رغم ان الإسلام منح المرأة حقوقها وأعطاها الحرية في ممارسة الأنشطة المختلفة والاختلاط بالمجتمع في إطار الحفاظ على القيم والاخلاقيات الإسلامية ورغم ان المرأة شغلت في المجتمعات الإسلامية الأولى مختلف المناصب ومارست كافة الانشطة الا أن الحضارة الإسلامية، تتهم من جانب الغربيين والمستشرقين بعدم انصاف المرأة واضطهاد حقوقها وحرمانها من ان تكون لها شخصيتها المستقلة وجعلها مجرد تابع للزوج.

ويخلط البعض بين تعاليم الإسلام التى انصفت المرأة وبين بعض الممارسات الاجتماعية الخاطئة التى سادت في فترات الضعف والتدهور في بعض مناطق العالم الإسلامي.التحقيق التالي يناقش كيفية معاملة المرأة في ظل الحضارة الإسلامية وفي ظل الدول الإسلامية المتعاقبة وأسباب تراجع وضعية المرأة المسلمة في الوقت الحاضر ومسؤولية الحضارة الإسلامية عن هذا الوضع وذلك للرد على الاتهامات التى تزعم ان الحضارة الإسلامية اضطهدت المرأة وحرمتها من حقوقها.

في البداية تؤكد الدكتورة عبلة سلطان الاستاذ بكلية الدراسات الانسانية جامعة الازهر ان الإسلام كما نهض بالدولة الإسلامية ووضعها في مركز الصدارة على مستوى العالم وكان له الفضل في خلق أمة ودولة وتاريخ وحضارة، كذلك رفع الإسلام من شأن المرأة واعترف بكرامتها الإنسانية وكفل لها ان تتمتع بحقوقها في المجتمع وضمن لها العدالة والمساواة في المعاملة،

موضحة ان هذه الحقوق جعلت المرأة المسلمة تتميز بوضعها في منزلة كبيرة بعد أن تلاشت الموروثات الوثنية التى كانت تسلب المرأة كافة حقوقها.وتشير إلى أن الدولة الإسلامية عندما حققت التقدم والازدهار كان للمرأة نصيبها فتعددت أدوارها في الحياة العامة مؤكدة ان تقدير المجتمع الإسلامي واحترامه للمرأة اتاح لها حق الشراكة في الارتقاء الحضاري،

فقد تمتعت المرأة في ظل المجتمع الإسلامي بحريتها ونالت حقوقها في التعليم وفي إدارة شؤونها المالية والعائلية واندمجت في المجتمع مما جعلها ناضجة فكرياً وسياسياً. وتضيف الدكتورة عبلة ان المرأة في العصر الإسلامي لم تكن ضعيفة او مغلوبة على أمرها أو مهضومة الحقوق كما يحاول البعض ان يوحي بذلك، مؤكدة ان المرأة المسلمة كان لها دورها في الحياة الأدبية والثقافية والعلمية

وكانت لها مواقف كثيرة في ساحة القضاء وفي الحياة السياسية، فالمرأة المسلمة قادت مظاهرات وقدمت اعتراضات بصوت مرتفع لتحصل على بعض حقوقها، كما ساهمت في المجالات المختلفة ففي العصر الأموي نبغت بعض النساء في الأدب مثل أم البنين زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك التى كانت تحضر مجالس الأدباء وتلقى الخطب وتجادل وتحاور في الموضوعات المختلفة

كذلك نبغت عائشة بنت طلحة في الأدب والتاريخ والعلم والسيدة سكينة بنت الحسين التى كانت شاعرة ويجتمع اليها الشعراء وفي العصر الفاطمي كان النساء يذهبن الى الجامع الازهر لحضور المجالس الدينية وكان هناك سيدات يقمن بعقد حلقات للتدريس في جامع عمرو بن العاص.

وتخلص الدكتورة عبلة الى القول إن المرأة طوال العصر الإسلامي كانت تتمتع بالحرية، خاصة فيما يتعلق بالتصرف في مالها وفي كتابة العقود والوثائق وادارة تجارتها وممارسة البيع والشراء واقامة المشاريع وكانت المرأة تختلط بالرجال في الأسواق والمتنزهات وأثناء زيارة القبور وقضاء المصالح بدواوين الحكومة.وتؤكد ان التغيرات السياسية في العصر الحديث هي المسؤولة عن فقدان المرأة الكثير مما كانت عليه وما كانت تتمتع به في الحياة الاجتماعية التي عاشتها في ظل العصر الإسلامي.

* وضع سيئ

ومن جانبه يعترف الدكتور محمد عبد الغنى شامة الأستاذ بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر أن وضع المرأة في كثير من البلاد الإسلامية سيئ لكن الإسلام ليس مسؤولاً عن هذا لأنه يعطي المرأة الحق في أن تتعلم وان تعمل وان تتولى أى منصب مادامت قدراتها تؤهلها لذلك ومادامت تقوم بواجبها نحو أسرتها، مشيرا إلى أنه لا يجوز حرمان المرأة من الحق في العمل مادامت تستطيع الموازنة بين عملها وبين دورها في رعاية الأسرة

ويؤكد شامة أن الإسلام يتيح للمرأة ممارسة كافة الأنشطة الاجتماعية بل لا يمنعها من المشاركة في القتال، ويذكر الدكتور شامة نموذجاً لمشاركة المرأة في القتال فيقول في معركة «أجنادين» كانت خولة بنت الأزور تتابع المعركة من بيتها ولما وجدت جيش المسلمين في أزمة ارتدت زي الحرب وامتطت جوادها وشاركت في القتال فتحول ميزان المعركة لصالح المسلمين

فقد قاتلت قتال الفرسان الشجعان لدرجة أن المسلمين قالوا يومئذ: لو كان خالد حياً لقلنا إنها خالد بن الوليد، ويتساءل هل يتصور المسلمون اليوم او الذين يتهمون الحضارة الإسلامية بأنها جعلت من المرأة مجرد تابع ذليل للرجل أن خولة هذه لم تتعلم ولم تتدرب وأنها هكذا فجأة ركبت الفرس وذهبت لتقاتل ؟ موضحا أن المنطق يؤكد أنها كانت تتلقى تدريبات عالية على القتال.

ويخلص الدكتور شامة إلى القول إن الإسلام والحضارة الإسلامية أعطت المرأة حريتها وأشترطت عليها فقط ان تحافظ على نفسها وألا تتبرج وأعطتها الحق في ان تتعلم وان تعلم، معربا عن آسفه لأن بعض البلاد الإسلامية أعطت الغرب صورة سيئة عن الإسلام وجعلته يتهم الحضارة الإسلامية والمجتمعات الإسلامية بانتهاك حقوق المرأة واضطهادها ومعاملتها كقطعة من آثاث المنزل.

ويرى أن هذه السلوكيات لا تمت للإسلام ولا لحضارة المسلمين بصلة وهى مجرد سلوكيات خاطئة تصدر عن بعض المسلمين الجهلة الذين لا يفهمون دينهم فهماً صحيحاً.وتوضح الدكتورة فوزية عبد الستار الاستاذ بكلية الحقوق جامعة القاهرة أن الإسلام منح المرأة كل حقوقها وأن الحضارة الإسلامية كان من عوامل نشأتها ورقيها وبقائها انها منحت المرأة حقوقها وحريتها وجعلتها تؤدى دورها كاملاً في المجتمع،

مشيرة الى ان المرأة في العصور الإسلامية المتعاقبة كانت تشارك في الحياة العامة وتضرب مثالا بالمرأة التى تصدت لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حينما اراد ان يضع حدا اقصى للمهور وذكرته بقول الله ـ تعالى ـ : «وان اردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم احداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا اتأخذونه بهتانا واثما مبينا» وتراجع عمر عن رأيه وقال كلمته المشهورة «اصابت امرأة واخطأ عمر» وهذا يدل على علو شأن المكانة التى وصلت اليها المرأة في ذلك العصر.

وتشير الدكتورة فوزية الى انه رغم اهمية دور المرأة في دفع المجتمع نحو التقدم والرقي وملاحقة الركب الحضاري الا أنها عانت في الماضي معاناة كبيرة حيث كان ينظر اليها على انها ادنى من الرجل او انها تابعة له، ولذلك كانت تحرم من كثير من الحقوق

لكن بمجرد مجئ الإسلام اقر مبدأ المساواة بين المرأة والرجل فيما لا يتعارض مع الطبيعة البشرية فساوى بينهما في التكاليف الدينية في الثواب والعقاب وفي الالتزام بطلب العلم وفي الحقوق المدنية فجعل للمرأة ملكيتها الخاصة التى لا يشاركها فيها الزوج ولها حرية التصرف في مالها وهذه الحقوق لم تظهر في الدول الغربية إلا في العصر الحديث بعد كفاح مرير من خلال الاعلان العالمى لحقوق الإنسان.

وتحذر من الانسياق وراء الدعوات الغربية الى تحرير المرأة وتقليد المجتمعات الغربية في السفور الفاضح والحرية غير المسؤولة وانما يجب ان يكون تحرير المرأة من الجهل والخرافة والمعتقدات الخاطئة وتحريرها من السلبية التى تجعلها قعيدة البيت اسيرة الفكر وتحريرها من القهر والخوف والقلق على مستقبلها وعلى ابنائها وهذه المفاهيم لتحرير المرأة تحققها كلها على نحو مثالي الشريعة الإسلامية.

وتؤكد الدكتورة فوزية ان أوضاع المرأة في العالم الإسلامي في الوقت الحاضر لا بأس بها لكن المرأة في صدر الإسلام كان لها دور اكثر فاعلية بالمقارنة بالعصر الحاضر، فكانت المرأة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تخرج للعمل دون ان يثير ذلك اية مشاكل وكانت تخرج مع الجنود في الغزوات تسقيهم وتداوي الجرحى واحيانا كانت تمتطي الجواد وتقاتل وهى ملثمة حتى لا يعرف الاعداء انها امرأة،

وفي عهد عمر بن الخطاب كانت هناك قاضية في السوق تتولى قضاء الحسبة وكانت المرأة فقيهة في الدين مثل السيدة عائشة التى كان يلجأ اليها كبار الصحابة لاستفتائها في بعض الأمور التي تواجههم.وترى ان المشكلة تتمثل في السلبية التي أصابت المرأة المسلمة في العصر الحاضر مشيرة الى ضرورة التوعية لأن عدداً كبيراً من السيدات يعتقدن ان خروج المرأة من بيتها وذهابها الى العمل ومشاركتها في الحياة السياسية حرام ومثل هؤلاء وبعض الرجال لو فهموا دين الله جيدا لأدركوا انهم يحرِّمون ما احل الله.

* تشويه متعمد

وتؤكد الدكتورة سعاد صالح عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بجامعة الازهر ان الاتهامات التى يروجها اعداء الإسلام ضد الحضارة الإسلامية وموقفها من المرأة ليست اكثر من حلقة ضمن سلسلة التشويه المتعمد لكل ما هو إسلامي مشيرة إلى ان هذا التشويه يستهدف الأسرة والاخلاق والقيم الإسلامية من خلال التركيز على بعض الصور السلبية والتصرفات الشاذة لنفر محدود من المسلمين.

وتضيف كان الأولى ان يتنبه الغرب لمساويء حضارته التى افسدت العلاقة بين الرجل والمرأة وبين الزوج وزوجته وبين الآباء والأبناء مشيرة الى ان هذا كله تم تحت اضواء الحضارة وبريق الحرية وصيحات تكريم المرأة. وتشير الى ان المرأة المسلمة عاشت في ظل الحضارة الإسلامية التى امتدت نحو عشرة قرون ـ مكرمة تحظى بالاحترام والتقدير.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد