سعت الحضارة الاسلامية ـ دائما ـ إلى تحقيق الرخاء الاقتصادي للشعوب التي عاشت تحت رايتها لدرجة انه في عهد امير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لم يجد فقراء يدفع لهم اموال الزكاة فلجأ إلى تزويج الشباب وقضاء الديون عن المدينين.

ورغم ذلك فإن العالم الاسلامى يعاني ـ في الوقت الحاضر ـ من الفقر والجوع وانتشار الامراض والاوبئة بسبب نقص الرعاية الصحية وارتفاع معدلات الامية لعدم قدرته على توفير المؤسسات التعليمية التي تستوعب جميع أبنائه وتؤكد التقارير الدولية ان اغلب سكان العالم الاسلامى يعيشون تحت خط الفقر ويصل دخل الفرد في بعض البلاد الإسلامية إلى اقل من 600 دولار سنويا .

* هناك دعوات لتحقيق التكامل الاقتصادى بين الدول الاسلامية او اقامة سوق اسلامية فيما بينها ما مدى امكانية تحقيق مثل هذه الدعوات؟

ـ إذا نظرنا إلى عالمنا الإسلامي نجد مجموعة من الدول تمتلك الإمكانيات البشرية والطبيعية زراعية وصناعية ومنجمية وبترولية وبحرية وجغرافية، وهذا يوفر لها طاقة انتاجية وقوة دولية ووضعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا يجعلها في مصاف التكتلات العالمية الكبرى لو أحسنت استغلال هذه الطيبات التي منحها الله اياها

ولكل دولة اسلامية طاقتها وقدراتها ومواردها ولو تعاونت وتكاملت تلك الدول في هذه المجالات بدلا من عزلتها عن بعضها البعض لزادت انتاجيتها وطاقاتها وثقلها اضعافا مضاعفة ونحن لا ندعو إلى أن تتحد هذه الدول سياسيا وإنما ندعو إلى أن تفسح المجال لإنسياب اموالها وسكانها وثرواتها الطبيعية في إطار تكاملى لأن الدولة الواحدة التي تواجه تحديات محلية أو إقليمية أو سياسية

يستحيل عليها مواجهة تلك التحديات الا بالتعاون مع غيرها دون أن تفقد كيانها أو ذاتيتها أو استقلالها وفى الوقت نفسه تدعم بعضها بعضا كما هو حادث الآن في التكتلات العالمية الأوروبية أو الاميركية فأوروبا الغربية بتعاونها تكنولوجيا وماليا وتخفيف المنافسة بينها وتشجيع زيادة حجم التجارة بين دولها جعل منها كتلة إقليمية تكاد تتفوق على أميركا والصين

وما يحتم على العالم الإسلامي أن يتكامل وجود ظاهرة خطيرة تسود العالم الآن وهى التوسع الكبير في انضمام الشركات المختلفة إلى بعضها البعض حتى أن الشركات الكبرى التي كنا نظن أنها ستنقسم إلى شركات متعددة لكبرها ـ والتي يزيد انتاجها عن عشرات البلايين من الدولارات ـ تتفاوض من أجل الانضمام إلى شركات لا تقل عنها حجما مما سيجعل من العسير على الشركات المتوسطة ان تنافسها أو تقوى على أن تأخذ مكانها في أي بلد.

* خطوة البداية

* كيف تكون البداية لتحقيق التكامل بين الدول الاسلامية؟ وما هى الخطوات التي يجب ان نتخذها؟

ـ نحن في أشد الحاجة إلى تنمية شاملة على مستوى كل دولة وعلى مستوى العالم الإسلامى بتدرج مدروس بعيدا عن التأثر بالأحداث السياسية ويمكن أن نبدأ ببعض الدول وليس كلها وتكون هذه الدول نواة للتوسع في مجال التعاون التكاملي بين الدول العربية بداية ثم الإسلامية وقد رأينا الدول الأوروبية التي حاربت بعضها مئات السنين تطوي هذه الصفحة من تاريخها وتنظر إلى مصالحها المشتركة

لكي تقيم صناعة قوية ومؤسسات مالية وتجارية ضخمة ايضا لابد من تمكين الأجهزة والمؤسسات الإسلامية وبنك التنمية الإسلامية وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامى وغيرها من المؤسسات من العمل باستقلال وفاعلية عن طريق اعادة النظر في تقييم مؤسساتها لإبعادها عن التأثر بالعوامل السياسية بأن تكون لهذه الأجهزة استقلالية وحرية حركة مع ضرورة توثيق اواصر العلاقات الاقتصادية مع الدول النامية ودول عدم الانحياز والإهتمام بقضايا الموارد المائية

لانها تدخل الآن مرحلة حرجة تحتاج إلى تكتل الجهود لمعالجتها وتشجيع المشروعات المشتركة ودراسة أسباب فشلها في الماضي لكي نتجنب ما وقعنا فيه من أخطاء . كذلك يجب اعادة النظر في الشركات المشتركة التي تكونت في العالم الإسلامي وكثير منها مازال متعثرا ولم نعمل على حل ما تواجهه من مشاكل مع التركيز على المشروعات الناجحة وتصفية الشركات التي لا يرجى نجاحها ولابد أن نعمل على خلق مؤسسات مرنة يشارك فيها القطاع الخاص

فمثلا لابد من إنشاء بنك تنمية إسلامى دولى تشارك فيه الصناديق العربية ورجال المال والأعمال في الدول الإسلامية ولابد أن نفكر في زيادة رؤوس أموال صندوق النقد العربى وشركة ضمان الإستثمار كما يجب أن ننشئ مراكز في بلاد مختلفة تبعا لاستعدادها لاستغلال الثروات الإسلامية

فمثلا ننشئ مركزا للتنمية البترولية والصناعات البتروكيماوية وآخر لمنتجات المناجم وثالث للبحث العلمى ونقل التكنولوجيا على أن تأخذ هذه المراكز شكل شركات يساهم فيها القطاع الخاص والبنوك ويمكن تمويل هذه المؤسسات بالأموال الطائلة التي يملكها المسلمون وهي عاطلة في بنوك الولايات المتحدة واوروبا بل ومعرضة للأخطار.

* الاستثمارات

* كيف نشجع الإستثمارات البينية في إطار الدول الإسلامية بدلا من توجيه الأموال إلى الخارج؟

ـ يجب أن تتضافر الجهود من أجل تشجيع الاستثمارات البينية بين البلدان الإسلامية ولا ينبغى أن يكون الحديث ذا بعد واحد يهتم بانتقالات رؤوس الأموال فقط بل لابد وان تراعى الرؤية المتكاملة لانتقال الاستثمارات كعملية متكاملة ينبغى أن تتوافر لها مقومات النجاح وتتوافر الاطر اللازمة لإنماء دور المؤسسات المالية والمستثمرين فيما بين البلدان العربية والإسلامية ولابد من خلق مناخ الاستثمار المناسب

من حيث سرعة البت وتخفيف القيود وإلغاء العوائق وخفض العمل الروتينى إلى أدنى حد ودراسة الإمتيازات التي تمنحها الدول المختلفة للمستثمرين في آسيا واوروبا والعمل على تطبيقها فورا والاستفادة فيما بين الدول الاسلامية بتبادل المعلومات والزيارات والندوات ونحن نحتاج أولا وقبل كل شيء إلى تغيير فكرنا عن المستثمر والمشكلة أن التغيير الإدارى يصدر بقانون أو قرار..

أما الفكرى فإنه أسلوب ومنهج وسلوك فمثلا البيروقراطية التي مازالت تمثل عائقا كبيرا بين الموظفين وخاصة الصغار منهم تثير اى مستثمر من حيث تحكمهم في سير الأوراق وتوقيت البت وهذا شبح عقيم يفزع اى مستثمر ولابد من القضاء عليه بالأساليب الحازمة.

* كيف تستطيع الدول الاسلامية تكوين تكتلات قادرة على المنافسة في المجالات الاقتصادية المختلفة؟

ـ يمكن تشكيل تكتلات اقليمية تجمع المشتغلين بالسلع الأساسية التي تحتاج إلى تعاون مشترك مثل الالومنيوم والحديد والملابس الجاهزة والكيماويات والصناعات المختلفة فمثلا بالنسبة للالومنيوم تنتج كل من البحرين والإمارات ومصر حوالى 15 % من حاجة العالم منه..

وهذه الدول تواجه أساليب اغراق قد تعصف بصادراتها لذلك فإنها لو وحدت جهودها وتعاونت في مواجهة هذا الإغراق فيمكنها مجتمعة الضغط على الجهات المختصة وكشف مثل هذه الأمور وتعقبها والقضاء عليها وهو ما لا تستطيع أن تقوم به كل دولة على حدة واذا توسعنا في هذا المجال لأمكننا خلق تكتلات إسلامية اقليمية تحمى الجميع وتفسح الطريق لتوسع يشمل أكبر عدد من الدول

ولنضرب مثلا بالاستثمارات العربية الخارجية التي تبلغ قيمتها ما يربو على 800 ألف مليون دولار وهي تمثل احتياطيات نقدية معظمها بالدولار ثم استثمارات في ودائع أو اذونات خزانة دورية أو عقارات أو استثمارات في شركات ولكن معظمها في الولايات المتحدة وليس من المصلحة أن تكون هذه الاستثمارات بعملة واحدة وانما يجب أن تتنوع بين العملات المختلفة ويمكن ان نجعل جزءا منها بعملات عربية أو إسلامية قوية كالريال السعودي ودرهم الإمارات والرنجيت الماليزى،

وخلق أسواق مالية تستوعب جانبا منها، فالحكمة السياسية تقتضى ألا تكون هذه الاموال كلها بعملة دولة واحدة حتى لا تتعرض لإجراءات المصادرة أو التجميد لأي سبب سياسي ايضا يجب خلق فرص الاستثمار في بلاد مختلفة وليس بلدا واحدا بما في ذلك الاستثمار في بعض الدول الإسلامية بالقدر المناسب وتبعا لإمكانية امتصاص السوق وتوافر المناخ الملائم سياسيا واقتصاديا وماليا مع خلق المصالح المشتركة التي يستفيد منها الطرفان: المستثمروالبلد المستثمر فيه الاموال بما يؤدى إلى تنمية التكامل بين اقتصاديات البلدان الإسلامية

* كيف نستطيع ايجاد علاقات تجارية ناجحة بين البلاد الاسلامية حتى تتمكن من زيادة التبادل التجارى فيما بينها خاصة وان معظم التعاملات التجارية الاسلامية مع دول غربية؟

ـ حتى تنجح العلاقات التجارية بيننا ينبغى أن تكون لدينا أرضية مناسبة من وسائل التعارف والاتصالات الحديثة بين رجال الأعمال في المنطقة الإسلامية لأنه كانت هناك شكوى تتمثل في أنه لا توجد اتصالات كافية للتعارف التجارى بين الدول الإسلامية إلى جانب غياب التنسيق بين المؤسسات والهيئات وعدم وجود دليل تجارى لكل دولة يكفل تيسير سبل الاتصال وتنمية العلاقات التجارية

واذكر ان البنك الإسلامى للتنمية حاول أن يشجع التعاون التجارى بين الدول الإسلامية عن طريق التوسع في الإقراض للدول التي تصدر إلى بعضها من الدول الإسلامية مما أدى إلى نمو الاتصال والتعارف بين هذه البلدان ونمو شبكة التعاملات وعلينا في هذا الإطار أن نعمل من اجل ان تتكامل الجهود للربط الانساني في العلاقات التجارية وتنمية التعارف بين مجتمعات الأعمال في بلادنا الإسلامية

وهذا يتحقق من خلال التوسع في المعارض ولقاءات رجال الأعمال وأن تصدر كل مجموعة من المراكز الصناعية «كتالوجا» يحتوى على بيان مصور بإنتاجها مع تبادل المعلومات وتنمية وسائل التجارة وأسلوب الشحن وطريقة تسوية المعاملات وتشجيع تبادل الصفقات التجارية المتكافئة.

القاهرة ـ ضياء الدين احمد