لا أحد في البشرية صابر كالمؤمن الموصول بمدد الله، وكلما تعلق الإنسان بالله وزاد يقينه به ثبت قلبه واطمأن، وكلما نقص إيمانه طاش وفزع، ويوضح هذا المعنى الإمام الغزالي رحمه الله، إذ وضح معنى الصبر بمثال القتال الذي يكون بين فئتين، ويصور القلب على أنه ساحة حرب بين باعث الدين وباعث الهوى، ومدد باعث الدين من الملائكة المناصرين لحزب الله.
ومدد باعث الشهوة من الشياطين المناصرين لأعداء الله، فالصبر هو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، وكلما ازداد المؤمن إيماناً ويقيناً استطاع دحر شهوته، والشهوة أنواع إما أن تكون شهوة الكسل أو شهوة الفرج أو شهوة حب الدنيا والرئاسة أو شهوة المال أو شهوة ظلم الناس، فالمؤمن يقهر هذه الشهوات بإيمانه الراسخ، أما المنافق فيطيش من أول شهوة لأنه فقد مدد الله وقوته.
نعم، ليس ذلك إلا للمؤمن الصابر الذي يهنأ بعيشه، فيرى قضاء الله برداً وسلاماً، يحيا مستقر العيش منعماً بروح الله، واليقين به، فإذا لم يكن كذلك برم وضجر وشق ثوبه وقطع شعره من أقل مصيبة، وكم سمعنا عمن أصابه الفالج لخسارة تجارته، أو جن لفقد حبيبه، والدنيا دار أكدار لا دار استقرار، وما ذلك إلا للمؤمن الصابر على طاعة الله فيلزمها، الصابر على معصية الله فيتركها، وحقاً إن الصابر ينال كل الخيرات والمبرات، ولا عجب أن يقول سبحانه (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ).