تصاحب شهر رمضان الفضيل ظاهرة حمى التسوق التي تحيل تفكير الصائم إلى مائدة الإفطار وما تحويه من ألذ المأكولات والمشروبات، ليفقد بذلك الشهر الفضيل ـ يدي ربة المنزل ـ الغاية المرجوة منه وليتحول إلى شهر يتسابق فيه الصائمون إلى ملء عرباتهم بأنواع متعددة من السلع الغذائية.
ويستغل التجار هذا الإقبال لتحقيق أرباح مضاعفة متناسين الحكمة من الشهر الفضيل والمضامين الروحية والإنسانية التي يتضمنها، حيث تشتعل المنافسة بين محلات المواد الغذائية من خلال العروض والمسابقات التي تقام على مدى ثلاثين يوماً مستغلين حالة الشره التي تصيب الناس والتي تعمل على زيادة نسبة الاستهلاك لتتجاوز الـ 55 في المئة مقارنة بالشهور الأخرى.
«البيان» التقت عدداً من المتسوقين والباعة وكانت البداية مع جمال محمود وهو موظف يعمل في مجال العقارات الذي اعترف أن الاندفاع للشراء دون حساب أصبح ظاهرة يتنافس فيها الرجال والنساء على حد سواء إذ يصبح الرجال في شهر رمضان معنيين بما سيتم إعداده علي مائدة الإفطار مع العلم أن غالبيتهم لا تعنيهم شؤون الطبخ والمنزل بل هو عبء تتحمله ربة المنزل فقط.
مشيراً إلى أن التفكير في مائدة الإفطار أمر لا إرادي مؤكداً أن ظاهرة التسوق ببذخ على الرغم من كثرة مساوئها تعد من الأمور الممتعة جداً بالنسبة للصائم خاصة أن الشهر يشهد تجمع الأهل معاً وإقامة الولائم للأصدقاء والمقربين وبالتالي فإن المائدة يجب أن تكون ممتلئة وتحوي من أصناف الطعام الكثير، معتقداً أن هذه ميزة إيجابية وليست سلبية.
فاطمة خير، ربة منزل قالت: إنها تتبع في شهر رمضان نظاماً غذائياً مختلفاً وترصد له ميزانية أعلى من الشهور الأخرى حيث تعد بحسب قولها الولائم وأطباق الحلويات التي تتشارك فيها مع قريباتها مشيرة إلى أنه على الرغم من التحذيرات المتعددة من مغبة الإسراف وضرورة ترشيد الاستهلاك إلا أن ربات المنازل لا يصغين إلى ذلك معتبرات الإكثار من الطعام أحد رموز الكرم وحسن الضيافة التي تميز العرب منذ الأزل.
وذكرت الاختصاصية الاجتماعية لطيفة خميس أن التوعية الأسرية أصبحت أجمع ظاهرة الإسراف في المأكل والمشرب كارثة حقيقية تزيد وتيرتها عاماً إثر عام خاصة مع كم العروض الترويجية التي يقدمها أصحاب محلات بيع السلع الغذائية الذين أصبح شهر رمضان بالنسبة لهم حسب منطق التجار بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهباً، مؤكداً أن الإكثار من الأطعمة لا يؤدي إلى تدمير ميزانيات الأسر فقط بل هو أمر غير صحي.
فالغذاء يجب أن يكون صحياً لأن الصائم يقضي ما يزيد على عشر ساعات من دون أن يتناول شيئاً وبالتالي فإن الخلط والإكثار من الأصناف يؤدي إلى العديد من التداعيات الصحية التي تضر بالصائم من دون أن يشعر في بعض الأحيان، لافتة إلى نقطة أخرى حيث ترى أن التفكير في الطعام يقضي على الحكمة الإسلامية التي تدعو إلى صيام الروح والجوارح بدلاً من صيام البطون.
وحول إذا ما كانت أسعار السلع تؤثر على معدل الشراء قال سعيد عادل بائع مواد غذائية إن الناس لا يلتفتون في العادة إلى الأسعار على خلاف الأيام الأخرى والتي لا تعجبهم فيها غالبية أسعار السلع وقد يقفون لساعات في محاولة لإنقاص سعر سلعة معينة درهماً أو درهمين مؤكداً أن حركة البيع والشراء لا تهدأ خلال أيام الأسبوع وتزيد حدتها يومي الخميس والجمعة وتتركز المشتريات على المأكولات والحلويات.
وذكر أن التجار يستفيدون من رمضان حيث ترتفع نسبة المبيعات إلى الضعف تقريباً إلا أن ذلك لا يمنع من اعترافه بسلبية ما تقوم به غالبية الأسر من إسراف في الشراء والذي يدل على خلل في السياسة الشرائية وضعف في الوازع الديني لأن رمضان ليس مجرد شهر للأكل والشرب فهو شهر عبادات وتفكر في واقع الفقراء والمساكين في شتى أنحاء العالم.
مؤكداً أن العاملين في محلات المواد الغذائية هم أكثر الأشخاص الذين يلمسون مدى هوس الناس في التسوق حيث يعانون من الازدحام الشديد خاصة قبل رمضان بيوم أو يومين مستغرباً السلوكيات الشرائية الغريبة التي تصيبهم في رمضان إذ ينتظرون حتى موعد اقترابه ليتذكرون أن عليهم شراء موادهم التموينية لافتاً إلى أن أكثر ما يثير الاستغراب هو الشراء بكميات كبيرة حتى للسلعة ذاتها
إضافة إلى الإشكاليات التي تحدث بشكل يومي خلال الشهر نتيجة للتزاحم ورغبة كل شخص الحصول على مبتغاه قبل الآخر، وقد حذر استغلال بعض التجار للشهر في تحقيق ربح سريع من خلال تمرير بضاعة منتهية الصلاحية أو شارفت على الانتهاء محذراً أيضاً من رفع بعضهم لأسعار السلع دون الرجوع إلى البلدية لمعرفتهم المسبقة أن المتسوقين في رمضان لا ينظرون إلى السعر بقدر ما ينظرون إلى ضرورة الحصول على المنتج.
من جانبها قالت روحية علي التي التقيناها وهي تتسوق ان لشهر رمضان طقوساً خاصة تحاول ألا تغيرها ويمثل الطعام ركناً أساسياً فيها إذ تسعى إلى ملء المائدة بشتى الصنوف ملبية رغبات أسرتها في تنويع المائدة الرمضانية مؤكدة أنها ترصد لهذا الشهر ميزانية مضاعفة
وعلى الرغم من أن أغلبية الأطعمة تنتهي إلى سلة المهملات إلا أن ذلك لا يضير في شيء نافية أن تكون ظاهرة الإسراف في الطعام ظاهرة سيئة تحتاج إلى علاج أو تقويم كما يرى البعض متعللة في أن التنويع في طعام الإفطار رمز للبهجة والفرح بقدوم شهر رمضان الذي يهل كالضيف كل عام وسرعان ما يختفي.
وتخالفها الرأي وفاء محمد التي تعمل في مدرسة الرولة الإعدادية في الشارقة كنائبة للمديرة حيث ترى أن ما يقوم به بعض الناس من إسراف جائر في ما يتم تقديمه على مائدة الإفطار يعتبر مخالفاً للأوامر الإلهية التي تقضي بضرورة عدم الإسراف وبسط اليد دون حساب، مؤكدة أن ما يقوم به بعض الناس في رمضان يدل على أن هناك فهماً مغلوطاً للحكمة من الشهر الفضيل وخللاً في إدارة الميزانيات الأسرية داعية إلى استثمار تلك الأيام المباركة في ختم القرآن وقيام الليل
خاصة في العشرة الأواخر حيث ليلة القدر خير من ألف شهر معربة عن أملها في أن يكون الشهر فرصة في تقريب المسلمين من بعضهم البعض وزيادة ترابطهم بدلاً من الفرقة التي يعانون منها والتي جعلت من المتربصين بالدين يتخذونها فرصة للنيل من الإسلام والمسلمين.
وأعرب أحمد علي حسن وهو موظف في دائرة حكومية عن حزنه لما آل إليه حال الناس في رمضان وتحويلهم له إلى موائد ضخمة تحوي شتى صنوف الأطعمة ولتصبح ربة المنزل الأداة التي تقضي على روحانية الشهر، مؤكداً أن الفقراء والمحرومين هم آخر من يفكر بهم الصائم حيث يقضي يومه أمام التلفاز منتظراً مدفع الإفطار ليأكل ما تشتهيه نفسه،
وقال انه يتجنب الذهاب إلى الأسواق قبل رمضان بيوم أو يومين لأن الناس تصيبهم حالة هستيرية لدرجة يشعرون المرء فيها أن الدولة مقدمة على شح أو مجاعة إذ يتهافتون على الجمعيات ومحلات السلع الغذائية لشراء ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه من بضائع، لافتاً إلى ان التزاحم على المواد الغذائية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصادم بعض المشترين مع بعضهم البعض متسائلاً هل خص الله المسلمين دون غيرهم بصيام الشهر ليحولوه إلى مناسبة لتناول أكبر كم من المأكولات؟
وتعتبر رولى طارق وهي موظفة في شركة للتأمين أن شهر رمضان هو أجل الشهور وأكثرها تميزاً، ولا تنفي إدمانها على التفنن في تقديم أفضل الأطباق لأسرتها حيث تقول انها تتسوق لرمضان بطريقة تختلف عن شهور السنة الأخرى لأنها تحرص على أن تكون المائدة متكاملة لا ينقصها شيء خاصة وان الشهر الفضيل يجمع الأهل والأصدقاء وبالتالي فإن تقديم أصناف متنوعة تعبير عن الكرم والاحترام والفرحة بقدوم الضيف.
نافية أن تكون تلك عادة سيئة ومعتبرة إياها دليل على الكرم الطائي المتعارف عليه بين المسلمين منذ فجر الإسلام. من جانبه أعرب عمر الشامسي مدير العلاقات العامة في أحد فنادق دبي أن التسوق في رمضان والإكثار من الأطعمة أمر مسل وطريف لأن الصائم يحب أن يرى مائدته مليئة بمختلف أنواع الأطعمة التي يحبها.
مشيراً إلى أنه يحرص خلال الشهر على التسوق بنفسه معتبراً الأمر في غاية المتعة، موضحاً أن ممارسة الشعائر الدينية أمر أكيد وواجب على كل المسلمين ولا يعني الاهتمام والتسوق بشغف وكثرة الانتقاص من ممارستها وتأديتها على أكمل وجه معتبراً أن الأمرين لا يتعارضان مع بعضهم البعض، لافتاً إلى نقطة أخرى حيث ينفي ما يقال عن إغفال الصائم للفقراء والمساكين لأن الصائم يدفع زكاة فطره لتذهب لهؤلاء الفقراء.
استطلاع: نورا الأمير

