هلَّ هلال رمضان واستبشر الناس بقدومه بعد أن تهيأت الأسر لاستقباله، ومن المعروف أن لشهر رمضان مكانة خاصة عن باقي الشهور وكل عام يختلف رونق الشهر الفضيل عن سابقه، فتتجدد المشاعر إزاءه وتبقى نشوة خاصة لأوقات رمضان و لياليه حيث يتحمس الناس للقائه كلهفتهم لانتظار العيد التي غالبا ما يصاحبها فرحة غامرة، إذ أن ليلة الرؤية تشبه إلى حد كبير ليلة العيد من حيث انتظار الأهل لثبوت رؤية هلال رمضان، فالبعض يترقب التلفاز أو المذياع لسماع بيان دار الإفتاء حول رؤية هلال شهر رمضان، وفي السابق كان الكبار والأطفال يصعدون إلى مآذن المساجد لاستطلاع الهلال.

ومن الذكريات التي مازالت محفورة في مخيلتنا أن تلتقي العائلات على مائدة واحدة تغمرهم السعادة وتحفهم أجواء اللطافة والابتهاج، وتكثر زيارات الأقارب ولقاءات الجيران والأصدقاء بعد صلاة التراويح حيث تسخر بعضها لإحياء الأنشطة الدينية ومجالس الذكر، والآخر للتعرف على أحوال الناس ومساعدتهم، حيث تكثر الأعمال الخيرية في هذا الشهر، فيهنأ من يستغل أوقاتها بالعبادة والتقرب من الله، ويخسر من يفرط في الابتعاد عن أداء واجباته.

وكما جرت العادة أن ترشد الأسر أطفالها وتعلمهم بعض الأمور عن فضائل رمضان مستشهدة بقصص الأنبياء والصحابة في صوم الشهر المبارك، وتعمل الأسر على إفهام الصبي أن الصوم فريضة كتبها الله علينا كما كتبها على الأمم من قبلنا وأنها ركن من أركان الإسلام الخمسة وأن عليه أن يتدرب على أدائها متى استطاع ذلك، فيبدأ الصغار بتقليد الكبار في صيامهم حتى يصبحوا مثلهم.

«البيان» التقت عدداً من الأطفال للوقوف على تجاربهم مع الصيام لأول مرة يقول خالد علي « الصف الثاني الابتدائي» انه استعد للصيام قبل قدوم شهر رمضان، حيث شجعه أهله على الصوم هذا العام حتى يتعود في السنين المقبلة وقال: شجعتني والدتي على أن أصوم أول يوم في رمضان، ووعدتني أن ينتهي الصيام عند أذان الظهر أو عندما اشعر بالتعب والإرهاق وعندما أتعود على ذلك سأصوم لفترات أطول حتى أتم الصيام من الصباح إلى سماع أذان المغرب.

وأضاف خالد انه يتمنى في هذه الأيام أن يصوم حتى الساعة الثانية ظهرا، ويأمل في أن يصوم حتى أذان العصر خلال الأسبوع المقبل، وانه على استعداد لصيام رمضان كاملا في السنة المقبلة لاعتقاده بأنه سيتعود على ذلك.

* إفطار مبكر

من جهتها قالت مياسة سلطان - في الصف الثاني الابتدائي ـ انها تتمنى ان تصوم أياما ولو قليلة في هذا الشهر، كما تأمل بتشجيع من ذويها أن تصوم يوما كاملا وان لا تفطر قبيل سماعها لأذان المغرب، وتتطلع لأن تصوم شهر رمضان كاملا عند بلوغها سن الثامنة.

وتقلد مياسة والدتها في الصيام، وتعتقد أن لللصيام أموراً يجب أن تراعى حتى لا تجرح صيامها كذكر الله دائما والمحافظة على الصلاة والصدق ومساعدة الفقراء والمساكين.

وأشار سيف مطر «الصف الثاني الابتدائي» إلى وجوب الصيام على كل مسلم ومسلمة، كما يحرص على التقرب من الله في هذا الشهر من خلال الصيام والصلاة وفعل الخير للمحتاجين.

وأضاف: صمت أول يوم في رمضان حتى أذان الظهر وذلك للتدريب على فريضة الصيام ولأثبت لإخوتي وأصدقائي بقدرتي على التغلب على العطش في المدرسة ومقاومة الجوع عند رؤيتي لزملائي في المدرسة وهم يأكلون.

ويتطلع سيف إلى صيام رمضان كاملا في السنة المقبلة، وبدوره تمنى أن يصوم أياما كاملة خلال هذا الشهر دون أن يشعر بالتعب والجوع.

وأوضح سالم جمعه «الصف الثالث الابتدائي» انه استطاع أن يتغلب على الجوع من خلال إيقاظ أهله له لتناول «السحور» مع تشجيعهم المستمر له طيلة اليوم على إتمام الصوم.

* خطة للصيام

وردا على سؤالنا في كيفية التغلب على الجوع إذا اشتد عليه الصيام، قال: تشغلني أمي بأعمال تلهيني عن التفكير في الأكل والشرب إلى أن يحين موعد الإفطار، وغالبا ما يصطحبني أبي معه إلى الصلاة في المسجد أو لشراء غرض من السوق.

ووضع سالم خطة لصيام نصف شهر رمضان من خلال صيام يوم وإفطار اليوم التالي حتى يتأهب لإتمام الصيام كاملا في السنة المقبلة.

وقالت عائشة عسكر- في الصف الأول الابتدائي ـ ان والدتها أكدت لها أن صيام رمضان للأطفال ينتهي عند أذان الظهر في البداية، وهي استطاعت أن تصوم ساعات عدة وتفطر عند سماعها لجرس الفسحة في المدرسة.

وأضافت أن والدها يشجعها هي وإخوتها على الصيام، فهي تتنافس مع إخوانها في الصيام حيث يدربهم بالمشاركة في الصيام وتقديم المكافأة لمن يصوم أطول وقت ممكن، فقد حصلت عائشة ذات مرة على مكافأة لتمكنها من إتمام الصيام حتى أذان الظهر.

من جانبه قال صالح عسكر «في الصف الرابع الابتدائي» ان الصيام ركن من أركان الإسلام الخمسة وهو فريضة على كل مسلم ومسلمة، وانه تدرب على أداء الصيام من خلال تشجيع والديه وتحبيبه في الصيام لأن أجره عند الله عظيم، وان الله يستجيب لدعاء الصائم.

واستطاع صالح أن يتم الصيام حتى أذان المغرب بصورة تدريجية، ويأمل أن يصوم الأيام المقبلة من رمضان حتى يكون من الصالحين.

وتحرص ود سلطان على صيام ساعات قليلة من رمضان حتى تتعود على إتمام الصيام حتى أذان المغرب، وتأمل ان تنجح محاولاتها وبتشجيع من أهلها على الصيام حتى أذان الظهر دون ان تخفق بسبب دوامها المدرسي الذي يرهقها وعدم تناولها لوجبة السحور.

وتشجعها أختها مياسة على الصيام وتتمنى أن تصوم في السنة المقبلة حتى أذان المغرب أسوة بأهلها الكبار.

* مكانة خاصة

حول الموضوع ذاته تقول الواعظة زهرة الجابري من إدارة التوجيه الأسري- قسم التوعية الدينية: يحتل الصوم- ذلك الركن المهم من أركان ديننا الحنيف- مكانة خاصة في قلوب المسلمين، ويتميز بروحانيته العميقة وأجوائه الخاصة، فيقبل عليه الناس بصورة مميزة.

وذلك ما يشد انتباه الأطفال ويستثيرهم لمحاولة تقليد الكبار بل ويصرون على الصوم والقيام بكل أركانه وواجباته وأعماله، وسط رفض الأهل أحياناً وقبولهم للوضع في أحيان أخرى.. فيثار هنا هذا السؤال : متى وكيف يمكن لطفلي البدء بأداء هذه الفريضة المهمة؟

وتستطرد اهتم الإسلام بالطفل وتعليمه وتوجيهه اهتماماً كبيراً، وذلك منذ نعومة أظفاره دون تأجيل لهذه العملية حتى يكبر الطفل أو يبلغ ،وفي سيرة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير الأمثلة على ذلك .

فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسارع لتوجيه النصيحة للطفل بأساليب تربوية راقية وخاصة، دون تأجيل أو تسويف، فالتربية في الصغر أسهل وأثبت وأكثر فعالية منها في الكبر، قال الإمام الماوردي: «نشأة الصغير على شيء تجعله متطبعاً به، ومن أُغفل في الصغر، كان تأديبه في الكبر عسيراً» وصوم الطفل غير البالغ ليس واجباً شرعاً ولكن تدريبه عليه غير ممنوع إطلاقاً.

ومن الأساليب المعينة للوالدين على تدريب طفلهما على هذه العبادة المهمة ما يلي: قيام الوالدين ببيان فضل الصوم وفوائده الأخلاقية والنفسية والصحية، وأنها عبادة خاصة بين العبد وربه، وأنها تقرب العبد إلى ربه زلفى، وترغيب الطفل في أدائها ونيل أجرها الكبير، مراعاة عاملي العمر والقدرة البدنية للطفل، وعدم مقارنته بغيره ، فلكل طفل خصوصيته وقدراته، تعزيز الطفل بالهدايا والمكافآت وبكل وسائل التشجيع المتاحة، مراعاة رغبة الطفل وهمته واستعداده النفسي وهي تختلف من طفل لآخر أيضاً.

التدرج في التدريب، فنبدأ بتأديب الطفل على الأخلاقيات والسلوكيات والواجبات الرمضانية كحفظ اللسان وقراءة القرآن ومساعدة الأهل في التحضير لمائدة الإفطار وغيرها وذلك قبل سن السابعة ، ونبدأ بتعويده بين سن السابعة والثامنة على صيام نصف يوم فقط ثم نشجعه على صيام الأيام التي تصادف العطلات حتى وإن لم تتعد أيام صيامه الكاملة في رمضانه الأول سوى بضعة أيام عدم مقارنته بالأطفال الآخرين من أقاربه وخاصة من هم أصغر منه سناً.

نادية إبراهيم