من أشهر الرحلات التي قام بها أوروبي إلى مناطق الشرق الأوسط رحلة الانجليزي ريتشارد بورتون عند أواسط القرن التاسع عشر. وهي رحلة أحاطت بها أخطار وموبقات كثيرة، لطالما أسالت حبراً وشغلت جلسات نقاش. وهنا في هذا الفصل من النص الطويل الذي كتبه بورتون، خاصة عن زيارته مصر ثم الحجاز، نتوقف عند وصفه عيد الفطر في القاهرة الشعبية، في زمن كانت فيه الإشاعات والأخبار المرعبة تملأ القاهرة وتنغص على سكانها أفراحهم وأعيادهم وحياتهم.

وأخيراً انقضى رمضان، شهر البركات. وكم كانت أيامه طويلة، فغمرتنا البهجة وانطلقت مدافع القلعة تعلن انتهاء أيام الصوم المتعبة. وفي اليوم الأخير من رمضان كان الناس جميعاً قد راحوا يقدمون الزكاة للفقراء بمعدل قرش أو نصف قرش عن كل فرد من أفراد العائلة، يتساوى في ذلك الخدم مع رب الأسرة نفسه.

وفي اليوم التالي، الذي هو الأول بين أيام «عيد الفطر» الثلاثة نهضنا من فراشنا عند الفجر واستحممنا وتوضأنا ثم سلكنا الدرب إلى المسجد لأداء صلاة العيد والاستماع إلى خطبة ألقاها شيخ معمم راح يتكلم بشكل دفعنا إلى المرح ولكن بكل وقار. وبعد ذلك انصرفنا إلى الأكل بنهم، تعويضاً عن أيام الجوع، ثم حملنا الفلالين وأكياس التنباك ورحنا نسير بخطوات بطيئة مستمتعين بمشهد الوجوه الباشة ومظاهر الفرح والسعادة التي طغت على الشوارع.

إن المكان المميز الذي يتعين الذهاب إليه صباح أول أيام العيد هو المقبرة الفسيحة الواقعة خلف باب النصر، وهي بوابة حصينة عريقة تفتح على الطريق المؤدي إلى مدينة السويس، وبالفعل وجدنا المقبرة ضاجة حافلة بالناس وتعمها ـ ويا للدهشة ـ مظاهر ابتهاج صاخبة، الخيام والمقاهي التي أعدت هنا بسرعة وبطريقة مرتجلة بدت غاصة بالرجال وقد ارتدوا أفضل ملابسهم،

وها هم الآن جالسون ينصتون إلى المغنين والعازفين، يدخنون ويثرثرون، ويتفرجون على الحواة والمهرجين ومرقصي الأفاعي والدراويش ومدربي القرود، إضافة إلى عدد من الصبية الذين تزيأوا بأزياء النساء وراحوا يرقصون مثلهن. ولقد حفت الطرقات بموائد الطعام وباعة الحلوى والأكشاك المسقوفة التي وزعت عليها أدوات اللعب وبسطات باعة شراب الليمون وغيرها من المشروبات الشعبية. ولقد تداخل هذا كله مع المراجيح والدويخات التي بدا من الواضح أنها أكثر ما يهم الصغار والصغيرات.

أما المعلم الرئيسي في هذا كله فهو زرافات القاصرين المتأنقين العابرين وقد حمل كل واحد منهم سعفة نخل طويلة سيزين بها قبر قريب أو صديق له، أما المعلم الثاني اللافت فهو رصدنا لحالات غير قليلة من التغزل بالحسان، بل حتى من الملاطفة بالزوايا، حتى وان كان هناك رجال شرطة كثيرون مهمتهم منع كل خروج عن الآداب العامة.

وأفراد الشرطة هؤلاء يحمل الواحد منهم عصا طويلة يزدهي بها، مع أن من الواضح أن طاقتهم على الفعل اقل من حجم المسؤولية المناطة بهم، ومن هنا عجزهم وعجزي معهم عن ملاحقة العشاق الذين راح كل اثنين منهم يتوغلان مسافات عميقة بين تلال الرمال، حيث أن يحدث بين الحين والآخر، أن نسمع، مع هذا صوت «فلقة» العقاب الذي يمارس على من يقبض عليه، بالجرم المشهود.

غير أن هذه الترهات كلها، ما كان من شأنها أن تعكر مناخ السرور السائد، ولاسيما مزاج الناس الذين ارتدى كل واحد منهم شيئاً جديداً وأخذ يختال به بين الجموع، معلناً أنه سيكون، بزينته وزركشته، لباسه طوال الشهور المقبلة.وتجولت أنا والحاج صديقي حول المدينة، حيث رحنا نتبادل الزيارات كما يحدث في بلادنا لمناسبة أعياد نهاية العام، وبشكل عام يمكنني أن أقول هنا إن هذا النوع من الزيارات إنما هو في مصر جلسات نقاش من حول الأرجيلة والقهوة في مكان،

تليها جلسات نقاش أخرى حول النارجيلة والقهوة في مكان آخر، غير أن هذه المرة، والمناسبة استثنائية بالطبع، يحدث حين يلتقي الواحد منا صديقاً يعرفه، أن يجد نفسه في أحضان هذا الصديق في عناق، قد يبدو لمن رآه من بعيد، أشبه بصراع بين شخصين، مع أصوات قبلات حادة تملأ الفضاء. أما التحية الملائمة فهي طبعاً كل عام وأنتم بخير، تتبعها أسئلة متلاحقة حول الصحة وأحوال العائلة والعمل، قبل التبريكات والأمنيات الطيبة والدعوات الصالحة.

غير أن العيد هذا العام، لم يكن على البهجة التي يمكن أن تستشف من وصفي هذا، بل كان بشكل عام، أقرب إلى الكآبة إذا ما قورن بأعياد الأعوام الفائتة، ذلك أن أخبار الحرب مع روسيا وفرنسا وانجلترا كانت تطغى على كل شيء، خاصة أن الناس هنا كانوا ما أن يرونك حتى يخبروك، من مصادر موثوقة، أن انجلترا تستعد لإنزال ثلاثة ملايين جندي في السويس. إنها حرب مفتوحة مع ديار الكفر إذا،

وأخبارها تلقى صدى عارماً في مصر والدليل على ذلك أن القاهرة صارت وبسرعة مدينة أساسية في هذا كله، ومن هنا ازدحمت مباني الحكومة المحصنة والترسانات والمصانع بعمال السخرة المصادرين، وراحت الروايات تتصاعد ليعتري الخوف الناس جميعاً، بسبب روايات يتحدث بعضها أن الذين كانوا يقصدون الحج أنفسهم لم يسلموا من أذى الحكومة.

إذ حيثما يتجمع الناس في المساجد أو في المقاهي أو في أي من المحلات العامة، تسرع الشرطة إلى إغلاق الأبواب لتقبض عنوة على القادرين بدنياً مصادرة إياهم، وهذا الإجراء يحسه المرء هنا همجياً يشبه قانون الإجبار على الخدمة العسكرية في بلادنا، ذلك أنه سرعان ما ملأ الشوارع بطوابير البؤساء، المثيرين للشفقة، وقد سيقوا ليحولوا جنوداً، وقد طوقت رقابهم بسلاسل معدنية وكبلت أيديهم.

ولقد زاد من كآبة المنظر وقسوته زحام النسوة اللواتي رحن يتبعن أبناءهن وإخوانهن ورجالهن نائحات مولولات، يضخمن جباههن وثيابهن المشقوقة بالطين، على ذلك النمط المعتاد في الجنازات. وثمة إلى هذا غمامة أخرى معلقة بدورها في سماء القاهرة، فالشائعات عن المؤامرات والمتآمرين تملأ كل مكان، واليهود والمسيحيون، الذين يعرفون أن الخطر المحيط بهم كبير،

ترتعد فرائصهم خوفاً من الاستعدادات المرعبة للعصيان المسلح، الذي لا شك يصاحبه قتل وخرب ونهب، وحتى المسلمون يتهامسون هنا بخوف وهم يتحدثون عن أخبار تقول أن ثمة بضع مئات من المجرمين قد أزمعوا إحراق القاهرة مبتدئين بحي المصارف، كما يزمعون مهاجمة المصريين الأغنياء قصد سلبهم ونهبهم، وعلى أية حال، فإن الخديوي عباس باشا كان غائباً طوال تلك الفترة.

ولكن حتى لو كان موجوداً في القاهرة، فإن حضوره ما كان من شأنه أن يجدي، فالحاكم هنا لا يمكنه عادة أن يفعل شيئاً لإعادة الثقة وهيبة الدولة إلى أمة شرقية إن حل الذعر الحقيقي واستشرى بين أبنائها. مهما يكن كان كل ذلك عبارة عن ثورة لا بد لها أن تنتهي، وبالفعل سرعان ما راحت السلطة السياسية تبدي رد فعل على ذلك كله، وراح قادة الشرطة يتحركون بقوة مصدرين الأوامر المشددة في مدن مصر الرئيسية بأن كل من يخرج من بيته بعد حلول الظلام، عليه أن يحمل معه فانوسه،

فإن لم يحمله سيضطر إلى قضاء ليلته في قسم الشرطة. فإذا كان الفاعل أوروبياً، فإن الشرطة إما أن تطلق سراحك فوراً أو ترسلك إلى قنصل بلدك الذي سيكون هو المرجع في الحكم عليك. وما هذا إلا لأن السلطات المصرية قد فقدت الكثير من سطوتها على الأجانب، على عكس ما كانت الحال عليه أيام زيارة الرحالة لين إلى القاهرة، حيث حين كان أوروبيون يعتدون على مصريين، كان المعتدون يحالون إلى السلطات التركية.

أما الآن فإن السلطة الوطنية فقدت كل سلطة قضائية لها على الغرباء، فلا تدخل الشرطة بيوتهم. وبات من الواضح أنه في إمكان السلطات الغربية أن تمارس هذه الحماية نفسها على النصارى واليهود حتى وإن كان من رعايا مصر، إذ يكفيهم أن يسجلوا أسماءهم في القنصليات الغربية حتى يصبح التعامل معهم، مثل التعامل مع الأوروبيين وتوفر لهم حماية تامة.

ولكن من الواضح أن هذا الأمر شديد السوء وسوف تترتب عليه نتائج وخيمة، إذ ما الذي يحدث، مثلاً بالمقارنة، إذا ما خولت بريطانيا لمواطنيها المقيمين في باريس أن يرفضوا المثول أمام المحاكم الفرنسية وتحميهم مما فعلوا، من أن تداهم الشرطة المحلية بيوتهم؟ .