الدعوة إلى الله مجرد إطار شرعي لعملية الهداية، فكما أن الإيجاب والقبول في عقد الزواج هو مجرد إطار شرعي لاجتماع رجل وامرأة ففي الوقت نفسه ليس له تأثير معين على ما يقوم به الزوجان من أنشطة وما ينجم عنه من آثار في الحياة من لقاء وإنجاب وتربية.

وهذه هي الدعوة إلى الله، فالله سبحانه وتعالى له من الأسباب والأدوات لهداية الناس أو عدم هدايتهم، وهي قوانين تجري سواء وجد المعلمون أو لا. ولكن الله عز وجل بعث الرسل الذين علموا الناس والعلماء لكي يكون ذلك محسوساً للناس جميعاً.هذه هي العبرة التي استخلصها الداعية الكبير الدكتور أحمد الكبيسي من مسيرته الدعوية.

وقال ان الدين الإسلامي فيه من القوة الذاتية التي تشد الناس إليه سواء في وجود الدعاة والمصلحين أم لا، وهذا ما حدث مع سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما دعاه الله سبحانه وتعالى أن يؤذن في الناس بالحج «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق» فاستغرب سيدنا إبراهيم من الأمر الإلهي عندما لم يجد أحداً من الناس حوله، فقال سبحانه: عليك الأذان وعلينا الإبلاغ.

وأضاف ان هذا هو الذي يفسر ان سيدنا محمد كان في غاية الحرص والحب واللهفة على إيمان عمه وأهل بيته الذين لم يؤمنوا، وحينئذ فإن على الداعية ان يعرف أن الله شرفه بأن وضعه في هذا الطريق، فلا ينبغي أن يزعم أن أثره في المجتمع ناجم عن قدراته وكفاءته أو غزارة علمه، ولو اعتقد ذلك فقد هلك لأنه يعلم هذه الآية الكريمة «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء».

* كيف ترون الصعوبات والعقبات التي تقف في سبيل الدعوة الإسلامية؟

ـ الدعوة الإسلامية في كل أطوارها كغيرها من الدعوات تلاقي صعوبات وعقبات ومشكلات وهذا قانون الحياة، وقد كان الأنبياء والرسل أشد معاناة من غيرهم لتبليغ دعوتهم ونشرها.

ولكن مشكلة المشكلات في عصرنا الحالي بل مصيبة المصائب التي أصابت الدعوة في مقتل هي رفض المسلم للآخر المسلم حيث سوَّق البعض الكراهية على أنها تقوى فأشاعوا الفوضى بين المسلمين وأفشلوا مشاريع إسلامية كانت مستقرة وكانت لها ثمارها عبر التاريخ.

فأنت إما أن تكون مع هذا الفريق أو أنت عدو، ولذا نجد المسلم المستقيم حائراً بين أعداء يناصبونه العداء ولا يفهم لماذا؟ ومن أجل هذا فأنا اعتقد جازماً ان كل الفرق انما هي تتقوى بالدين ولا تقويه وتأكل به ولا تخلص له، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «شر الناس من طلب الدنيا بعمل الآخرة».

وليس في هذا الدين تكفير إلا بخروج من الملة وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وهذا يعني أن من كفر مسلماً فقد كفر.

* علماء وقراء

* ما واجب العلماء في هذا الصدد، وما دورهم في أداء رسالتهم؟

ـ لا بد وأن نفرّق بين العلماء وبين القراء، فالقراء هم الذين ينقلون العبارة كما وردت ولم يعملوا عقلهم فيها وهؤلاء هم مصيبة الأمة، أما العلماء الحقيقيون فهم قلة الآن، وهم الذين يستطيعون وضع أحكام جديدة تواكب العصر وتلبي المطالب وتحل المشكلات، وييسرون على الأمة ما صعب عليها من خلال ما يستنبطونه من القرآن الكريم والسنة النبوية.

* كيف ترى تخلف المسلمين عن ركب التقدم والحضارة وما أسباب ذلك؟

ـ السبب الوحيد لتخلف المسلمين هو انقضاض الغرب عليهم أرضا وثقافة وعلماً وتعليماً، فقد استعمر الغربيون كل بلاد الإسلام بلا استثناء فنهبوا ثرواتها وأفسدوا عملها وقضوا على مظاهر وحدتها، واستولوا على أصحاب الكفاءات، ثم شرعوا لهم تعليماً ظاهرياً براقاً ولكنه لا يعطي للأمة شيئاً، والا فاذكر لي ماذا قدم التعليم الرسمي للأمة؟

فهذه السنوات الطويلة التي يقضيها الطلبة في مراحل التعليم المختلفة ثم يتم منحهم شهادة لا تسمن ولا تغني. وكم واحد منهم قادر على أن يعطي لأمته شيئاً؟ فالتعليم يستهلك من الأموال والسنوات من عمر الطالب ولا يعطيه إلا شهادة يعيش بها موظفاً.

أما السبب الثاني: فهو أنظمة الحكم الحديث، وأعني بها الجمهوريات التي قضت على الكفاءات وأتت على الثروات والعلوم والتي جمعتها الأمة على مدى عقود طويلة.

وكلنا يعلم أن هذه الجمهوريات التي نشأت في أهم البلدان الإسلامية اعتمدت على الغوغاء، ولذلك فقد سمعنا عن شرطي تم تعيينه رئيساً للوزراء وعن أمي صار وزيراً للتعليم. فتخلفت الأمة مما أدى إلى هجرة أصحاب الكفاءات ـ مع قلتهم ـ إلى الغرب.

أنا لا أدعي أنني خبير في ذلك بل ازددت يقينا بعدم علمي في هذا الباب، فعندما ذهبت إلى بغداد بعد سقوط النظام السابق وبقيت خمسة أشهر وكنت في صدارة الأحداث، وإذا بي اكتشف أنني لست فعالا في هذا الموقع، لأن سياسة الناس ووضع الخطط ورسم المستقبل بحاجة إلى إنسان آخر، لقد وجدت من التعقيدات والتداخل والحيرة الكثير.

* النهوض والهداية

* ما أسباب النهوض وعوامله؟

ـ أستطيع أن أقول إن أسباب النهوض كأسباب الهداية تتسلل رويداً رويداً، كما عاد المسلمون إلى دينهم طواعية بغير جهد من أي إنسان، فالنهوض والتقدم قادمان، والتغيير إلى الأفضل قادم والإصلاح على الأبواب، ليس بسبب أحد، وإنما هو من قوانين هذا الكون، فثنائية الفساد والتخلف لابد أن تختفي معها المرحلة البائسة لتبدأ مرحلة النهوض.

* التفكك الأسري وعدم الالتزام بضوابط الشرع والانحلال الخلقي أمور كثرت في وقتنا الراهن. فعلى من تقع المسؤولية؟

ـ إن من فضل الله على الأمة أنه كلما تعاظم الشر فإنه يبدأ في الاضمحلال، والصور كثيرة، فالخطر الشيوعي تضخم حتى غزا دول العالم بما فيها الدول الإسلامية، ولكن ماذا كانت النتيجة.. انهيار غير متوقع وأفول لا يصدق.

والآن فأميركا تتضخم في العالم، ولكن هناك تراجع مخيف يدركه علماؤها وعقلاؤها.

وكذلك فإن عدم الالتزام والانحلال كلما زادا وتضخما سيأتي اليوم الذي يتراجعان فيه وذلك من خلال هذه الفئة غير الملتزمة.

ولو أجرينا إحصاءً بين الناس لوجدنا أن الشباب بدأ رحلة العودة بدليل أنني فوجئت بأن عدداً كبيراً من العائلات لا تشاهد الفضائيات إلا الملتزم منها، وعندما سألتهم، أجابوا بأن ذلك بناء على طلب بناتهم وأبنائهم.

والذي يلتفت حوله يوم الجمعة في المسجد يجد نسبة كبيرة من الشباب قياساً على عدد المسنين.

ولو تأملت معرضاً من معارض الكتب لوجدت أن الكتاب الإسلامي هو سيد الموقف من خلال الشراء، فتعاظم الشر بداية نهايته.

* الحوار مع الغرب

* هناك دعوات متنامية للحوار بين المسلمين وبين الغرب. كيف ترى ذلك؟

ـ الحوار لا يكون إلا بين اثنين على شيء واحد يريدان الوصول إليه، وهذا لا يتمثل في الحالة التي بين المسلمين والغرب فهي حالة غالب ومغلوب وظالم ومظلوم.

وليست حالة اختلاف، فلسنا على خلاف معهم مطلقاً، فإيماننا بدينهم وقدسية كتبهم وأنبيائهم جزء من إيماننا بديننا، فالمسلم ليس لديه حساسية من اليهود والمسيحيين، فهؤلاء اشتطوا في معاداتنا بشكل غير مفهوم، ولا مبرر، ولذا فنحن أمة مظلومة تحتاج أن يكف عنها الظالم ظلمه ويعتذر لها.

* كيف تقضي شهر رمضان المبارك، وماذا يمثل لك هذا الشهر الكريم؟

ـ عادة أقضي شهر رمضان فيما أسميه الجانب الثقافي، فكل يوم لي محاضرة سواء في الدول العربية المجاورة أو في داخل الدولة.

والآن أقضي فترة كبيرة بين يدي كتاب الله عز وجل، وأنا من المداومين على قراءة الصحف للاطلاع على الأحداث، وعلى مدار ساعة واحدة يستمتع الإنسان بآراء ومقالات أكثر من 30 كاتباً من خلال خبراتهم وثقافتهم.وشهر رمضان هو من الشهور المحببة لي وقد خص الله الأمة الإسلامية بهذا الشهر وعليها أن تستثمره فيما ينفعها في دينها ودنياها.

حوار: السيد الطنطاوي