الحديث مع الفنانة والإعلامية الإماراتية المتألقة رزيقة الطارش، أكثر من ممتع، وشخصيتها المرحة والعفوية تجعل المتلقي لا يمل سؤالها والاستماع إليها، أما ذاكرتها ـ التي تقول عنها مازحةً إنها «خربانة» ـ فهي متشعبة ولا يمكن الوقوف على جميع تفاصيلها.
فهي أول مذيعة إماراتية ينطلق صوتها من أثير إذاعة أبوظبي، كما أنها أول فنانة إماراتية ترتقي خشبة المسرح في أبوظبي، ويتذكر الجميع دورها الجميل «ميثا» في المسلسل الكوميدي «شحفان»، وعشرات الأعمال الفنية والإذاعية التي مازالت عالقة في أذهان الجمهور، عن تجربتها في مجال الإعلام والفن سردت رزيقة الطارش بعضاً من محطات مشوارها الفني.
تحدثت رزيقة الطارش عن بدايتها في مجال الإعلام فقالت: كانت بدايتي في الإذاعة عام 1968، وكنتُ آنذاك طالبة لا أتجاوز التاسعة من عمري، وقد احتضنت أبوظبي في تلك الفترة مجموعة من الأساتذة العرب الذين قدموا خبراتهم في مختلف مجالات الحياة، أذكر منهم: الأستاذ الفنان محمد ياسين الذي كان يطلق عليه «بابا ياسين» ويوسف سعد ـ عمل لاحقاً كمدير في إحدى إدارات أبوظبي التعليمية ـ وشهد ذاك العام انطلاق البث التجريبي لإذاعة أبوظبي، فكان هؤلاء الأساتذة يأتون إلى المدارس لاختيار الموهوبين من أجل تقديم برامج ومسلسلات إذاعية.
فتم اختياري للمشاركة في برامج الأطفال، فكنا نؤدي أصوات بعض الحيوانات في برامج ومسلسلات الأطفال كان يتم تسجيلها وتبث في يوم لاحق، وكان في الإذاعة «برج» ـ مازال قائماً حتى اليوم في مبنى الإذاعة، كنا نسميه «البارجيل» ـ وتم إقامة مسرح في المبنى نفسه، فشاركت في أول برنامج وكان عنوانه «أبو سعد وأم سعد» من تقديم محمد ياسين ويوسف سعد الذي كان يقوم بدور الأم ـ لأن المجتمع يومها لم يكن يتقبل عمل المرأة في مجال الإعلام ـ وكنتُ أستمتع كثيراً بسماع صوتي في «قطعة الحديدة ـ الراديو» أثناء بث البرنامج.
يعتبر مسلسل «شحفان» ـ أو كما يطلق عليه محلياً شحفان القطو ـ الذي أنتجه تلفزيون أبوظبي عام 1980، وكان نجم البطولة فيه الشاعر المبدع سلطان الشاعر، مع النجوم رزيقة الطارش «ميثا» وصقر الرشود ومحمد الجناحي وسعيد النعيمي وإخراج أحمد المنقوش؛ علامة مضيئة في تاريخ رزيقة الطارش الفني، بل إننا لا نجانب الصواب حين نعتقد أن «شحفان» هو رمز الكوميديا الإماراتية.
عنه تقول الفنانة: إن ما يميز «شحفان» عن غيره من الأعمال هو أنه عمل إماراتي خالص 100%، من نص وإخراج وتمثيل، وما زلتُ لغاية اليوم ـ وبعد مرور 25 عاماً على إنتاجه ـ أهوى مشاهدته، وأعتقد أنه صالح للبث في كل الأوقات، أما سر نجاحه حسبما أظن هي مساحة العفوية والنكتة الحاضرة فيه دون تكلّف أو تصنّع، ولو تم التجهيز والترتيب له بصورة روتينية لم يكن ليظهر بصورة ناجحة مثلما ظهر على طبيعته ودون مبالغة، وأنا لستُ مع إعادة إنتاج بعض الأعمال الكوميدية الناجحة، حيث رأينا ما حدث لبعض الأعمال الخليجية والعربية القديمة حين تم إنتاجها في العصر الحالي، فتهاوى النجوم واحداً تلو الآخر.
أما نجاح المسلسلات الكوميدية القديمة مثل «شحفان» الإماراتي و«درب الزلق» الكويتي و«غوار الطوشي» السوري، فتعتقد الطارش أن أساس نجاح المسلسل يعتمد على النص والأداء الجميل لأبطال ذلك الزمن الجميل، وتضيف: أعتقد أن المشاهد العربي إن أحب شيئاً أو شخصاً أحبه بالكامل بعيوبه ومساوئه وإن كرهه فإنه يكرهه بالكامل، أي أن حبه أعمى وكرهه أعمى، وهذا الأمر لا يخص الفن التمثيلي وحده بل كل شيء من طرب إلى رياضة إلى سياسة وجميع نواحي الحياة.
* أزمة «المطوع»
من المواقف الطريفة والتي كادت أن تؤدي إلى أزمة كبيرة، تستذكر رزيقة الطارش الضجة التي أثيرت في السبعينات حول إحدى المسرحيات، حيث تقول: قدمنا مسرحية «الله يالدنيا» وكان معنا في أداء دور تمثيلي «محمد المطوع» ولا أعرف اسمه الثاني ولكننا اسميناه بالمطوع لأنه كان يلعب دور «مطوع» من أيام الخمسينات، وبما أن «المطوع» في ذلك الزمان كان يعرف كل شيء وكان بيتنا قد انقض على رؤوسنا في المسرحية.
أتينا به وسألناه: لماذا وقع سقف البيت وهطل المطر على رؤوسنا رغم أن البيت جديد، فأجاب أنكم «مضروبين بعين» فحدثت بعض المشاهد الكوميدية بعد هذا التحليل العبقري، وانتهى الأمر، بعد يومين من ذلك جاءنا المخرج وقال إنكم ستسجنون جميعاً، سألناه: لماذا، قال: لأن شخصية «المطوع» تشبه بالشكل شخصية أحد رجال الدين البارزين ـ المرحوم أحمد عبد العزيز المبارك ـ
وكان الممثل محمد المطوع يشبه شكله بصورة غريبة، فقال المخرج إن خطبة الجمعة تناولت في المساجد المسرحية التي أساءت لرجل الدين وللدين نفسه، فأتى أحد المبعوثين من قبل أحد أئمة المساجد لتحري الأمر، وجلس لمشاهدة المسرحية، وحين انتهى العرض قال: إنكم تلاعبتم وغيرتم في النص.
فأجبناه أن المسرحية كما هي منذ يومها الأول، المهم.. أننا ذهبنا لإمام المسجد الذي تعرض للمسرحية في خطبة الجمعة، فقلت للجميع: تكلموا!! فقال لي: دعي الرجال يتكلمون، فقلت: هؤلاء الرجال أمامك ساكتون لا ينطقون بحرف، فسأله الفنان جمعة الحلاوي بأدب: سمعنا أن سماحتكم قد أشرتم إلى مسرحيتنا في خطبة الجمعة بأنها أساءت لرجال الدين.
فأجابه: أجل، إنكم شتمتم رجال الدين وهزأتم بهم، كما أخبروني بذلك، فأجابه الحلاوي: وهل يعقل أن نتعرض لمثل هذا الأمر، فقال إمام المسجد: يقولون إنكم قمتم بتقليد شخصية رجل دين في المسرحية شكلاً وقالباً!! فأجبناه أن الممثل يشبه شخصاً بعينه وهو ليس من ذنبنا، فسألته: هل شاهدت المسرحية؟ فقال: لا ولكن قيل لي، وتبين أن المسكين كفيف بصر، فحين شرحنا له الأمر اعتذر لنا، وتفهم طبيعة ما قمنا به.
* حاير طاير
وتلعب الفنانة دوراً جميلاً برفقة جابر نغموش في آخر أعمالها، والتي سوف نشاهدها في رمضان المبارك، وهو الجزء الرابع من «حاير طاير» تأليف جمال سالم والمخرج عارف الطويل، وفي الدراما القطرية أدّت الطارش دور «الأم» في مسلسل «عندما تضحك الزهور» إنتاج قطري،
إلى جانب نخبة من الفنانين: حياة الفهد، هدى الخطيب، حسن رجب، وعبد العزيز الجاسم، كما يفترض أن يتم بث برنامج الفوازير التمثيلي «يوميات» على قناة أبوظبي، بطولة رزيقة الطارش ومحمد الجناحي وحبيب غلوم وبلال عبد الله وهو مشهد تمثيلي مع فزورة.
وقد أدت رزيقة الطارش صوتياً، الكتاب المسموع «حصاة الصبر» من إنتاج المجمع الثقافي في أبوظبي، حيث سردت بأسلوب شعبي محبب مجموعة من قصص الأطفال المحلية التي جمعها وأعدّها الكاتب أحمد راشد ثاني، عن هذه التجربة تقول الفنانة: كنت وأنا أقرأ قصص «حصاة الصبر» أرى القصة بصورة تلفزيونية،
وهي قصص صالحة لإنتاجها تلفزيونياً، وهي أفضل للأطفال العرب والإماراتيين من المسلسلات الأجنبية المستوردة، لأن فيها خيالاً خصباً وحبكة جميلة وقيماً وأخلاقيات غاية في الرقي، وإدارات التلفزيون في الخليج مقصرة في مجال إنتاج مثل هذا النوع الفني، وأعتقد أن القصص المحلية القديمة أفضل من «ميكي ماوس»
وعشرات من هذه الشخصيات المعلبة لأطفالنا والتي تشبه الطعام المعلب الذي لا طعم له، والتي غزت المكتبات والمدارس.وتختم الفنانة حديثها بالقول: أضحك كثيراً على أداء جابر نغموش ورزيقة الطارش، وأعتقد أن العفوية التي يؤدي نغموش دوره من خلالها وعدم تكلفه وتصنعه هي سر نجاحه، لأن الكوميديا لا تكتب ولا تُدرّس.
محمد الأنصاري

