مع بداية القرن العشرين توافد إلى دبي عدد من التجار الفرس لتبدأ الجالية الفارسية المتواجدة في دبي في النمو والتطور. فقد أدرك هؤلاء التجار أن الإجراءات التي فرضتها الحكومة الفارسية على (لنجة) قد وجدت لتبقى وأن الحكومة الفارسية، لن تخفف أياً من هذه الإجراءات.
لذا فقد وجدوا في قرار الشيخ حشر، إعلان دبي ميناءً حراً، قراراً صائباً وقرروا الهجرة النهائية إلى دبي وجلب عائلاتهم من فارس للعيش معهم بصورة دائمة. وكانت تلك الجماعة من التجار الفرس قد جاءوا من مقاطعة بستك ومن إقليم لار في فارس، ومما ساعدهم على تثبيت أنفسهم في دبي ومواصلة التجارة مع بلدانهم الأصلية أن طرق المواصلات والتجارة كانت مفتوحة على الدوام، ذلك أن معظم المواد الأساسية كخشب الوقود مثلاً، والفحم، كانت تجلب من فارس.
وقد استقر بعض من هؤلاء التجار على ضفة الخور في المنطقة المعروفة الآن بحي (البستكية). ولم يكن اختيارهم لتلك المنطقة عشوائياً، فهم على مقربة من الخور وبالتالي على مقربة من متاجرهم ومناطق تحميل البضائع. وقد تبع هؤلاء مجموعة أخرى من الفرس من جنوب فارس من مناطق (خمير) وخنج ولار وغيرها من مناطق فارس حيث عملوا في بعض الصناعات اليدوية وباعة جملة ومفرق في أسواق دبي القديمة. وقد استمرت الهجرات الفارسية منتظمة حتى العقد الثالث من القرن العشرين.
* أوضاع دبي الاقتصادية
كانت الأوضاع الاقتصادية لدبي في مطلع القرن العشرين بسيطة للغاية. فقد اعتمدت، كبقية إمارات الخليج، على صيد اللؤلؤ اعتماداً رئيسياً. وكانت دبي تملك حوالي 335 سفينة لصيد اللؤلؤ، بالإضافة إلى 50 مركباً لصيد السمك و20 مركباً بحرياً للسفر، أي التجارة، وهي من نوع السنبوك. بالإضافة إلى ذلك كانت تبني في دبي سنوياً حوالي 12 مركباً جديداً.
تجارياً كانت دبي في تطوراً مستمراً بسبب السياسة الحكيمة التي اتبعها حاكمها آنذاك، الشيخ مكتوم بن حشر كما سلف ذكره. فقد هيأت سياسات الشيخ حشر لدبي الفرصة لتحل تدريجياً محل ميناء (لنجة) كمستودع للتجارة الأجنبية في ساحل عمان المتصالح (اللفظ الذي كان يطلق على منطقة الإمارات العربية المتحدة).
ومنذ عام 1904 صادرت تتردد على دبي البواخر التابعة لشركات الملاحة في الهند وفارس وتزورها السفن البريطانية البخارية مرة كل أسبوعين لتلبية احتياجات التجار العرب والفرس والهنود المتواجدين في منطقة الإمارات. أما سفن الشركات الأخرى فتفد إليها حسب الحاجة.
وقد تنوعت صادرات دبي وكان أهمها اللؤلؤ والأصداف والتمور. أما الواردات فقد كانت أيضاً التمور التي كانت ترد إليها من البصرة وميناب، على ساحل فارس، والباطنة. كما كانت دبي تستورد الأرز والقمح والقهوة والشاي والسلع الأخرى كالحبال والأخشاب التي كانت ترد إلى دبي من الهند.
كانت متطلبات المجتمع التجاري البسيط محدودة للغاية وأهمها كانت تنحصر في العمل على تنظيم وتسهيل المعاملات التجارية وتنظيم الجمرك «الفرضة»، وكما بينا سالفا فإن أول ما يلفت الانتباه إلى تطور مكانة دبي هو الدور الذي يلعبه الخور في ذلك الأمر.
فعلى ضفتي الخور نما وتطور مجتمع دبي التجاري حيث كانت تجري فيه عمليات النقل والشحن والتفريغ من السفن وإليها، وكانت الإدارة المدنية في الإمارة بسيطة للغاية حيث تعكس بساطة الحياة العامة السائدة آنذاك في دبي. لذا تركزت متطلبات المجتمع على تحسين المرافق التي تهم التجارة وتنظيم إدارة عمليات الجمرك ووضع القوانين لها.
لم يكن لدى حكومة دبي في مطلع القرن العشرين الإمكانيات المادية للصرف على أوجه الإنفاق العامة المطلوبة. كما لم تكن مساهمات الحكومة البريطانية، والتي تقع الإمارات المتصالحة تحت سيطرتها، كبيرة بل بلغت أحياناً درجة التقتير بالمقارنة بما كانت تجنيه من فوائد من جراء سيطرتها السياسية على المنطقة بأسرها، ومما عقد الأمور ان كل خطوة في سبيل تنفيذ أي إصلاح كانت تحتاج إلى موافقة حكومة الهند البريطانية مما جعل من أمور الإصلاح أمور معقدة للغاية.
* الإصلاح المطلوب
من أهم الإصلاحات التي كانت مرافق دبي الاقتصادية تحتاج إليها، بدون شك، هي تنظيم الإدارة الجمركية ذلك لأن الجمرك هو نواة الإمارة الاقتصادية وعليه اعتمدت كافة مرافق الإمارة الأخرى. كانت إدارة الجمارك تقع بالقرب من الخور الذي يمثل الشريان الحيوي والميناء الطبيعي لجميع نشاطات السفن البحرية والوكالات التجارية التي اتخذت من شواطئه مقراً لها، وعليه فقد كانت السفن ترسو على ضفتيه التي تقع بالقرب من مخازن التجار مما يسهل عمليات تفريغ البضائع ونقلها،
وكانت السفن الكبيرة ترسو في البحر فتقوم السفن الصغيرة بنقل بضائعها إلى ضفتي الخور حيث تقع مخازن ومستودعات التجار فيما يقوم موظف الجمرك أو (الكراني) كما يطلق عليه محلياً، بزيارة تلك المخازن لتفتيش البضاعة وتقييم الرسوم الجمركية المستحقة على تلك البضاعة، وللسبب نفسه قامت صناعة وبناء السفن وورشات الحدادة بالقرب من الخور أيضاً لكي يتمكنوا من إنزال سفنهم مباشرة إلى الماء بعد الانتهاء من صنعها أو صيانتها.
وكنتيجة حتمية لنجاح ميناء دبي كميناء تتردد عليه سفن شركات الملاحة التجارية الإنجليزية BISN فقد أصبح وجود الخدمات الأساسية في هذا الميناء كاللاسلكي والتلغراف والخدمات البريدية وخدمات مناولة السفن (الإنزال والتفريغ) ضرورة قصوى. بالإضافة إلى ذلك ظهرت ضرورة أخرى حيوية ألا وهي توسعة الميناء وتطوير إدارة الجمرك وتسهيل الإجراءات حتى يتم تحديث الخدمات وتقديم خدمة أفضل للمجتمع التجاري ولسكان الإمارة بصورة عامة.
لم يكن لدى دبي قبل تلك الفترة ميزانية ثابتة للإنفاق على المرافق العامة وتطويرها، فقد كان دخل الحكومة، كما سبق ذكره، يأتي من الضرائب التي تفرض على أساطيل الغوص والذي كان لا يتعدى 5% من الناتج الإجمالي لكل سفينة غوض، ومن عوائد الجمرك، ولكن منذ عام 1903م عندما أصبح ميناء دبي يستقبل البواخر التجارية بانتظام بدأت الجمارك توفر دخلاً منتظماً للإمارة.
* تخطيط جيد لدبي
في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، وكنتيجة لذلك الازدهار الذي شهدته تجارة اللؤلؤ الطبيعي، بدأت أعداد من المهاجرين الهنود والفرس تتوافد إلى دبي مستفيدين من قلة الضرائب والبنية الاقتصادية المناسبة وتوافر فرص العمل المربح، فقد تضاعف عدد سكان دبي في الفترة ما بين 1908 ـ 1928 إلى 000,20 نسمة.
وأدت زيادة السكان إلى ظهور الحاجة لتخطيط جديد للمدينة وإنشاء أحياء سكنية جديدة. فأصبحت منطقة الشندغة تضم سكن العائلة الحاكمة ومعظم قبيلة البني ياس.كما صارت منطقتا أم سقيم والجميرا مناطق لسكنى أفخاذ بني ياس الأخرى. أما بر دبي فأصبح يضم الطبقة التجارية من هنود وفرس وبحارنة، حيث اتخذت هذه الطبقة من ضفة خور دبي مقراً لتجارتها وسكانها ونشأ سوق بر دبي في وسط الحي التجاري الذي يقع فيه مكتب حكومة دبي.
أما حي البستكية فظل حياً للعوائل الفارسية التي هاجرت من بستك في إيران، وكان معظمهم تجار جملة ومفرق. وقد بنيت منازلهم المتميزة بالبراجيل (أي الأبراج الهوائية التي تجلب الهواء إلى داخل المنزل)، بالقرب من الخور تسهيلاً لعمليات تنزيل السفن وشحنها.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

