إذا كان لكل كاتب مواسم خاصة به للإبداع وفي هذه المواسم تتجلى مواهبه وقدراته الإبداعية وتزداد رغبته في العطاء إلا أن شهر رمضان هو الذي يختصر كل المواسم الإبداعية لدى الكاتب والمبدع أسامة أنور عكاشة، فرغم التعب والإرهاق يشعر عكاشة انه في أفضل حالاته، وأن أعماله خلال هذا الشهر الفضيل تلاقي نجاحاً واستحساناً أكبر مما كان يتوقع.

ويعتبر المبدع والكاتب أسامة أنور عكاشة أحد هؤلاء الكتاب المولعين بشهر رمضان حيث يعتبر هذا الشهر المبارك ذا خصوصية جميلة لديه ويمتلك ذكريات مليئة بالأحداث ونقاط التحول المهمة في مشواره الأدبي.

يقول رغم أنني عايشت شهر رمضان في الواقع مثلي مثل كل الناس وذكرياتي عنه كلها حالات مشتركة بيني وبينهم، لأنه الشهر الوحيد الذي لا يقبل أن يستحوذ عليه أحد إلا أنني أحسه وأشعر به وأتعايش معه على طريقتي الخاصة.

فشهر رمضان يعطيني قدرة لا حدود لها على كل المستويات الروحية والفكرية، ففي إطار الجو الرمضاني أشعر بحالة التوهج، وذكرى رمضان بالنسبة لي تجدها على كل الوجوه ذكريات مبعثرة هنا وهناك مع هذا الطفل في قريتي في كفر الشيخ وذاك الرجل في حارات القاهرة الضيقة، وعلى مآذنها الشاهقة .

وعلى أصوات شخوص أعمالي وكم من مواقف انطبعت في وجداني خلال هذا الشهر الكريم استحضرتها واستفدت منها في أعمالي، الشهد والدموع، وليالي الحلمية، وزيزينيا، وامرأة من زمن الحب، وغيرها.

ويعود أسامة أنور عكاشة الى ذكرياته الرمضانية في الطفولة فيقول: إن إحساس الطفل برمضان يختلف عن إحساس الرجل بهذا الشهر، ولعل ذلك يعود الى عظمة هذا الشهر الكريم فمهما مررنا بتجارب وخرجنا منها بذكريات تظل ذكريات رمضان في قلب الطفل هى الأبقى والأجمل.

ورمضان في أيام طفولتي كان شهراً للبهجة والسعادة والانطلاق والمرح، وأذكر أنني عندما كنت طفلاً كنت أشكل مع مجموعة من الأطفال حلقة كبيرة قبل آذان المغرب بالقرب من مسجد القرية لننتظر سماع الآذان ونخطط لما سنفعله بعد الإفطار ونتواعد على اللقاء لمواصلة الألعاب الصبيانية، وعند سماع الآذان ننطلق مهللين «افطروا يا صائمين»، ثم يذهب كل منا إلى بيته لتناول طعام الإفطار بعدها يتجمع كل أطفال القرية.

ونحمل الفوانيس ونظل نلهو بها ونجوب أنحاء القرية واعتقد ان الاحتفال بالفوانيس الصاج واللف بها في حارات وشوارع القرية كانت بمثابة صورة مكررة في معظم القرى الصغيرة في ربوع مصر في الزمن الماضي. ويضيف أسامة أنور عكاشة يظل في ذاكرتي الطفولية أيضاً عن شهر رمضان صورة الإفطار الجماعي الذي كان يتكرر يومياً طوال أيام الشهر المبارك.

حيث يجتمع عدد كبير من الأسر المتجاورة وتخرج صواني الطعام من البيوت ليجلس الجميع على الحصر المفروشة لتناول الإفطار الجماعي، وتبادل الحكايات حتي وقت طويل بعد الإفطار ونادراً ما كانت تتناول الأسرة طعام الإفطار وحدها.

وعما يمثلة رمضان على المستوى الفني لعكاشة يقول تمثل في أول معرفة لي بالجمهور والتي كانت من خلال شهر رمضان عام 1986 حيث عرض مسلسل الحب وأشياء أخرى وتأكد نجاحي واسمي ككاتب أيضا في رمضان من خلال الجزء الثاني من الشهد والدموع لأن الجزء الأول أذيع في الأيام العادية.

وعن مدى اختلاف الأعمال الرمضانية عن بقية الأعمال طوال العام قال إن المسلسلات التليفزيونية في رمضان أصبحت بمثابة وجبة يومية للجماهير وهو ما يتطلب وقفة تأمل من كل كتاب الدراما نظراً للتأثير الشديد الذي تتركه أعمال هذا الشهر، وعلى هذا الأساس فأسلوب الكتابة التلفزيونية الرمضانية يحتاج إلى دقة شديدة .

القاهرة ـ محمد الصادق