منذ أمد ليس بالقصير، وساحات الإبداع في الوطن العربي تشهد جدلاً، ينشط حيناً ويهدأ أحياناً أخرى حول الكيفية التي يمكن بها إحياء الفن الإسلامي بميراثه العريض في المجالات البنائية والزخرفية، ولكن هذا الجدل، فيما خلا بعض المحاولات الفردية ذات الطابع الريادي أو التجريبي، يبقى حبيساً في المنتديات الثقافية، لا يصل حتى إلى اهتمامات قراء الصحف ومشاهدي الإعلام المرئي، ناهيك عن رجل الشارع العادي.
والحقيقة أن فكرة إحياء الفن الإسلامي، وإعادة استخدام بعض مفرداته أو الاعتماد على فلسفته في مجالات العمران والتشييد والفنون التطبيقية قد لاقت اعتراضا من قبل المتخصصين في هذه المجالات انطلاقا من وجهات نظر مختلفة.فالذين يؤمنون بعالمية الفن يرون فيه كلغة عالمية وممارسة إنسانية لا محل فيها للخصوصية والهوية المحددة، ومن ثم يحبذون فتح النوافذ أما جميع مظاهر التراث العالمية لاستخلاص شكل جديد من أشكال الإبداع عوضا عن اللجوء إلى تراث الماضي.
وهناك من يرى في إحياء عناصر الفن الإسلامي واستلهام فلسفته عودة غير مبررة للماضي لأن آثار الماضي عظيمة في ذاتها وتبعا لظروفها، وأن الأصالة ذاتها هي صنو الابتكار.ويضيف هؤلاء إلى أسباب رفضهم ما طرأ على الحياة الإنسانية من تطور يصعب النكوص عنه أو إنكار معطياته.
فعمران المدن قد شهد تحولاً تخطيطياً يصعب معه الحديث عن أي نوع من التكرار لتخطيط مدن المنطقة العربية في عصورها الإسلامية الوسطى، فحاراتها الضيقة المتعرجة كانت مصممة لعبور المشاة وبعض الدواب والعربات الصغيرة، وكان هذا النسق منسجما مع الحاجات اليومية ومع الدوافع الاجتماعية التي تجعل كل حارة في كل حي أشبه بمجموعة سكانية متآلفة على أسس قرابية أو مهنية حرفية،
أما اليوم فإن دواعي الحفاظ على الصحة العامة وضمان انسياب أمني لحركة مرور كثيفة تشمل العربات الحديثة من كل الأحجام والأفراد ايضا، كلها تستدعي تخطيطا هندسيا للشوارع يعتمد على التقاطعات الشطرنجية، واتساعا قدر الطاقة لكل الشوارع والطرق.وإلى أبعد من ذلك فإن وحدة العمران الإسلامي الأولى ألا وهي المنزل لم يعد له بمقاييسه التقليدية مكان في المدن الحديثة ذات الكثافة السكانية العالية.
فالدار الفسيحة الأرجاء التي يتوسطها فناء سماوي مكشوف ولا يتجاوز ارتفاعها بحال من الأحوال الطوابق الثلاثة، لم تعد ملائمة لطبيعة المساحات المتاحة في المدن الحديثة مثلما أن تصميمها الداخلي الذي يعتمد على فكرة الفصل بين الرجال والنساء أو بالأحرى بين الزوار وأهل الدار لم يعد له من مبرر في مدن يتلاقى فيها الغرباء داخل معاهد العلم وأماكن العمل وفي المنتديات الاجتماعية والمتنزهات والأندية والملاعب ووسائل المواصلات.. الخ
ولكن هذا الرفض، الذي يستند على حقائق لاسبيل لانكارها أو تجاوزها، إنما يتجاهل جملة من الحقائق لعل أبسطها أن الفنون المعمارية والتطبيقية على حد سواء، إنما تستمد جذورها في كل مجتمع من تراثه الجمالي، وهذا الأخير هو تعبير عن خبرة إنسانية عميقة جرى نقلها وتداولها من جيل إلى جيل، ويعطي «التذوق» أو القبول الجماهيري للأعمال الفنية فكرة واضحة عن حقيقة هذا «التفرد» الفني لكل مجتمع،
فإلى اليوم لا تجد مدارس فنية ذائعة الصيت في الغرب قبولا أو فهما من الأوساط الثقافية، فنادراً ما يبدي زوار المعارض الفنية أي قدر من الاعجاب أو الفهم لما أنتجته قرائح الفنانين العرب على مذاهب السريالية والتكعيبية ورغم أن البعض يرجع ذلك إلى افتقاد الجمهور للثقافة الفنية، إلا أن القبول الشعبي بأعمال فنية ثم إنتاجها اعتمادا على استيحاء مفردات شعبية أو بالتواصل مع عناصر الزخرفة العربية المختلفة،
كالأرابيسك وزخارف الطبق النجمي الهندسية بل والكتابات العربية، يبرهن على أن المسألة لاتتصل بالتثقيف قدر التصاقها بطبيعة الثقافة العربية ومفاهيمها الجمالية الخاصة. وآية صدق ذلك أن أعمال فنان شهير مثل «بول سيزان» عن الطبيعة الصامتة تلقى قدراً لا بأس به من الرواج في البيوت العربية لا لشيء سوى أنها تتسم بقدر كبير من التجريد والأحاسيس اللونية التي ألفها الناس في ثقافتنا الفنية العربية.
وزيادة على ذلك، فإن انبهار الناس بناطحات السحاب العملاقة لم يخف انقباضهم من الواجهات الزجاجية والأشكال النمطية المتكررة لواجهات المباني الحديثة، وضيقهم بالتكلفة الزائدة للحفاظ على الخصوصية الاجتماعية في سقف هذه المباني، وتجنب حرارة الصيف القائظ وبرد الشتاء القارس وعناء تعطل المصاعد بين الفينة والأخرى.وما برح العرب ينظرون إلى الدار التقليدية بارتفاعها الخفيض وأفنيتها المحاطة بالأشجار بوصفها السكن الذي يستحق هذه التسمية.
ويتجاهل هؤلاء أيضا أن المجتمعات الإنسانية تسعى دوما إلى تعزيز الروح الوطنية لديها باعادة إنتاج أنماط ومفردات من نتاجها الثقافي عبر العصور، ويتم ذلك بدرجات مختلفة من الانتظام في الآداب والفنون التطبيقية والتشكيلية وفي العمارة أيضاً، إن البحث عن الهوية المميزة صار ملمحاً رئيسياً لسلوك الأمم وهي تواجه طوفان العولمة الذي يحاول أن يجتاح أمامه كل الخصوصيات من أجل تدعيم «وحدة الأسواق» وإخضاعها للإنتاج النمطي الواسع أو ما يعرف بالانتاج السلعي.
لقد أدركت الشعوب أن التعمير الكامل لتقاليدها في البناء، على سبيل المثال، لم يوفر الاحتياجات الإنسانية لأفرادها وإنما فاقم من نقص هذه الاحتياجات وأوقعها بالمثل في حبائل الاستعارة من الخارج سواء شمل ذلك استيراد مواد البناء أو أدوات المعمار أو حتى تقنيات الحفاظ على درجات حرارة مناسبة وسبل بلوغ الارتفاعات الشاهقة.
وفي الواقع العربي ثمة بقية من روح العمارة الإسلامية تشد الإنسان إلى مقاييسها فبالإضافة إلى «المسجد» الذي هو محور العمران الإسلامي ومصدر إشعاع في حياته اليومية تبقى الآثار القائمة معينا تستمد منه العناصر والأشكال، وقبل ذلك وبعده الخاصية السحرية للعمران والعمارة العربية، ألا وهي اعتماد الإنسان كمقياس لمنشآتها، فالإنسان من حيث هو روح وتاريخ ومن حيث هو كائن اجتماعي مرتبط بقيم وتقاليد كان هو دوما مقياس المدنية العربية،
وثمة اتجاه متنام في العمارة الحديثة يسمى بالمنظور الإنساني، أي إعطاء عمران المدن المظهر الذي يفصح عن ماضي وأصالة الإنسان الذي يعيش فيها، وهي خصائص يصعب تجاهلها لأن الإنسان مهما اختلفت طبائعه يبقى بحاجة ماسة إلى التعاطف من محيطه الذي يرتبط روحيا بنموذج معين وهذه الحاجة عميقة وجوهرية تمتد بجذورها إلى الماضي على نحو يجعل لتلك الشخصية العمرانية أهميتها من الناحية العملية والوجدانية على حد سواء.
ومهما يكن من أمر الجدل حول العلاقة بين الأصالة والمعاصرة فإن إحياء تراث عمارة وفنون الإسلام يبقى مهمة إبداعية تعتمد على استلهام الفلسفة قبل استعارة الأشكال وفهم دوافع إنجازاتها قبل نقل المفردات أو إعادة إنتاج الأشكال التقليدية القديمة.
ـ أستاذ الآثار الإسلامية ـ جامعة القاهرة
