من بين الصحف التي كانت تصل إلى الإمارات صحيفة الفتح وهي الصحيفة التي أصدرها بمصر السيد محب الدين الخطيب في حوالي عام 1346ه/ 1928م وصدرت عن دار المطبعة السلفية ومكتبتها التي يملكها المحرر، ويتضح منهاج الفتح مما حرر على غلافها الداخلي (مباديء الفتح: الفتح لأهل القبلة جميعاً، الفتح رسالة الأفكار الإسلامية بعضها إلى بعض، الفتح رابطة روحية بين قرائه)، وسارت الفتح على المنهج السلفي.

لذا فإن من كانوا على المذهب السلفي بالإمارات سارعوا إلى الاشتراك فيها، فكانوا اذا ما وصلهم عدد منها يتداولونه بينهم ومن هذه الاشتراكات ما جاء في رسالة صاحبها الموجهة إلى إبراهيم بن محمد المدفع يفيده فيها بقيد الاشتراك وانها ستصلهم ابتداء من العدد 134 والرسالة مؤرخة في 19 ذي القعدة 1347هـ 1929م علما بأن الجريدة تصدر خمسين عددا سنويا. حيث كانت أسبوعية.اما المقالات التي نشرت فيها للشيخ مبارك سيف الناخي من الشارقة.

أولا: العدد 298 الصادر في 19 صفر 1351هـ 1932م السنة السادسة.

* في سبيل فلسطين

نشرت الفتح للشيخ الناخي في عددها 677 العام الرابع عشر الصادر عام 1938م. مقالة بعنوان «في سبيل التاج» موضوع الخطبة التي ألقاها الناخي في جامع الشارقة حول فلسطين وهي تمثل تحول خطبة الجمعة بمساجد الإمارات إلى الاهتمام بالقضايا السياسية وقضية فلسطين التي هي قضية سياسية دينية للأمة العربية خطبة ألقاها الفاضل الغيور الشيخ مبارك بن سيف الناخي في جامع الشارقة من ثغور الخليج العربي.

أيها المسلمون: قال ربكم عز وجل «انما المؤمنون أخوة» وقال نبيكم عليه الصلاة والسلام «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وقال «المسلمون كرجل واحد ان اشتكى عينه اشتكى كله» وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه. وقال «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».

وممن يجب الاهتمام بهم اليوم اخواننا عرب فلسطين الذين منذ أصيبوا بالاستعمار وابتلوا بالصهيونية وهم في عذاب أليم وشقاء مقيم. أيها المسلمون: لا يوجد اليوم في الدنيا مصابونا أحق بالعطف من جرحى فلسطينا صرعى التعدي ضحايا الظلم ما برحوا لكل أمر يناجي مستعدينا قوم أبوا أن يضيع الحق فاندفعوا بخير ما ملكوا عنه يحامونا قوم أحيط بهم في عقر دارهم من لامهم سمه ان شئت مجنونا قوم أهينوا فذادوا عن كرامتهم.

وهل رأيت أبيا يقبل الهونا أيها المسلمون: ان مسألة فلسطين تهم المسلمين كافة في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف مللهم ونحلهم وتباين أصولهم وعناصرهم، لا فرق بين عربي وهندي وفارسي ولا بين تركي وصيني وجاوي الكل في المسجد الأقصى سواسية مصر تشاطر فيه الهند والصينا لأن اعتداء اليهود اعتداء على الأمة العربية والمقدسات الإسلامية.

فاليهود يحاولون الاستيلاء على مكان البراق الشريف وانتزاعه من أيدي المسلمين وهو وقف إسلامي منذ سنة 666 من وقف الملك الأفضل اكبر أنجال صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وهو جزء من المسجد الأقصى لا يتجزأ ولو كره المستعمرون، وإذا تم لهم ذلك فسيحاولون الاستيلاء لا قدر الله على المسجد الأقصى نفسه ثالث الحرمين وأولى القبلتين، هذا من جهة ومن جهة أخرى يسعون في تأسيس وطن قومي لهم في فلسطين.

وذلك بقوة الانجليز ومدافعهم ورشاشاتهم ودباباتهم وطياراتهم، ولولا وجود هذه القوات الجهنمية والآلات النارية لما رسخت لهم بها قدم، تحقيقا لوعد بلفور المشؤوم الصادر في 2 نوفمبر 1917 بلفور بالوطن القومي أطمعهم بوعد بلفور صار الكل مفتونا لهذا وذاك قام إخواننا عرب فلسطين لرد عادية اليهود وصد عدوانهم وايقافهم عند حدهم وإفهامهم بأن مكان البراق والحي المجاور له هو وقف من أوقاف المسلمين لا ينزاعهم فيه منازع ولا يشاركهم فيه مشارك.

وان ما يسعون له من تأسيس الوطن القومي اليهودي في فلسطين لا يمكن بحال من الأحوال ولا يتأتى لهم بوجه من الوجوه، فحدثت من جراء هذا اضطرابات مشؤومة وحوادث معلومة وفتن كقطع الليل المظلم، عانى في خلالها إخواننا عرب فلسطين العذاب المهين والشقاء المبين، وذاقوا أنواع العذاب وصنوف الآلام وأبلوا فيها بلاء حسنا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الإسلام والمسلمين، في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى ومكان البراق.

بذلوا مهجهم الغالية وأراقوا دماءهم الطاهرة في سبيل هذا القدس الإسلامي العظيم، والجود بالنفس أقصى غاية الجود. فكم زهقت أرواح شبان، وكم اهريقت دماء كهول وشيوخ، وكم أطفال تيتمت وكم نساء ترملت، فمن قتل وتجريح وتخريب وتدمير. لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان كل هذا أوقعه اليهود والإنجليز بأعوانكم عرب فلسطين حراس المسجد الأقصى وجنود دفاعه وذواد حياضه، ذلك المقدس الإسلامي الذي يقدّسه كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

عرب فلسطين قليلون بأنفسهم، ولكنهم كثيرون بإخوانهم البالغ عددهم زهاء أربعمئة مليون مسلم: ربهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، يألمون لألمهم ويفرحون لفرحهم.أيها المسلمون: ما من بلد من البلدان العربية ولا قطر من الأقطار الإسلامية إلا وقد سعى أهله لجمع إعانة وقدموها لإخوانهم منكوبي فلسطين كل بحسب استطاعته ومقدرته، وفي مقدمة عرب الخليج إخواننا الكويتيون جزاهم الله خير.

فقد جمعوا نحواً من أربعين ألف روبية وقدموها لإخوانهم المنكوبين في العام الماضي، وقد نوهت عنهم الجرائد بذلك وشكرهم العالم الإسلامي، ومما هو جدير بالذكر أن امرأة من المحسنات في الكويت تبرعت بثلاثة آلاف روبية في هذه الإعانة، فمرحى لهذه الأريحية الفذة ومرحى مرحى لهذه المؤمنة. هكذا تكون المرأة المسلمة، هذا هو الإسلام، هذا هو .....، هذا هو الإيمان.

ولو كان النساء كمثل هذه لفضلت النساء على الرجال فإذا كنا لا نجود بأنفسنا في سبيل الدفاع عن المسجد الأقصى الذي هو ثالث الحرمين وأولى القبلتين وعن مكان البراق الشريف بعده أو عدم مناسبة الظروف، فلنجد بجزء يسير من أموالنا لإخواننا المنكوبين، لأن المسألة مسألة دينية والاعتداء الحاصل اعتداء على المقدسات الإسلامية.

لهذا جئت أذكركم بواجبكم الديني والإنساني نحو إخوانكم عرب فلسطين، وأن الأمل في الله ثم فيكم لجميل أن تعينوا إخوانكم وأن يبذل كل منكم ما تطيب به نفسه وتجود به أريحيته في هذا السبيل الذي يحتم على كل ذي ذرة من إيمان ألا يتأخر عنه، وفي ذلك ما يرضي الله ورسوله ويشكره عليه العالم الإسلامي.

أيها المسلمون: من لم تهمه مسألة فلسطين فماذا عسى أن يهمه؟ من لم تستفزه حوادث فلسطين فماذا عسى أن يستفزه؟ من لم يحرك عواطفه ويثر شعوره أين شكوى فلسطين فماذا عسى أن يحركه ويثيره؟ من لم تؤلمه وتبكيه مصيبة فلسطين فماذا عسى أن يؤلمه ويبكيه؟ من لم تدم فؤاده حالة فلسطين فماذا عسى أن يدميه؟

من لم يحس ويشعر بواجبه الديني نحو فلسطين فبماذا عسى أن يحس ويشعر؟ فيا للهول مما يجري هناك من الأعمال الوحشية الشنيعة في كل ساعة وحين، ياللفظائع المنكرة تعمل وترتكب في إخواننا الفلسطينيين، فمن تيتيم عائلات، ومن جوع وعراء، ومن تخريب وتدمير، إلى غير ذلك مما يفتت الأكباد ويذيب القلوب.وفي الختام أضرع إلى الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين وأن ينصر إخواننا عرب فلسطين.