عاد فلوبير من رحلة حياته مفعما بالصور والمعلومات والأفكار والرؤى.. والعواطف أيضا، أمضى بعدها خمس سنوات كاملة راهبا في محراب الإبداع الأدبي وبعدها قدم إلى القراء رواية «مدام بوفاري» التي أحدثت دويا في أوساط المجتمع ودوائر السلطة الحاكمة، وقتها في فرنسا..
لقد كشفت الرواية أو فلنقل وضعت مجتمع البرجوازية، الفرنسية على طاولة التشريح فكان أن قررت السلطات تقديم المؤلف إلى المحاكمة وبصعوبة شديدة أفلت جوستاف فلوبير من عقوبة السجن.. ليواصل الانكباب على إنتاج المزيد من الروايات والمسرحيات والدراسات.
* أصل الحكاية
تتألف الرواية من 3 أجزاء رئيسية.. تبدأ مع سيرة بطلها تشارلس بوفاري. فتي عادي وربما أقل من العادي.. لا يميزه شيء.. كفاءة خاصة ولا مخيلة واعدة من نبوغ.. يتخرج تشارلس مثل مئات غيره في مدرسة الطب ويعاود التقدم إلى امتحان مزاولة المهنة إلى أن يجتاز الاختبار ويصبح طبيبا ممارسا في قرية «توست» ويتزوج الطبيب من مدام دوبوك..
امرأة قرب الخمسين.. دميمة كئيبة في بيت يجسد الكآبة أصلا.. وعندما يستدعونه لفحص أحد سراة المزارعين في الإقليم يجذبه جمال فتاة الأسرة الشابة «إمّا» وحين تتوفي الزوجة المسنة يتزوج الطبيب من «إمّا» الصغيرة الجميلة في حفل بهيج حقا دام 16 ساعة كاملة.
ها هى العروس تتجول في أنحاء بيتها.. تصدمها قطع الأثاث المرصوص بغير ذوق وتروعها ثياب الزوج المهملة بغير هندام.. ثم ما هذه الصور السخيفة المعلقة بغير ثقافة.. والتماثيل القبيحة المصنوعة، من الجص الأبيص الرخيص وقد كاد وجودها الممل يخنق الأنفاس؟.
ها هى تغرق نفسها في قراءة روايات الرومانسية الحافلة بصور الجمال وشطحات الخيال ومناجاة المحبين.. وحين تدعى مع زوجها الطبيب إلى عشاء لدى الماركيز واندرفيل في قصره المنيف تمضى ليلة الدعوة كالمسحورة مأخوذة.. مفتونة من فرط ما رأت وسمعت وذاقت ووعت.. موسيقى الفالس دعوات للرقص من شباب يعرفون بالضبط قواعد الاتيكيت ويجيدون فن التعامل بشياكة بالغة مع المرأة الجميلة..
ألوان الطعام لذيذة الطعم تكاد تعزف على الموائد سيمفونيات رائعة من حسن التنسيق وجمال الزهور وأسماء الأطباق وانسجام الترتيب.. جدران الشاتو ـ القصر مغطاة بلوحات عبقرية لأعظم فناني العصر.. الستائر مسدلة ومصنوعة من المخمل الزيتوني الثمين.. الناس يجيدون فن الكلام وعبارات الإطراء وعبق العطور يملأ أجواء المكان. إن مدام بوفاري تعيش عكس هذه الحياة على طول الخط.. في بيت خانق..
وزوج مهمل لا يجيد سوى ترديد مصطلحات الطبابة ولا يعرف حرفا من قصيدة شعر أو كلمة ثناء ولا توقف لحظة عند لمسة من جمال يحاول الطبيب الريفي أن ينقذ حياته الزوجية.. ينتقل بالزوجة المتمردة الجميلة إلى مدينة «روان» عاصمة الإقليم.. هناك يزداد عالم الزوجة اتساعا وطموحا بل وطمعا إلى أن تطرق بإلحاح دنيا المتعة واللهو والمغامرة..
وبدأت عجلة المغامرات تدور حين تتعرف على عدد من الرجال الذين يجذبهم جمالها ويتقربون إليها.. تحاول المقاومة وتخشى مغبة السقوط.. تنشد النصيحة من رجال الدين.. تعتل صحتها الجسمية والنفسية.. لكن الإغراء يجذبها وسخافة حياتها الرتيبة تدفعها إلى مصيرها المحتوم..ها هى تختلق من الأعذار النسائية ما يصدقه الزوج المشغول بالمهنة والمعزول عن تيار الحياة.. مرة تذهب إلى المدينة لكي تشاور المحامي. ومرات تذهب إلى المدينة لكى تتلقي درسا في البيانو..
وها هى تلقي بنفسها في أحضان صديقها المحامي الشاب وتمضى معه أياما من المتعة تاقت إليها بعد أن قرأت عنها في سطور الرومانسيات.. تتشاءم من صوت شحات أعمي كلما مرت به سمعته يردد عبارة: في ليالي الصيف الدافئة.. يذوب قلب الشابة في وهج الأحلام يلمحها تاجر مراب من معارفها وهى بين أحضان العشيق ولا يتردد المرابي في ابتزاز «إمّا» التاعسة وإلا فضح سمعتها وهتك أسرارها..
تشترى صمته بإعطائه أموالا وبالتوقيع على صكوك وسندات وينتهى الأمر بالطبع إلى أن تلقى نفسها فريسة الإفلاس والإملاق وتجريد الممتلكات.. وحين تطبق عليها أنياب اليأس من كل جانب.. وحين تطالع حكما معلقا على باب بيتها يقضى ببيع كل ما يحويه البيت من أثاث، تكتب رسالة اعتراف إلى زوجها.
وتتناول سما تنهى به حياتها المضطربة التي لم تهدأ دوما في يوم من الأيام.. تجود «إمّا» بآخر أنفاسها بينما يتناهي إلى سمعها الكليل صوت كالنذير يتكلم عن مصير الصبايا وقلوبهن الرقيقة التي تذوب تحت وهج الحلم المستحيل في ليالي الصيف..
إنه صوت الشحاذ الضرير.
* الأفكار.. الرموز.. الدلالات
الرواية تصور عالما هو الأقرب إلى أوضاع عالم البشر الواقعي.. عالم يموج بالتجار والمرابين.. ينتهزون كل فرصة يلوح فيها ضعف الإنسان.. ويضم أطباء محدودي العلم والمهارة.. وزوجات شابات هن من الحسن في غاية، ومن قصور العقل وخطل الرأي بمكان..
يدور العمل بالذات حول الزوجة الصغيرة الفاتنة «إمّا» وقد رشحها جمالها لكي تصبح محط الإعجاب.. لكن طموحها المدمر وإمعانها في قراءة الرومانسيات وإغراقها في التهويم في غلالات الخيال.. وسخطها الدائم على حياة لم تعمل يوما في أن تصلح من شأنها أو تفهم بعمق عوامل قصورها.. كل هذا أوردها موارد الهلاك.
لقد وافقت على الزواج من رجل بسيط أكبر سنا ولكنه كان مخلصا لها وحادبا عليها.. بل ظل بعد وفاتها يشعر بأسى ورثاء نحوها. لم يخدعها الدكتور بوفاري في شيء.. فلماذا جزاء الرجل هو الخيانة والخداع؟. توفي تشارلس بوفاري بعد فترة قصيرة من رحيل زوجته.
في هذا كله تصور الرواية ضراوة الصراع بين الفانتازيا والواقع.. وقد اجادت تصوير الصراع لدرجة أن دخلت المعاجم اللغوية مصطلح زبوفاريزمز ليدل على من يسترسلون في أحلامهم محلقة في أجزاء السماء دون أن يعيروا واقع الحياة التفاتا وتكون النتيجة شبه المحتومة أن يؤوبوا بخيبة الأمل ويكون نصيبهم هو السقوط من حالق الحلم ليرتطموا بواقع الاحباط ومنهم من يصل إلى التدمير الذاتي وهو نوع من الانتحار المعنوي الناجم عن نضوب الأمل وغياب إرادة الاستمرار وحتى لا يقال الانتحار المادي على نحو ما جسدته مأساة بطلة «مدام بوفاري».
هناك أيضا ذلك التصوير الانتقادي الذي أجاده جوستاف فلوبير للطبقات الوسطي في فرنسا (وفي غيرها من عالم الغرب الأوروبي ـ الأميركي) كان أشد ما يأخذه فلوبير وإضرابه على هؤلاء البورجوازيين هو افتقارهم إلى الذوق السليم وإلى رقة الحاشية.. هو برودة حياتهم وظلامها حيث ظلوا يركزون بفعل الطمع على جمع الأموال ومراكمة الثروات ومن ثم تجميع أسباب النفوذ والجاه.. وجاء هذا كله على حساب العواطف النبيلة أو مراعاة الجوانب الإنسانية أو تشجيع الفن ورعاية الإبداع.
* العمل في ذاكرة الإنسانية
قبل صدورها في مجلدين كان القراء الفرنسيون قد تابعوا نشر رواية «مدام بوفاري» مسلسلة في مجلة «ريف» الأدبية وحين انتهت حلقاتها يوم 15/12/1856 رحبت بها الأوساط الأدبية تحت شعار يقول:
ـ مدام بوفاري هى بداية عصر الواقعية في الأدب الفرنسي.
مع ذلك فقد كان هناك من يتحفظ، ولايزال يتحفظ على إطلاق لفظة «واقعية» أو «واقعي» على عمل في مستوى هذه الرواية، صحيح أن فلوبير استوحي لروايته حادثة وقعت فعلا في أيامه عن خيانة زوجة صغيرة تعيش في الأرياف. وصحيح أن الأديب الكبير كان يستخدم لغة أكثر إلتصاقا بواقع الناس في زمانه حتي ليسمونه رجل الكلمة المضبوطة أو الدقيقة (موجوست) كما يقال في التعبير الفرنسي. لكن فلوبير لم ينقل صورة فوتوغرافية عن الواقع..
لقد تحولت خيوط الواقع عند الكاتب الفرنسي إلى قوام متماسك من نسيج الإبداع الفني، تماما كما تحولت حادثة محمود أمين السفاح القاهرى في أوائل الستينات إلى واحد من أهم أعمال المبدع المصري ـ العربي نجيب محفوظ وهى رواية «اللص والكلاب»، ويصدق على الاثنين فلوبير ومحفوظ المقولة النقدية الشهيرة: إنه قدم عملا روائيا مبتكرا له مكانته في باب الفن ولم يقدم تحقيقا ريبورتاجاً مهما كانت أهميته في دنيا الصحافة.
يرصده : محمد الخولي
