«هذي دبا محلاها، وملفاها للغريب، ليمن نقع شرتاها، مويها وهواها يطيب ينكب وادي حجرها من زعفران وطيب» حين يلتقي المرء بأهالي دبا يدرك مدى حبهم لمدينتهم الوارفة، فهم يبادرونك بأبيات الشعر التي أصبحت تذكاراً يحفظه الكبار والصغار، ودبا في الماضي كما هي اليوم ـ ملفاها للغريب ـ تستقبل زوارها فاتحة ذراعيها عبر شواطئ تنطق بالسحر وتؤكد ان المنطقة التي كانت مقيظاً لأبناء الصحراء يتوافدون إليها من شتى البقاع أصبحت اليوم وجهة سياحية متميزة.

ودبا التي تبعد عن مركز إمارة الفجيرة حوالي 70 كيلومتراً عرف أهلها في الماضي ثراءً طبيعياً نتج عن تنوع طبيعتها الجغرافية وقد انعكس هذا الثراء على النفوس حتى شكل وجود الضيف احتفالية خاصة حيث يقابلونه بالطعام والترحاب الجميل، فكان الدخول إلى قلوب أهلها سلساً كما هو الدخول في شوارعها الجميلة التي تفيأت ظلال الشجر.

وفي مجلس سالم ناصر سالم الرويحي عادت الذكريات نحو دبا القديمة والحياة فيها، ومجيء شهر رمضان المبارك وفعالياته المميزة، وقد تشعب الحديث ليشمل تنوع حياة دبا حيث يعيش أهل البحر إلى جانب أهل البر وأبناء الجبال. ويبدأ الحديث عن دبا في الماضي بما يذكره عبدالله سعيد سبيتي عنها قائلاً: «كانت دبا في الماضي تعيش حياة بسيطة، ودخلها على قدر حاجة أهلها الذين قاوموا الدهر والزمان بحسب قوتهم وعايشوا الجبل والبحر، وقد كان منهم من يعمل في صيد السمك ومنهم من يربي المواشي و«يكد جمال» أي يقوم بالرحلات من دبا إلى دبي والشارقة ومنهم من يجني العسل أو يقوم بالزراعة.

وقد كنا نزرع الفندال والحناء والهمبة والرطب وفي فصل الصيف يبدأ موسم الرطب فنضعه في «وخايف» مفردها وخيفة وهي سلال تصنع من خوص النخيل ونتواعد على يوم «نظهر» فيه أي نخرج فيه باتجاه دبي لأن الناس في ذلك الزمان يسافرون مجتمعين فيجتمع حوالي أربعة عشر «خابطاً» أي مطية وكل «خابط» يقوده رجل ويجب ان نسافر مسلحين خوفاً من قطاع الطرق فكان السلاح أمراً ضرورياً لكل رجل وأنواع البنادق الموجودة آنذاك الميازر والصمع وأم ركبة وأم الرواح والفلاسي.. وكان ثمن الصمعة 150 روبية وثمن الميزر 200 روبية، وتأتي أهمية السلاح لقدرته على حماية صاحبه وأهل بيته من اللصوص وقطاع الطرق، فهؤلاء إذا وجدوا رجالاً ضعفاء بلا سلاح أخذوا أموالهم وركابهم وتركوهم في العراء.

* بيع الأسماك للعراقيين

ويتحدث عبدالله بن سعيد عن أعمال الناس فيقول: «كان أهل البحر يصيدون أنواعاً مختلفة من السمك مثل «الخباط» وهو نوع يملح مباشرة ثم يجفف ويباع لتجار العراق القادمين من البصرة وكان هؤلاء يشترون كل مئة سمكة بست عشرة روبية ويباع سمك القباب للبدو القادمين من الجبال والصحراء، وتختلف أعمال الناس حسب جغرافية الأرض، فقد كنت أعمل في الماضي على الجمال نبيع الماشية في دبي، ونشتري ما قل ثمنه من المواد الغذائية

فقد كانت لدينا أسواق عامرة فيها الطحين والبر والقهوة والسكر، وما نبيعه في دبي نعود بثمنه إلى ديارنا، أو يشتري الرجل ما يفرح زوجته من ملابس وحلي. وكانت «الشواحيف» هي قوارب الصيد المتعارف عليها ولم تكن هناك مكائن في تلك الشواحيف التي يصنعها رجال معروفون منهم «سليمان بن صالحوه وعلي بن عبدالله بن يعوف وسليمان بن عبدالله بن زايد».

وينتقل أبو سعيد إلى الحديث عن شهر رمضان المبارك وصيامه فيقول «عادة يصوم الناس الشهر ويعرفون موعده عند ظهور الهلال ولكن إذا أصبح لديهم شك في رؤيته أكملوا عدة شهر شعبان ثلاثين يوماً واحتسبوا ما بعده هو اليوم الأول من رمضان وكان يعلن عن حلول الشهر الكريم بإطلاق مدفع يتم حشوه بالبارود لهذا الغرض ويطلق الرجال من أسلحتهم عيارات نارية تكون إيذاناً ببدء شهر رمضان المبارك

حيث يكون شهر عبادة وتواصل بين الناس فمنهم من يفطرون «رباعة» أي مجتمعين ومنهم من يفطر في بيته، ويلتقي الناس عادة في المسجد يصلون التراويح ويقرأون القرآن حتى ساعات متأخرة من الليل، وغالباً ما يختمون القرآن عدة ختمات ولم يكن هناك مطوع خاص لكل مسجد فمن يستطيع قراءة القرآن أو يحفظ منه شيئاً يقرأ للحاضرين، أما السحور والإمساك فنعتمد فيه على النجوم وصياح الديك،

إذ يصيح الديك ثلاث صيحات الأولى نسميها «ديك الغاليات» أي الزوجات فيكون الرجل مع أهل بيته، ثم ديك السحور وفي ذلك الوقت يتناول الناس سحورهم من الطعام المتوفر، ثم ديك الفجر ويؤذن المؤذن للصلاة ويكون الناس قد أمسكوا عن الطعام والشراب، وكان الناس يعرفون الوقت من مواقع النجوم، ونجمة الصباح «ترابع» القمر من اليوم الذي يكون فيه هلالاً، وكان الهنقري «أي الرجل الغني يفتح مجلسه للناس وقت الإفطار فيأتي ابن السبيل والمسكين والفقير ليفطر في المجلس».

* التواصل في الشهر الفضيل

ويتحدث سالم ناصر بن سالم الرويحي عن رمضان الماضي فيقول.. كان الناس في رمضان أكثر تواصلاً وألفة، لا فرق فيه بين غني وفقير إذ يجتمعون في المساجد لذكر الله، ويتناولون الطعام «رباعة» كل شخص يحضر ما توفر من «فواله» وما اعد في بيته من «عيش» أو «ثريد» أو «هريس» وكنا نزكي بالتمر يعطى للفقراء والمحتاجين والناس أهل خير فقد كانت دبا أغنى من غيرها من المدن فيها الزرع والنخيل والمياه العذبة في العيون الجبلية،

وكانت الوديان تجري بمياه الأمطار، والناس يزرعون البر والنخيل والفندال والهمبة وأنواع الخضروات المختلفة، فضلاً عن توفر السمك بأنواعه مثل القباب والخباط والكنعد، واشتهرت كذلك بصيد اللؤلؤ «القماش» بأنواعه، حيث توجد «يارات» مغاصات لصيد اللؤلؤ، ويتوفر السمك في كل مكان من البحر،

ويأتي التجار من البحرين والبصرة والكويت عبر البحر بالبوم حاملين بضائعهم من الرز والطحين والقهوة ليبيعونها ويشتروا «القاشع» والمالح والعسل وما في دبا من منتجات، وكان أهل المدينة يستضيفون الناس في القيظ، فأصحاب البساتين يفتحون أبوابهم للعوائل القادمة من دبي وأبوظبي ولم تكن هناك هموم أو مشاكل فقد كانوا قانعين بما رزقهم الله، وكان الغني بحاجة للفقير مثلما الفقير بحاجة للغني.

ويضيف الرويحي «لم يكن عدد سكان دبا كبيراً فقد يصل إلى حوالي 800 شخص وكان فيها عدد من القبائل التي تسكن متجاورة منها قبيلة الظناحنة والصريدات واليمامحة والعبادلة والزيود. ولم تكن هناك مشاكل بين الناس، فإذا حصلت مشكلة اجتمع عليها كبار السن وقاموا بحلها، وكانت النساء تشارك الرجال في الزراعة وفي جني الرطب وتجهز بيوتها بالماء والحطب وتخيط ثيابها وثياب أطفالها وزوجها، وقد تغنى بها شعراء زمان أول، فيقول الشاعر:

يا سألج يالكندورة

من خاط ومن درز؟

قالت حسين الصورة

الي بالرايح برز

أما افراح الناس وأعراسهم فكانت تقام قرب البيوت ويأتي المهنئون من الرجال من بعيد حاملين أسلحتهم وينشدون الأشعار تكريماً للعريس ويبدأ «الرزيف» ويستقبلهم أهل العرس منشدين:

«حي الربع اللي لفونا

بالكرم والحشنيمة»

ويقول المهنئون:

«بالبنادق زحمنا

والعمر سايمينا»

ويجتمع الناس في الأعياد من الأحياء المختلفة، وتقام سباقات الهجن ويرش الزعفران على المطية الفائزة، وفي حالة الحزن لا سمح الله أي عند موت أحد أفراد القبيلة يقام العزاء ثلاثة أيام يمتنع الناس خلالها عن سقي النخيل ويشارك الجميع صاحب العزاء حزنه.

* حياة بسيطة للنساء

ومن حديث الماضي الجميل عند الرجال ننتقل الى مجلس الوالدة «آمنه حمدان» التي صورت حياة نساء دبا في الماضي بقولها: «كانت حياة الماضي بسيطة وجميلة على الرغم من صعوباتها، فلم نكن نعرف البيوت الحديثة أو الكهرباء والسيارة وكل هذه الأشياء جعلت النساء الآن يعتمدن على غيرهن في جميع شؤون الحياة ولا توجد بشكارات أو خدم في البيت فالمرأة تقوم بأعمال بيتها وتوفر ما تحتاجه العائلة من سقي الماء وجلب الحطب وطبخ وتنظيف

وفي شهر رمضان المبارك تجتمع نساء الأقارب معاً في البيت لتحضير الفطور ويبدأن بعد الظهر وكانت الأكلات المعروفة هي الثريد، القرص والعيش والنخي «دنكو» ونطبخ «صالونة» الدجاج أو اللحم مرة واحدة في الأسبوع وفي مواسم الرطب نقوم بخزن الرطب ليتوفر لنا في رمضان وباقي أيام السنة وخاصة للشتاء وتحرص النساء في رمضان على تجويد الطعام ويتبادلن الأطباق الرمضانية، ويتزاورن بعد صلاة التراويح.

وعند وقت السحور يقوم المنادي بقرع طبل أو «قوطي» من الصفيح ليصدر صوتاً عالياً يسمعه النائمون، وفي ليلة العيد تقوم النساء بنقش الحناء وتحضير الملابس النظيفة وتعطير البيوت بالبخور وطبخ الهريس فتكون ليلة فرح كبيرة عند الناس.

وجمال الطبيعة في دبا وكثرة بساتينها يعطي ألفة مع المكان تتوج بدعوة إلى مزرعة الحاج أبو سعيد العامرة بالنخيل وأشجار الهمبة وأنواع مختلفة من الخضار والحمضيات مشكلة نموذجاً جميلاً لمزارع دبا التي تجاور الجبال والبحر، الأمر الذي جعلها وجهة سياحية تزداد أهميتها كل يوم.

* تاريخ عريق

وعن دبا الفجيرة اليوم يتحدث الشاعر خالد عبدالله الظنحاني «تتميز دبا بتاريخها العريق الذي يمتد إلى العصر الفينيقي فقد كانت مركزاً تجارياً حيوياً، وقد ذكرت ضمن أسواق العرب العامرة فضلاً عن تاريخها الإسلامي الذي شهدت فيه حروب الردة، ودبا التي تقع على خليج عمان وتبعد عن الفجيرة حوالي 70كم اشتهرت بالجبال والأودية والسواحل الجميلة وشهدت تطوراً عمرانياً وسياحياً كبيراً على يد صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة،

فقد أنشئت فيها الحدائق العامة والمحميات الطبيعية، وبدأ العمل على حماية الكهوف وقد انتهت المرحلة الأولى بمئتين وعشرين كهفاً، اما عدد سكانها فقد بلغ ستة وثلاثين ألف نسمة، وهم من أهالي دبا الذين اهتموا بماضيهم والمحافظة على تراثهم فمازال التواصل بينهم موجوداً وخاصة في رمضان الأمر الذي جعلها مدينة عصرية محتفظة بنكهة الماضي وعراقته.

استطلاع: دلال جويد