعت الذي كان صوته من أحلى الأصوات التي رتلت القرآن الكريم وقرأته.

وكان يجلس بين المستمعين له ويقول عنه: لا يكاد يبسمل حتى يسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير، وينطلق صوته فيحملهم إلى آفاق سماوية وروحانية وقد كنت أشعر بالنشوة والامتلاء بالمتعة الروحية. وبدأ الشيخ سيد مكاوي يلتفت إلى أغاني أم كلثوم وألحان الشيخ زكريا أحمد وأغانيه وإلى مجموعة أخرى من الملحنين الذين يحافظون على النغم الشرقي الأصيل مثل محمود الشريف وأحمد صدقي في مواجهة موجة التجديد

والتطوير والاقتباس من الموسيقى الغربية وتطعيم الموسيقى الشرقية بنغمات غربية بل وتطويعها للعزف على آلات غربية أيضا.. وكلما أحس الشيخ سيد مكاوي بالغربة فيما يسمعه من هذا السيل عاد إلى الجذور الأصيلة من ألحان سيد درويش واغاني الحامولي وألحان وقصائد الشيخ أبو العلا محمد.

وفي بحثه عن منابع الموسيقى الشرقية طرق أبواب معهد فاروق للموسيقى العربية ـ معهد الموسيقى العربية فيما بعد ـ ودخل مثل غيره من الراغبين في الالتحاق بالمعهد امتحان القبول بالمعهد فرفضوا أن يقبلوه في عداد التلاميذ وقالوا له : لا نستطيع أن نقبلك كتلميذ فمعلوماتك ومواهبك الموسيقية تضعك في عداد المدرسين والأساتذة في المعهد.

وهمس في أذنه بعض الأساتذة في المعهد بأن يتجه إلى الإذاعة لكي يغني فيها فهو يملك الصوت الحلو والموهبة الموسيقية الأصيلة التي تؤهله للنجاح وشق الطريق للميكروفون كمطرب وكملحن.. كانت بالفعل وسيلة مضمونة ومشروعة للهروب من حصار الحاجة والعوز.

فضلا عن أنها بداية الاعتراف بالموهبة الصوتية والموسيقية التي تشبه جواز المرور إلى الحياة الفنية.. وبدأ الشيخ سيد مكاوي الخطابات للإذاعة لكن كان مصيرها الإهمال الواحد بعد الآخر وبعد أن يئس من تلقي ردا على خطاباته حمل نفسه وذهب يلتقي بوكيل الإذاعة في ذلك الوقت عبد الحميد يونس ليسأل عن مصير خطاباته وكانت نتيجة النقاش ان اتخذ قرارا بأن يسجل الشيخ سيد مكاوي أغنية واحدة

بشرط أن يتحمل أجور الموسيقيين والعازفين ونفقات التسجيل إذا فشلت الأغنية ولم تجزها لجان الاستماع ، فاختار أغنية من عيون الأغاني القديمة للمطرب الكبير محمد عثمان ونجحت الأغنية ونجح الشيخ سيد مكاوي وأدرج اسمه في قائمة المطربين الذين تتعامل معهم الإذاعة.. لكن الإذاعة اكتفت بوضع اسمه في القائمة.

وما كان الشيخ سيد مكاوي ليرضى بأن يظل مجرد اسم في قائمة وبدأ يطرق كل الأبواب في الإذاعة لكي يحصل على حقه في الغناء كما يفعل غيره ووافقت الإذاعة بعد جهد على أن تسجل له أغنية كان قد كتب كلماتها المخرج السينمائي المعروف أحمد بدرخان يقول مطلعها: «بدمي يا مصر أفديكي.. أفدي حماكي وأرضيكي».

ثم سجل الشيخ سيد بعد ذلك أغنيات خفيفة عدة، مما اعتادت الإذاعة أن تقدمها في فترة الصباح مثل «يا نسيم القمر» و«اصح يا محبوب اصح». كانت هذه المرحلة في حياة الشيخ سيد مكاوي غاية في الضيق والحرج فقد كان نصيبه من الغناء في الإذاعة محددا بربع ساعة فقط على مدار العام وكان ينفق أجره كله عن هذه الربع ساعة على الموسيقيين والعازفين الذين يعملون معه في تسجيلها بل كان يدفع من جيبه فوق الأجر الذي يتقاضاه.

وكان الشيخ سيد مكاوي في تلك الفترة من حياته رب أسرة كبيرة العدد يجب أن يعولها وكان يسكن مع عائلته في بيت قديم «آيل للسقوط» في حارة السقايين تحجبه عن عيون مهندسي التنظيم.. حارة مظلمة رطبة لا تكاد ترى النور أو الهواء وكان إيجار البيت لا يزيد على الجنيه الواحد كل شهر ومع هذا كان الشيخ سيد مكاوي لا يستطيع أن يدفعه وكان الإيجار يتأخر عليه لأشهور عديدة حتى أن صاحب البيت كان يهدده بالطرد وكان يضطر أحيانا لكي يتفادى تهديدات صاحب البيت أن يبقى بعيدا عنه منذ طلوع الشمس حتى منتصف الليل.

كانت تربة الأغنية المصرية في النصف الأول من الخمسينات وبعد ثورة 1952 قد ألقيت فيها بذور التجديد والتطوير وارتفع شعار العودة إلى جذور التراث الموسيقي الذي ينبع من حياة الناس اليومية وإلى الموسيقى الشرقية الأصيلة النقية من شوائب الموسيقى الفارسية والتركية والنغمات الغربية المستوردة وبدأت حركة إحياء هذا التراث بإعادة تقديم أوبريت سيد درويش العظيم «العشرة الطيبة»

وبدأ يطفو بين برامج الإذاعة الأوبريت الغنائي الإذاعي التي تستخدم فيه الأصوات الجماعية مثل ما قدمه من ميكروفون الإذاعة الملحن محمود الشريف مثل «الراعي الأسمر» وأحمد صدقي «قطر الندى». وظهرت مجموعة من شعراء الأغنية الجماعية مثل صلاح جاهين وفؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وعبد الرحيم منصور ارتادوا جميعا مجال التراث الأصيل للأغنية المصرية القديمة وإحياء تراثها العظيم في قلوب الجماهير،

كان صلاح جاهين أول الصف وكان صاحب الراية في تلك العودة إلى التأصيل وكما كان سيد درويش يستمد عبقريته وعظمته من التقاط معاناة الجماهير اليومية ليحولها إلى غناء يرددونه ويغنونه في قلوبهم، بدأ صلاح جاهين يكتب شعرا عاميا مرسلا على ألسنة الناس وبألفاظهم التي يستخدمونها في حياتهم اليومية أيضاً، ولم يجد من يحمل لواء سيد درويش غير الشيخ سيد مكاوي.

عادل السنهوري